السبت، 29 أكتوبر، 2011

مشروع للهيمنة الأمريكية وطمس الهوية الإسلامية فى الشرق "الحلقة الثالثة

يشيع هذا وغيره ليصل بالمسلمين إلى قمة الإحباط الذى تطلعوا إلى سفحه مع بداية الأحداث، وليصل بهم إلى قناعة بأنه ليس بالإمكان أبدع مما كان، وأن ما حدث وما هو مرشح للحدوث إنما هى وقائع لا ريب حادثة ولا مبرر لتحاشيها، ولا فائدة من تلافيها، ولا ضرورة لاحتوائها؛ فقد انفض سرادق الحياة، وأوشك الزمان على الرحيل، وباتت ملامح النهاية المحتومة.. فلماذا إذن العمل؟ ولماذا نشغل أنفسنا بخطط ودراسات واستطلاعات وأبحاث ورؤى وتصورات، وقد سبق السيف العزل؟
هذا هو الواقع المرير الذى مر ويمر بالمسلمين كلما ارتفعت تلك الأصوات، وما إن تردد الحديث عن الأزمات، وهو ما يحتاج إلى توضيح وتفهيم:
- إن أحاديث المهدى المنتظر -كما ذكر فضيلة الشيخ سلمان فهد العودة فى دراسة نشرت "الإسلام اليوم " على شبكة الإنترنت- ورد منها الموضوع والضعيف والحسن وأقلها الصحيح، ومن هذه الأحاديث استخلص الفقهاء ما يجب اعتقاده تجاه هذه القضية، وهو أن المهدى حقيقة لا تنكر؛ حيث يخرج آخر الزمان خروجًا عاديًا يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا من قبل، وخروج المهدى بهذه الصورة لا يوجب على المسلمين أن ينتظروه أو يتربصوا به السنين؛ فظهوره لا يلغى الشرائع ولا ينسخ الأحكام، ومن تباطأ فيما وجب عليه متذرعًا بانتظار المهدي؛ فقد خالف نهج المسلمين.
- ويقول الشيخ سلمان: إن أهل السنة يؤمنون برجل من آل بيت النبى -صلى الله عليه وسلم- يخرج فى آخر الزمان خروجًا طبيعيًا، يولد كما يولد غيره، ويعيش كما يعيش غيره، وربما يقع منه الخطأ، ويحتاج إلى إصلاح مثل غيره من الناس، ثم يكتب الله على يديه خيرًا كثيرًا، وبرًا وصلاحًا للأمة وعدلا، ويجمع الله به شمل المسلمين ليس هناك أكثر من هذا. كما هو وارد فى الأحاديث، ولم يرد فى أى نص من النصوص أننا متعبدون بانتظاره، أو ترقبه، بل ينبغى ألا يقبل أى مسلم مثل هذا الادعاء بمجرد الاشتباه، حتى تقوم الأدلة الكافية؛ فإن المدعين كثير منذ فجر التاريخ.
والمسلم مطالب بالتثبت والتحرى والأناة، وألا يستعجل الأمور بمجرد الرغبة أو الهوى النفسي. ويقول الشيخ سلمان: "إن خروج المهدى لا يتوقف عليه أى شعيرة شرعية، نقول: إنها غائبة حتى يأتى الإمام المهدي، فلا صلاة الجمعة، ولا الجماعة، ولا الجهاد ، ولا تطبيق الحدود، ولا الأحكام، ولا شيء من ذلك مرهون بوجوده؛ بل المسلمون يعيشون حياتهم، ويمارسون عباداتهم، وأعمالهم، ويجاهدون ويصلحون ويتعلمون ويعلّمون، فإذا وجد هذا الإنسان الصالح، وظهرت أدلته القطعية التى لا لبس فيها اتبعوه.
وعلى هذا درج الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وتتابع على هذا أئمة العلم على تعاقب العصور؛ ففكرة سيطرة الترقب، والانتظار، والمبالغة بهذا أمر حادث.
ومن خلاصة ذلك ندرك عددًا من النقاط التى يجدر الإشارة إليها:
أمم لا تيأس
لعل من أشد ما يثير العجب أن يتفشى اليأس والإحباط ثم الانبطاح والاستسلام لمطالب وأطماع المستعمر فى أمة يحرم دينها اليأس، ويرفض الإحباط بل يعده من الأمور التى يخشى على إيمان المرء إن تسربت إليه أو تملكت عليه نفسه.. بينما تصمد أمم لا تملك هذا اليقين، ولكنها رغم ذلك تملك إرادة صلبة فى مواجهة محاولات الهيمنة والسيطرة، ونقف هنا عند نموذجين من نماذج الصمود والتحدى ضد الهيمنة: الأول فى كوريا الشمالية والثانى فى كوبا.
ففى المثال الأول نلاحظ المعاناة الاقتصادية الكورية إزاء عمليات الحصار المستمرة من قبل الولايات المتحدة منذ نصف قرن، بل إن كوريا الشمالية تعد أول بلد استخدمت فيه واشنطن الأسلحة البيولوجية والكيماوية ضد البشر والحيوانات والنباتات عام 1952 ؛ الأمر الذى ترك آثاره المدمرة على الاقتصاد والحياة فى كوريا، ولم تتوقف واشنطن عند ذلك بل قادت حربًا شرسة لحرمان الكوريين الشماليين من حقهم الطبيعى والقانونى فى الحصول على تعويضات عن العبودية الجنسية التى تعرض لها عشرات الآلاف من نسائهم فى قضية نساء التسلية، وهى القضية التى اختطف فيها الجنود اليابانيون نساء كوريا، وقادوهن قسرًا ليعشن معهم كسبايا فى المعسكرات؛ ليعاشروهن جنسيًا تحت سطوة السلاح، ثم يرمونهن بعد انتهاء الحرب بأطفالهن غير الشرعيين فى الشوارع، إلا أن الولايات المتحدة اعتبرت حرمان كوريا الشمالية من التعويضات عن الرق البالغة 18 مليار دولار جزءًا من الحصار.
ورغم عمليات الحصار التى تزداد يومًا بعد يوم؛ فقد نجحت كوريا فى إيجاد أجواء لصناعة عسكرية ناجحة، تصدر منتجاتها إلى الدول الصغيرة التى تسعى للتسليح التقليدى وغير التقليدي، ويشير معهد الدراسات الاقتصادية الدولية فى واشنطن إلى أن الصادرات العسكرية الكورية بدأت تنزل الملعب بشكل مكثف فى أوائل الثمانينيات، ووصلت عام1985 إلى مليار ونصف مليار دولار، ويتوقع المعهد أن تكون الصادرات العسكرية قد وصلت الآن إلى أرقام متقدمة تعد بالمليارات لتمثل الركيزة الأولى للاقتصاد الكورى الشمالي، فى الوقت نفسه أبرمت كوريا الشمالية اتفاقات مع الصين بملايين الدولارات كاستثمارات أجنبية تتمتع بضمانات وإعفاءات وحقوق تحويل مباشر.
المثال الثانى من كوبا حيث تفرض الولايات المتحدة العقوبات عليها منذ عام1959، إلا أن الحصار زادت وطأته عام 1990عندما سقط الاتحاد السوفيتي، وأصبح حصار اليوم مطلقًا؛ حيث تملك الولايات المتحدة مجمل الأوراق التى تشكل متنفسًا للاقتصاد الكوبي، متمثلة فى الاستثمار والتكنولوجيا وإعلان الأسواق، والضغط على عائدات الخارج، وبتخفيف صناعة السياحة وتبخير صناعة السكر. ورغم هذه المصاعب فإن كوبا استطاعت تطوير أدائها خاصة فى مجال الزراعة العضوية التى ركزت على ثلاثة محاور:
أولها: تطوير نظام أيكولوجى بيئى حيوى بديل يقوم على السيطرة البيولوجية على الآفات الزراعية بدلا من المبيدات والكيماويات مثل استخدام جذع الموز وتطعيمه بالعسل لجذب حشرات معينة للأرض.
ثانيها: زراعة المدن أو بالأدق حدائق المدن بمحاصيل مثمرة.
فهناك حوالى 8 آلاف مزرعة رسمية فقط فى هافانا يزرعها 30ألف فلاح كوبى مقسمة إلى مؤسسات وأفراد، وحدائق الاستهلاك الذاتي، ويزرعها ويستهلك إنتاجها العمال، ويرسل إنتاجها لمطاعم المصانع والجامعات، وحدائق خاصة أفراد.
والمحور الثالث هو تطوير الآلات الزراعية القديمة المحراث القديم مثلا لوقف الاحتياج إلى التكنولوجيا.
ويضحك الكوبيون عادة عندما يقول زوارهم: إنهم أبدعوا تجربة جديدة، ولا يملون -كما يروى صحفى أمريكي- من القول بأنهم لم يفعلوا أكثر من استلهام تراث إنسان بالعودة إلى فترة قريبة ترجع إلى أوائل القرن الثامن عشر، حين كانت زراعات المدن تكفل أكثر من 70% من غذاء أهل المدن. وترصد الأمريكية باتريشيا جروب فى كتابها "الزراعة فى كوبا.. من الحديقة إلى المائدة" أن الزراعة المثمرة يمكن أن تقابلك فى كل مكان: فى الزهريات.. فى البراميل.. وفى التراس. وإنه فى عام1999 ان هناك 33 مشروعًا كبيرًا لإنتاج الفواكه والأرز وغير ذلك بها 250 ألف فلاح يزرعون ما مساحته 3.7 ملايين فدان.
يبقى أن التجربة الكوبية فى الزراعة العضوية انتقلت من الطور الميدانى إلى الطور الأكاديمي؛ حيث أصبح لها أكثر من 200 مركز، إضافة إلى 173 مركزًا تنتج مواد سيطرة بيولوجية زراعية بكميات تصل إلى 93 ألف طن فى العام، كما توجتها بإنشاء معهد حماية المحاصيل أنساسيف يتدرب عليه زراعيون من المكسيك وكولومبيا وأسبانيا والبرازيل وكوستاريكا وجاميكا وإكوادور وغيرها.
كما أن كوبا استطاعت -وفقًا لتقرير لـ"إنتربرس وورلد ينوساجنس"- أن تنتزع إشادة من البنك الدولى بمستوى التعليم والصحة؛ حيث انخفضت وفيات الأطفال عام 2001 إلى 2 فى الألف، وأصبحت على قدم المساواة مع الدول الغربية فى مجال رعاية الأطفال، ووصلت بمعدلات التعليم إلى مدرس لكل 12 تلميذا ابتدائيا، وهو معدل مماثل لما وصلت إليه السويد، وبالخدمة الطبية إلى 5.3أطباء لكل ألف مواطن، وهى من أعلى النسب فى العالم.
انتهى كلام الشيخ سلمان العودة
ويسوق الدكتور عبد العزيز بن ناصر الجليل فى كتابه "التربية الجهادية فى ضوء الكتاب والسنة " توضيحا للمعنى الشامل للجهاد فيقول: "عرف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الجهاد تعريفًا عامًا، قال فيه: "والجهاد هو بذل الوسع -وهو القدرة- فى حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق". وقال أيضا: "... وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد فى حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان".
وتحت هذا المعنى العام للجهاد يدخل جهاد النفس فى طاعة الله تعالى وترك معاصيه، وجهاد الشيطان وجهاد المنافقين وجهاد الكفار، ومن ذلك جهاد البيان والبلاغ، ومدافعة الفساد والمفسدين؛ بل إن جهاد الكفار بالسنان ما هو إلا جزء من القيام بفريضة الأمر بالمعروف الأكبر -وهو نشر التوحيد- والنهى عن المنكر الأكبر -وهو الشرك بالله عز وجل والكفر به-، وذلك بعد دعوة الكفار إلى التوحيد ورفضهم له أو لدفع الجزية.
ويبين الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- حقيقة الجهاد بمعناه العام وأنواعه؛ فيقول: "لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وقُبَّتَه، ومنازلُ أهله أعلى المنازل فى الجنة، كما لهم الرفعةُ فى الدنيا؛ فهم الأعلون فى الدنيا والآخرة.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الذِّروةِ العُليا منه، واستولى على أنواعه كلِّها؛ فجاهد فى الله حقَّ جهاده بالقلب والجَنانِ، والدعوة والبيان، والسيف، والسنَانِ، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده. ولهذا كان أرفعَ العالمين ذِكرًا، وأعظمهم عند الله قدرًا.
وأمره الله تعالى بالجهاد من حين بعثه، وقال: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} الفرقان: 51-52. فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار، بالحُجة، والبيان، وتبليغ القرآن. وكذلك جهادُ المنافقين إنما هو بتبليغ الحُجَّة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِى جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التوبة: 73.
فجهادُ المنافقين أصعبُ من جهاد الكفار، وهو جهادُ خواصِّ الأمة، وورثة الرُّسل، والقائمون به أفرادٌ فى العالم، والمشاركُون فيه، والمعاونون عليه، وإن كانوا هُم الأقلين عددًا، فهم الأعظمون عند الله قدرًا. ولما كان من أفضل الجهاد قولُ الحقِّ مع شدة المُعارِضِ، مثلَ أن تتكلم به عند من تُخاف سَطوته وأذاه، كان للرسلِ -صلواتُ الله عليهم وسلامُهُ- مِن ذلك الحظُّ الأوفَرُ، وكان لنبينا -صلوات الله وسلامه عليه- من ذلك أكملُ الجهاد وأتمُّه.
ولما كان جهاد أعداءِ الله فى الخارج فرعًا على جهادِ العبد نفسه فى ذاتِ الله؛ كما قال النبى صلى الله عليه وسلم : "المجاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فى طَاعَةِ الله، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى الله عنه" كان جهادُ النفس مُقدَّما على جهاد العدوِّ فى الخارج، وأصلا له؛ فإنه ما لم يُجاهد نفسه أولا لتفعل ما أُمِرَتْ به، وتترك ما نُهيت عنه، ويُحارِبها فى الله.. لم يمكنه جهادُ عدوه فى الخارج؛ فكيف يُمكِنُهُ جهادُ عدوه والانتصاف منه، وعدوُّه الذى بين جنبيه قاهرٌ له، متسلطٌ عليه، لم يُجاهده، ولم يُحاربه فى الله؟ بل لا يُمكنه الخروجُ إلى عدوه حتى يُجاهد نفسه على الخروج "
جهاد شامل
وإذا أدركنا أن القتال أحد أبرز معانى الجهاد، وأن عدم قدرة الأمة فى وقت من الأوقات أو عدم قدرة طائفة منها على القتال المباشر مع الأعداء لا تسقط عنها فرضية الجهاد بمفهومه الشامل والواسع.. ذلك المفهوم الذى يتسع لكل جهد بالغ يستهدف الدفاع عن أمته أو إعادة بنائها وتشكيلها، فى أى مجال سواء كان اقتصاديًا أو تربويًا أو إعلاميًا، أو تعليميًا أو علميًا وتقنيًا، خاصة إذا أدركنا أن البناء الصحيح فى المجالات المذكورة وغيرها مستهدف من قوى الاستعمار التى تحرص كل الحرص على أن تظل هذه المجالات والأطر فى مساحات التخلف والتراجع، ولا شك أن السباحة عكس التيار وبذل المحاولات لإعادة البناء فى ظل الأزمات والضغوط هى من أبواب الجهاد الواسعة التى يأثم من تأخر عن تلبية متطلباتها.
ولعل من أخطر ما يصيب الأمة -وخاصة الشباب- بالإحباط هو ذلك الفهم الذى يقصر الجهاد على القتال؛ فما إن انهزمت الأمة فى جولة من جولات القتال المباشر أو عجزت عن المقاومة العسكرية فى وقت من الأوقات حتى يشعر الجميع بالإحباط وعدم القدرة على العمل؛ ظنًا منهم أن الهزيمة العسكرية هى نهاية المطاف..
إلا أننا إذا أنصفنا بمراجعة أنفسنا، وتعرفنا على أسباب الهزيمة وجدناها نتيجة طبيعية لترك الجهاد الشامل بمفهومه الواسع فى كافة مجالات الحياة إعلاء لدين الله ورغبة فى إعادة بناء الأمة على تقوى من الله ورضوان؛ مما أفضى إلى واقع متخلف على كافة المستويات، بل إن توقف الهزيمة على ما هو قائم لطف من الله فيما جرت به المقادير وما استوجبته سنن الله الغلابة التى لا تجامل أحدًا ولا تحابى أمة. حتى إنه جال بخاطرى ونحن نتجرع عددًا من الهزائم فى ميدان النزال والقتال أنه لو قدر وانتصرنا رغم تخلفنا الإيمانى والحضارى والاقتصادى والعلمى والسياسى ربما كان ذلك فتنة للذين آمنوا، وفتنة للبشرية كلها عندما ترى سنن الله وقد تخلفت عن مسارها.
وربما يتعجب البعض عندما نقول: إن هذه الهزائم تدعم الإيمان بالله؛ لأنها تنسجم مع منهجه سبحانه وتنسجم مع سننه فى الكون، وإن القلب المؤمن الذى يدرك هذه الحقيقية عليه أن يعود إلى سنن الله يدرسها، ويتعرف عليها، ويجهد نفسه فى العمل لها، ويستنفر أمته لتستأنف الجهاد الشامل بمفهومه الواسع فى كافة المجالات.. خاصة أنه ليس هناك سبيل آخر غير هذا السبيل، وليس هناك طريق يوصل إلى النتائج المرجوة غير ذلك الطريق.
إن هذا الجهاد الشامل الذى ينتظم الحياة كلها فى كافة مناحيها ومجالاتها وأشكالها هو عينه الجهاد الذى عناه الإسلام ورغب فيه وأمر به، وهو الذى يجعل حياة المسلم كلها جهادًا فى سبيل الله، ويجعل موته أيضًا فى سبيل الله، سواء مات فى معركة حربية أو على فراشه أو ممسكًا بقلمه أو حاسوبه أو منجله.
والواقع يؤكد أن العدو ينجح فى استنفاد قوانا عندما يدرك أن القوى الفاعلة فى الأمة لو شغلت نفسها وكرست جهودها فى الأزمة فلا شك أنها ستظل عاجزة عن إعادة هيكلة مجتمعاتها أو بناء قدراتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتنموية على نحو صحيح، وهى بذلك ستظل عاجزة عن المواجهة أو تحقيق النصر على المدى القريب. فقوى المجتمع الفاعلة مستنفرة على الدوام فى مربع إطفاء الحرائق أو الأزمات والضغوط..
ولا نعنى أن الوضع الأمثل يكون فى ترك هذا المربع فارغًا، ولكن فى توزيع الطاقة بصورة متناسبة بين من يتابع الأزمات ويسدد ويقارب ومن يتحرك لإعادة البناء والتكوين على كافة المستويات الإيمانية والتربوية والعلمية والتقنية والاقتصادية والتنموية ومعه معطيات الواقع وآفاق المستقبل، وإلا كانت النتيجة أن تجتمع قوى الأمة الفاعلة فى مربع الضغوط والأزمات، وما إن أسفرت الجولة عن هزيمة للأمة حتى أصيب الجميع بالإحباط، وشعر الكافة بعدم القدرة على استئناف العمل والجهاد فى كافة الميادين التى تركتها قوى الأمة الفاعلة، وتفرغت للأزمات التى وإن كانت تمثل خطورة حالة ومباشرة فإن الخطر الأكبر هو إهمال البناء والتكوين الشامل.. إننا بحاجة إلى العمل والبناء الجاد تحت القصف وفى وقت الأزمات، وهذا هو الحل الوحيد.
ماذا نفعل بعد أن أدركنا أبعاد الأزمة التى تمر بها أمتنا، وبعد أن أدركنا أنه لا وقت للقعود أو التكاسل، وبعد أن أدركنا أن اليأس لا يصنع النصر أو يقود إليه، وبعد أن أدركنا أن أممًا غيرنا مرت وتمر بمحن مثلنا ولكنها تقاوم بكل ما أوتيت من قوة؟
ما هى المهام والأدوار التى يتحتم علينا أن نقوم بها ونتسابق فى أدائها؟
إذا أردنا أن نبدأ بداية صحيحة، ونتقدم إلى أهدافنا بخُطا حثيثة، فأول ما نسعى إليه ونضعه فى سلم أولوياتنا هو القضاء على التخلف بكافة أشكاله وصوره، ولنُحدث تنمية حقيقية وتقدمًا ملموسًا مقابل كل شكل من أشكال التخلف. إننا بحاجة للقضاء على:
- نشر الكتاتيب ومراكز تحفيظ القرآن بجهود شعبية بحتة مهما تراجع الدور الرسمى فى هذا الاتجاه.. وابتكار الأساليب الجديدة لتخطى أى قيود على تحفيظ القرآن الكريم, ويكفى أن نتذكر ما حدث فى الأقطار الإسلامية تحت الحكم الشيوعى فى الاتحاد السوفيتى السابق، وكيف تمكن نفر غير قليل من حفظ القرآن الكريم فى وقت كان فيه المصحف من الممنوعات التى تستوجب الاعتقال لحاملها!
وعندما نستعرض هذا النموذج ندرك أن موروثاتنا الإيمانية فى المنطقة العربية منعت تدهور الأمور إلى هذا الحد، وأن أمامنا مجالات واسعة ومساحات شاسعة للعمل من أجل الاعتناء بحفظ القرآن الكريم, سواء من خلال عمل وإنشاء مراكز تحفيظ شعبية أو مطالبة جموع أولياء الأمور لأصحاب المدارس الخاصة بتخصيص أوقات خارج المناهج الدراسية لتحفيظ القرآن الكريم، أو من خلال الدروس الخاصة التى ينبغى أن تسير جنبًا إلى جنب مع ما تتكبده الأسر من إنفاقات باهظة على الدروس الخاصة فى المواد الدراسية المقررة.
- تشجيع تحصيل العلم الشرعى من خلال مؤسسات متخصصة أو من خلال دورات تدريبية نوعية تسير جنبًا إلى جنب مع الدورات المتخصصة فى الحاسوب واللغات الأجنبية التى زاد الإقبال عليها. والسؤال: لماذا لا نجد دورات تدريبية فى تنمية المهارات اللغوية والبلاغية وتكوين أسس الثقافة الإسلامية المتنوعة سواء فى التاريخ الإسلامى أو الفقه أو علوم الحديث والتفسير لتسير جنبًا إلى جنب مع دورات الحاسوب واللغات؟
يمكن لما ذكرنا من دورات تدريبية متخصصة أن تؤهل عددًا من الشباب للقيام بدور تربوى متميز فى تنشئة وتربية الأجيال الجديدة, وبهذا يمكن أن تنشأ وظائف ومهن جديدة تحتاج إلى تأهيل علمى مقبول من خلال هذه الدورات؛ لتعود وظيفة "المربي" التى عرفها تاريخنا الإسلامي؛ وذلك بأن يعهد الآباء أبناءهم إلى ثلة من الشباب المؤهل علميًا وشرعيًا؛ لتربيتهم وتأديبهم وتعليمهم، وهو ما يمكن أن يعالج الخلل الحادث والمتوقع حدوثه خلال المرحلة القادمة من خلو مناهج التدريس الرسمية من المقررات والمناهج الشرعية والتراجع المذهل فى جرعة الثقافة الإسلامية, إضافة إلى الهشاشة واللبس المضمر فيما تبقى من مناهج إسلامية، والذى قد يكون ضرره فى بعض الأحيان أكثر من نفعه.
- يمكن أن تنشأ مؤسسات اجتماعية جديدة قادرة على تأهيل البنات لتحمُّل أعباء الحياة الزوجية بصورة متوازنة, تجمع بين الأسس والطرق العلمية المناسبة والقيم والأخلاق فى إطار الرؤية الإسلامية الشاملة.
وربما يكون من المفيد فى هذه الحالة أن يحصل الشباب من الجنسين على دورات متخصصة تضع أقدامهم على بداية صحيحة للحياة الزوجية تحدد لهم ملامح الطريق ومعالمه، وهو ما يمكن أن يكتسب أهمية نسبية عن بعض ما ينفَق فى حفلات الأعراس وكثير من المبالغات فى نفقات الزواج.
إن هذه الدورات المتخصصة يمكنها أن تؤهل الشباب، وتضع أقدامهم على الأهداف الحقيقية التى ينبغى أن تكون ماثلة أمامهم وهم مقبلون على هذه المرحلة, وتضع أيديهم على مقاصد الشريعة من الأسرة كأحد مكونات المجتمع التى يمكن أن تساهم بصورة فاعلة وكبيرة فى التنمية الإيمانية والقضاء على التخلف عن ركب الإيمان.
- تعريف الأمة بالأحكام الشرعية المتعلقة بوجوب التنمية العلمية.
- عمل مسابقات تدمج بين الوعى الإيمانى والثقافى والعلمى التقني؛ لتدرك الأمة أن التقدم العلمى أحد أهم التحديات التى لا تتقدم أمة بدونها، ويتم من خلالها التعرف على الخبرات العلمية المتميزة لتفريغها للقيام بدورها التخصصى وعدم شغلها بما سواه من أدوار.
- إنشاء مؤسسات شبه رسمية من خلال النقابات المتخصصة ومراكز الأبحاث والجامعات الخاصة وغيرها, تساهم فى تنمية الخبرات العلمية للأفراد المتميزين.
- بذل جهود فى نشر الوعى المعرفى والثقافى والإيمانى بين العلماء والخبراء, خاصة الذين مكثوا خارج أوطانهم, ودفعهم إلى إثراء أمتهم بجهودهم العلمية وخبراتهم الواسعة.
التنمية الإعلامية:
وهو من أكبر المجالات التى منيت أمتنا بالتخلف فيها، خاصة أن المستعمر يتعامل مع الإعلام جنبًا إلى جنب مع القوة العسكرية, وربما يرى أن معارك كثيرة لا يمكن حسمها بعيدًا عن الإعلام، وقد يرى أن القوة العسكرية ربما تفشل أحيانًا فيما ينجح فيه الإعلام. والمتابع يستطيع أن يلاحظ تلازم الكتائب الإعلامية جنبًا إلى جنب مع الوحدات القتالية؛ فهى التى تصيغ الشعور، وتصنع الحروب النفسية، وتساهم بقدر وافر فى هزيمة الشعوب أو انتصارها.
وبالرغم من سعة الآفاق الإعلامية المتاحة أمام أمتنا فإن الواقع يؤكد أن هناك مساحات واسعة بيننا وبين الانطلاقة المثمرة فى مجال الإعلام، ولعل من أبرز التحديات التى تواجهنا فى هذا المجال:
- تأميم ومصادرة الإعلام فى أغلب البلدان العربية، وتجييشه للتعبير عن الرؤية الرسمية للحكومات دون إتاحة الفرصة للتنوعات الفكرية.
- عدم إدراك كثير من مراكز التأثير داخل القوى الفاعلة فى المجتمع لخطورة وأهمية الإعلام ودوره الحيوى الذى يمكن أن يضطلع به فى النهضة والبناء، وبالتالى يظهر الإعلام الوطنى بصورة لا تعتمد على الاحتراف من الناحية الفنية بسبب تراجع القناعات بضرورة الإعلام والاهتمام به ورعايته.
- ضعف التمويل وتراجعه بسبب تراجع القناعات لدى الموسرين ورجال الأعمال الوطنيين بأهمية الإعلام .
- عدم قدرة الإعلام الوطنى على جذب الإعلانات التى تشكل مصدرًا كبيرًا من مصادر التمويل؛ وهو ما يحتاج إلى البحث عن مصادر بديلة أو مساندة للإعلانات التجارية. ومن أبرز تلك المصادر الوقف أو المشاريع التجارية الموازية التى بإمكانها أن توفر استقرارًا مقبولا للمؤسسات الإعلامية الوطنية، وتسهم فى استمراريتها.
بناء مجتمع معرفي.
توسيع الفرص الاقتصادية.
وتمثل أولويات الإصلاح هذه السبيل إلى تنمية المنطقة: فالديموقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذى تتحقق داخله التنمية, والأفراد الذين يتمتعون بتعليم جيد هم أدوات التنمية, والمبادرة فى مجال الأعمال هى ماكينة التنمية.
أولاً - تشجيع الديموقراطية والحكم الصالح
"توجد فجوة كبيرة بين البلدان العربية والمناطق الأخرى على صعيد الحكم القائم على المشاركة ... ويضعف هذا النقص فى الحرية التنمية البشرية, وهو احد التجليات الأكثر إيلاما للتخلف فى التنمية السياسية". تقرير التنمية البشرية, 2002
أن الديموقراطية والحرية ضروريتان لازدهار المبادرة الفردية, لكنهما مفقودتان إلى حد بعيد فى أرجاء الشرق الأوسط الكبير. وفى تقرير "فريدوم هاوس" للعام 2003, كانت إسرائيل البلد الوحيد فى الشرق الأوسط الكبير الذى صُنّف بأنه "حر", ووصفت أربعة بلدان أخرى فقط بأنها "حرة جزئياً". ولفت تقرير التنمية البشرية العربية إلى انه من بين سبع مناطق فى العالم, حصلت البلدان العربية على أدنى درجة فى الحرية فى أواخر التسعينات. وأدرجت قواعد البيانات التى تقيس "التعبير عن الرأى والمساءلة" المنطقة العربية فى المرتبة الأدنى فى العالم. بالإضافة إلى ذلك, لا يتقدم العالم العربى إلا على أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على صعيد تمكين النساء. ولا تنسجم هذه المؤشرات المحبطة أطلاقا مع الرغبات التى يعبّر عنها سكان المنطقة. فى تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2003, على سبيل المثال, تصدّر العرب لائحة من يؤيد, فى أرجاء العالم, الرأى القائل بان "الديموقراطية أفضل من أى شكل آخر للحكم", وعبّروا عن أعلى مستوى لرفض الحكم الاستبدادي.
ويمكن لمجموعة الثمانى أن تظهر تأييدها للإصلاح الديموقراطى فى المنطقة عبر التزام ما يلي:
مبادرة الانتخابات الحرة
فى الفترة بين 2004 و 2006, أعلنت بلدان عدة فى الشرق الأوسط الكبير 2 نيتها إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية أو بلدية.
وبالتعاون مع تلك البلدان التى تظهر استعداداً جدياً لإجراء انتخابات حرة ومنصفة, يمكن لمجموعة الثمانى أن ستقدم بفاعلية مساعدات لمرحلة ما قبل الانتخابات بـ:
تقديم مساعدات تقنية, عبر تبادل الزيارات أو الندوات, لإنشاء أو تعزيز لجان انتخابية مستقلة لمراقبة الانتخابات والاستجابة للشكاوى وتسلم التقارير.
تقديم مساعدات تقنية لتسجيل الناخبين والتربية المدنية إلى الحكومات التى تطلب ذلك, مع تركيز خاص على الناخبات.
الزيارات المتبادلة والتدريب على الصعيد البرلماني
من أجل تعزيز دور البرلمانات فى دمقرطة البلدان, يمكن لمجموعة الثمانى أن ترعى تبادل زيارات لأعضاء البرلمانات, مع تركيز الاهتمام على صوغ التشريعات وتطبيق الإصلاح التشريعى والقانونى وتمثيل الناخبين.
معاهد للتدريب على القيادة خاصة بالنساء
تشغل النساء 5,3 فى المائة فقط من المقاعد البرلمانية فى البلدان العربية. ومن اجل زيادة مشاركة النساء فى الحياة السياسية والمدنية, يمكن لمجموعة الثمانى أن ترعى معاهد تدريب خاصة بالنساء تقدم تدريباً على القيادة للنساء المهتمات بالمشاركة فى التنافس الانتخابى على مواقع فى الحكم أو إنشاء/تشغيل منظمة غير حكومية. ويمكن لهذه المعاهد أن تجمع بين قياديات من بلدان مجموعة الثمانى والمنطقة.
المساعدة القانونية للناس العاديين
فى الوقت الذى نفذت فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة والبنك الدولى بالفعل مبادرات كثيرة لتشجيع الإصلاح القانونى والقضائي, فان معظمها يجرى على المستوى الوطنى فى مجالات مثل التدريب القضائى والإدارة القضائية وإصلاح النظام القانوني. ويمكن لمبادرة من مجموعة الثمانى أن تكمّل هذه الجهود بتركيز الانتباه على مستوى الناس العاديين فى المجتمع, حيث يبدأ التحسس الحقيقى للعدالة. ويمكن لمجموعة الثمانى أن تنشئ وتموّل مراكز يمكن للأفراد أن يحصلوا فيها على مشورة قانونية بشأن القانون المدنى أو الجنائى أو الشريعة, ويتصلوا بمحامى الدفاع وهى غير مألوفة إلى حد كبير فى المنطقة. كما يمكن لهذه المراكز أن ترتبط بكليات الحقوق فى المنطقة.
مبادرة وسائل الإعلام المستقلة
يلفت تقرير التنمية البشرية العربية إلى هناك اقل من 53 صحيفة لكل 1000 مواطن عربي, بالمقارنة مع 285 صحيفة لكل ألف شخص فى البلدان المتطورة, وان الصحف العربية التى يتم تداولها تميل إلى أن تكون ذات نوعية رديئة. ومعظم برامج التلفزيون فى المنطقة تعود ملكيته إلى الدولة أو يخضع لسيطرتها, وغالباً ما تكون النوعية رديئة, إذ تفتقر البرامج إلى التقارير ذات الطابع التحليلى والتحقيقي. ويقود هذا النقص إلى غياب اهتمام الجمهور وتفاعله مع وسائل الإعلام المطبوعة, ويحد من المعلومات المتوافرة للجمهور. ولمعالجة ذلك, يمكن لمجموعة الثمانى أن:
ترعى زيارات متبادلة للصحافيين فى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية.
ترعى برامج تدريب لصحافيين مستقلين.
تقدم زمالات دراسية لطلاب كى يداوموا فى مدارس للصحافة فى المنطقة أو خارج البلاد, وتمول برامج لإيفاد صحافيين أو أساتذة صحافة لتنظيم ندوات تدريب بشأن قضايا مثل تغطية الانتخابات أو قضاء فصل دراسى فى التدريس فى مدارس بالمنطقة.
الجهود المتعلقة بالشفافية / مكافحة الفساد
حدد البنك الدولي الفساد باعتباره العقبة المنفردة الأكبر فى وجه التنمية, وقد أصبح متأصلاً فى الكثير من بلدان الشرق الأوسط الكبير. ويمكن لمجموعة الثماني:
أن تشجع على تبنى "مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد" الخاصة بمجموعة الثماني.
أن تدعم علناً مبادرة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية/ برنامج الأمم المتحدة للتنمية فى الشرق الأوسط - شمال أفريقيا, التى يناقش من خلالها رؤساء حكومات ومانحون وIFIs ومنظمات غير حكومية استراتيجيات وطنية لمكافحة الفساد وتعزيز خضوع الحكومة للمساءلة.
إطلاق واحد أو أكثر من البرامج التجريبية لمجموعة الثمانى حول الشفافية فى المنطقة.
المجتمع المدني
أخذاً فى الاعتبار أن القوة الدافعة للإصلاح الحقيقى فى الشرق الأوسط الكبير يجب أن تأتى من الداخل, وبما أن أفضل الوسائل لتشجيع الإصلاح هى عبر منظمات تمثيلية, ينبغى لمجموعة الثمانى أن تشجع على تطوير منظمات فاعلة للمجتمع المدنى فى المنطقة. ويمكن لمجموعة الثمانى أن:
تشجع حكومات المنطقة على السماح لمنظمات المجتمع المدني, ومن ضمنها المنظمات غير الحكومية الخاصة بحقوق الإنسان ووسائل الإعلام, على أن تعمل بحرية من دون مضايقة أو تقييدات.
تزيد التمويل المباشر للمنظمات المهتمة بالديموقراطية وحقوق الإنسان ووسائل الإعلام والنساء وغيرها من المنظمات غير الحكومية فى المنطقة.
تزيد القدرة التقنية لمنظمات غير الحكومية فى المنطقة بزيادة التمويل للمنظمات المحلية مثل "مؤسسة وستمنسترفى المملكة المتحدة" أو "مؤسسة الدعم الوطنى للديموقراطيةالأمريكية" لتقديم التدريب للمنظمات غير الحكومية فى شأن كيفية وضع برنامج والتأثير على الحكومة وتطوير استراتيجيات خاصة بوسائل الإعلام والناس العاديين لكسب التأييد. كما يمكن لهذه البرامج أن تتضمن تبادل الزيارات وإنشاء شبكات إقليمية.
تمول منظمة غير حكومية يمكن أن تجمع بين خبراء قانونيين أو خبراء إعلاميين من المنطقة لصوغ تقويمات سنوية للجهود المبذولة من اجل الإصلاح القضائى أو حرية وسائل الإعلام فى المنطقة. يمكن بهذا الشأن الاقتداء بنموذج "تقرير التنمية البشرية العربية".

ثانياً - بناء مجتمع معرفي
"تمثل المعرفة الطريق إلى التنمية والانعتاق, خصوصاً فى عالم يتسم بعولمة مكثفة". تقرير التنمية البشرية العربية, 2002
لقد أخفقت منطقة الشرق الأوسط الكبير, التى كانت فى وقت مضى مهد الاكتشاف العلمى والمعرفة, إلى حد بعيد, فى مواكبة العالم الحالى ذى التوجه المعرفي. وتشكل الفجوة المعرفية التى تعانيها المنطقة ونزف الأدمغة المتواصل تحدياً لآفاق التنمية فيها. ولا يمثل ما تنتجه البلدان العربية من الكتب سوى 1,1 فى المائة من الإجمالى العالمى حيث تشكل الكتب الدينية أكثر من 15 فى المائة منها. ويهاجر حوالى ربع كل خريجى الجامعات, وتستورد التكنولوجيا إلى حد كبير. ويبلغ عدد الكتب المترجمة إلى اللغة اليونانية التى لا ينطق بها سوى 11 مليون شخص خمسة أضعاف ما يترجم إلى اللغة العربية.
وبالاستناد على الجهود التى تبذل بالفعل فى المنطقة, يمكن لمجموعة الثمانى أن تقدم مساعدات لمعالجة تحديات التعليم فى المنطقة ومساعدة الطلاب على اكتساب المهارات الضرورية للنجاح فى السوق المعولمة لعصرنا الحاضر.
مبادرة التعليم الأساسي
يعانى التعليم الأساسى فى المنطقة من نقص وتراجع فى التمويل الحكومي, بسبب تزايد الإقبال على التعليم متماشياً مع الضغوط السكانية, كما يعانى من اعتبارات ثقافية تقيّد تعليم البنات. وفى مقدور مجموعة الـ8 السعى إلى مبادرة للتعليم الأولى فى منطقة الشرق الأوسط الكبرى تشمل هذه العناصر:
محو الأمية: أطلقت الأمم المتحدة فى 2003 "برنامج عقد مكافحة الأمية" تحت شعار "محو الأمية كحرية". ولمبادرة مجموعة الـ8 لمكافحة الأمية أن تتكامل مع برنامج الأمم المتحدة , من خلال التركيز على إنتاج جيل متحرر من الأمية فى الشرق الأوسط خلال العقد المقبل, مع السعى إلى خفض نسبة الأمية فى المنطقة إلى النصف بحلول 2010 . وستركز مبادرة مجموعة الـ8 , مثل برنامج الأمم المتحدة , على النساء والبنات. وإذا أخذنا فى الاعتبار معاناة 65 مليوناً من الراشدين فى المنطقة من الأمية, يمكن لمبادرة مجموعة الـ8 أن تركز أيضا على محو الأمية بين الراشدين وتدريبهم من خلال برامج متنوعة, من مناهج تدريس على انترنت إلى تدريب المعلمين.
فرق محو الأمية: يمكن لمجموعة الـ8 , سعياً إلى تحسين مستوى القراءة والكتابة لدى الفتيات, إنشاء أو توسيع معاهد تدريب المعلمين مع التركيز على النساء. ولمعلمات المدارس والمختصات بالتعليم القيام فى هذه المعاهد بتدريب النساء على مهنة التعليم هناك دول تحرم تعليم الذكور للإناث, لكى يركزن بدورهن على تعليم البنات القراءة وتوفير التعليم الأولى لهن. للبرنامج أيضاً استخدام الإرشادات المتضمنة فى برنامج "التعليم للجميع" التابع لـ"اليونيسكو", بهدف إعداد "فرق محو الأمية" التى يبلغ تعدادها بحلول 2008 مئة ألف معلمة.
الكتب التعليمية: يلاحظ تقرير التنمية البشرية العربية نقصاً مهماً فى ترجمة الكتب الأساسية فى الفلسفة والأدب وعلم الاجتماع وعلوم الطبيعة, كما تلاحظ "الحالة المؤسفة للمكتبات" فى الجامعات. ويمكن لكل من دول مجموعة الـ8 تمويل برنامج لترجمة مؤلفاتها "الكلاسيكية" فى هذه الحقول, وأيضاً, وحيث يكون ذلك مناسباً, تستطيع الدول أو دور النشر فى شراكة بين القطاعين العام والخاص إعادة نشر الكتب الكلاسيكية العربية الخارجة عن التداول حالياً والتبرع بها إلى المدارس والجامعات والمكتبات العامة المحلية.
مبادرة مدارس الاكتشاف: بدأ الأردن بتنفيذ مبادرته لإنشاء "مدارس الاكتشاف" حيث يتم استعمال التكنولوجيا المتقدمة ومناهج التعليم الحديثة. ولمجموعة الـ8 السعى إلى توسيع هذه الفكرة ونقلها إلى دول أخرى فى المنطقة من طريق التمويل, من ضمنه من القطاع الخاص.
إصلاح التعليم: ستقوم "المبادرة الأمريكية للشراكة فى الشرق الأوسط" قبل قمة مجموعة الـ8 المقبلة فى آذار/ مارس أو نيسان/ أبريل برعاية "قمة الشرق الأوسط لإصلاح التعليم", التى ستكون ملتقى لتيارات الرأى العام المتطلعة إلى الإصلاح والقطاع الخاص وقادة الهيئات المدنية والاجتماعية فى المنطقة ونظرائهم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي, وذلك لتحديد المواقع والمواضيع التى تتطلب المعالجة, والتباحث فى سبل التغلب على النواقص فى حقل التعليم. ويمكن عقد القمة فى ضيافة مجموعة الـ8 توخياً لتوسيع الدعم لمبادرة منطقة الشرق الأوسط الكبرى عشية عقد القمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق