السبت، 29 أكتوبر، 2011

مصاريف الحضانة 20ألف جنيهاً سنوياً.. والبعض يشترطها بالدولار!!

خبراء التعليم: نحتاج مناهج تنطلق من ثقافتنا وقادرة على التنافس العالمى
علماء الاجتماع: نحن أمام قنبلة اجتماعية وحالة من فقدان الانتماء
تحقيق: ناجي هيكل
يجد الآباء أنفسهم فى حيرة كل عام عند التقديم لأبنائهم فى المدارس، وتظهر إعلانات المدارس الخاصة التى تملأ الصحف وأجهزة التلفاز الأرضية والفضائية لتجعل الاختيار كمَن يبحث عن إبرة وسط كومةٍ من القش، وهو ما جعل العلم لا يُقارن بالماء والهواء إلا إذا كان هذا الماء والهواء يُشترى بآلاف الدولارات واليوروات، فقد أصبحت قيمة الإنسان تتوقف على المبلغ الذى تم إنفاقه عليه فى تعليمه، وبالتالى يتم رسم مستقبله منذ مرحلة الحضانة.
وبعد أن كان التعليم فى مصر ينقسم إلى قسمين: الأول: هو "الأميري" كما يسميه المواطنون، وهى المدارس الحكومية فى كل المراحل الدراسية والتى يُفترض أنها تقدم الخدمة التعليمية المجانية ودون مقابل أو بمقابل زهيد، والقسم الثانى هو المدارس الخاصة والتى يملكها مواطنون أو هيئات أو جمعيات، ولكنها لا تتبع الحكومة ويكون التعليم فيها مقابل مصروفات تتفاوت فى قيمتها حسب مستوى الخدمة التى تقدمها المدرسة.
فى الماضى كانت مدارس اللغات تدرس نفس المنهج المصري، ولكن بلغة المدرسة سواء أكانت إنجليزيةً أو فرنسيةً أو ألمانيةً، فكان الطلاب يخرجون جميعاً يحملون نفس الثقافة التاريخية والجغرافية والعلمية، ولكنْ كلٌّ باللغة التى درس بها، وأما الآن فهناك قنبلة تعليمية على وشك الانفجار ولا يعلم أحد عواقبها المستقبلية على المستوى الاجتماعى والسياسى والاقتصادى والتى تتمثل فى فتح المجال أمام المدارس المصرية الخاصة للحصول على تراخيص من جامعات أمريكية لتدريس مناهج هذه الجامعات فى مصر.
والكارثة تكمن فى أن هذه المناهج موضوعة لتناسب الطالب الأمريكى والبيئة الأمريكية ولا تُعبِّر بأي حالٍ عن بيئة الطلاب المصرية أو الإسلامية، والكارثة الأشد أن كل مدرسة تُدرِّس منهجاَ ومواد تختلف عن باقى المدارس حسب الجامعة التى تعاقدت معها كل مدرسة، مما يؤدى إلى نشأة عدة ثقافات وعدة طبقات اجتماعية متنافرة، ولا يوجد ما يربط بينها، وفى غياب دور رقابى من وزارة التربية والتعليم ومجلس الشعب والمثقفين والوطنيين أصبح التعليم فى مصر مفتوحاً على مصراعيه لمَن يريد الاستثمار.
التقينا عدد من أولياء الأمور للتعرف على آرائهم فى هذا الموضوع وكيفية اختيار المدارس المناسبة لأولادهم وغير ذلك.
تقول زينب أحمد- ربة منزل- لم يكن أمامى أي اختيارٍ فى إلحاق أبنائى بالمدارس الأجنبية، فاللغة شرطٌ أساسى فى سوق العمل الآن، وقد عانيت أنا نفسى ولم أجد فرصةَ عملٍ جيدة رغم أنى خريجة فنون تطبيقية بسبب عائق اللغة، وبالتالى أردتُ أن أُجنِّب أبنائى المرور بنفس التجربة فى المستقبل، ورغم أن أقساط المدرسة تقصم الظهر إلاَّ أن زوجى سعى للحصول على عقد عملٍ بالخارج حتى نستطيع تحقيق مستقبل أفضل للأبناء.
مضطرون لذلك!!
وفى بداية حديثنا معه أبدى عبد الله بدوي-محاسب- أسفه وحزنه الشديدين بسبب وجود أبنائه فى مدرسة دولية وقال: كنتُ أتمنى أن أجد مدرسةً مصريةً تُقدِّم خدمةً تعليميةً متميزة ولكن بعد التنقل بين عدة مدارس كلها باهظة المصاريف كانت المحصلة دائماً واحدة "إحباط واكتئاب وضغط عصبى وسوء معاملة وأساليب تربوية فاشلة"، فاتجهتُ بأبنائى إلى مدرسة بالنظام الدولى ورغم شعورى بالحزن لبعد سلوكها وأسلوب الدراسة فيها عن السلوك المصرى أو الإسلامى أو حتى الشرق، إلاَّ أن حالة الأبناء النفسية تحسنت كثيراً، وكذلك أداؤهم التعليمى، وأُحاول أن أُعطيهم القيم الأساسية المطلوبة عن طريق المنزل وشيخ لتحفيظ القرآن، وأدعو الله دائمًا أن يحفظهم.
التعليم مقابل الدين والأخلاق
الآباء يشكون من سلوكيات الأبناء المخالفة نتيجة تعليم المدارس الأجنبية ورغم أن أولياء الأمور يتعللون دائماً بفشل التعليم فى المدارس الحكومية وسوء المعاملة فيحولون أبناءهم إلى المدارس الخاصة أو الأجنبية، إلاَّ أن فاطمة مصطفى –طبيبة- كانت تجربتها عكسية، وقالت لنا: كان أبنائى فى مدرسةٍ دوليةٍ وكنتُ سعيدة بالأناشيد الإنجليزية التى يعنوها، ولكن مع الوقت ومع بداية الدخول فى سنِّ المراهقة بدأت أخلاقُهم تسوء وأصبحوا يقلدون زملاءهم بشكلٍ بعيدٍ تمامًا عن التربية الإسلامية، خاصةً فى مسألة التعامل مع الجنس الآخر، هذا فضلاً عن أن زيادة مساحة الحرية والجرأة والاستقلالية التى حصلوا عليها من المدرسة الدولية التى يدرسون بها جعلتنى أشعر أنى فقدتُ السيطرة عليهم، بل إننى سأفقدهم هم أنفسهم تمامًا ما لم أسعَ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وبالتالى قمتُ بنقلهم إلى مدرسةٍ مصريةٍ رغم توسلاتهم لي، واعتبرتُ أنى إذا خسرتُ قدرًا من التعليم فهذا خيرٌ لى من أن أخسر الأخلاق والدين والمستقبل كله.
مناهج مشوهة
الأمر كان مختلفاً مع إيمان محمد –مهندسة- التى بدأت كلامها معنا بتساؤل:
ولماذا أُنفق كل هذه الأموال على مصاريف المدرسة؟!
واستكملت قائلةً: مصروفات هذه المدارس فلكية وتتخطى العشرين ألف جنيهاً للطفل فى الحضانة، وهذا الأمر يتطلب إما أن أكون مليونيرة فلا يؤثر معى ذلك مثل هذا الرقم، أو أكون مجنونةً حتى أدفع هذا المبلغ كل عامٍ من أجل التقليد أو المنظرة، وأنا أجزم أن المناهج الموجودة فى مصر ليست هى المناهج التى يدرسها أبناء هذه الدول فى بلادهم الأصلية، بل إنها مناهج مشوهة لا تحمل قيمةً علميةً ولا أخلاقية، وأضافت: لو كنتُ أملك هذا المبلغ فالأولى تأمين مستقبل أبنائى بمشروعٍ أو شققٍ أو جهازٍ للبنات.
مشروع بديل
ويقترح محمد حجاج -مدرس بمدرسة لغات- حلاً لهذه الأزمة- من وجهة نظره- وهو: القيام بمشروعٍ قومى وطنى تطوعى يُشارك فيه كل الوطنيين الغيورين المتخصصين والأكفاء، هذه الشخصيات الوطنية تُشارك فى وضع منهجٍ بعيدٍ تمامًا عن منهج الوزارة وبعيد أيضًا عن المناهج المستوردة، يتضمن هذا المنهج الثقافة المصرية ولكن بكفاءة تستطيع التنافس العالمى، ويتم تطبيق هذا المنهج بمدرسة وامتحانات وشهادة غير تقليدية، يتم الاستفادة فيه من التجارب العالمية، ولكن بتطبيقٍ يناسب الخصوصية المصرية وتكون أولوية الالتحاق للمتفوقين وذوى القدرات المتميزة، وإنْ لم نفعل هذا بتمويلٍ وطنى من رجال الأعمال المصريين الوطنيين فسنظل أُجراء عند العالم كله وسنظل فى ذيل القائمة.
خطورة التعديل
انتقلنا بهذه القضية إلى المحطة الثانية، وهم الخبراء والمتخصصون، لتحليلها ووضع الحلول المناسبة لها، فقالت نيفين السويفى -خبيرة تربوية-: إن مشكلة المناهج الأجنبية الموجودة حالياً فى مصر أنها لا تُعتبر عالمية، وإنما هى مناهج أجنبية تابعة للدولة الآتية منها، وهى مصممة فى الأساس لتناسب الطالب الذى يدرس فى هذه البلاد، مشيرةً إلى أن بعض المدارس تقوم باستيراد هذه المناهج وتدريسها كما هى، والبعض الآخر يحاول ويجتهد أن يُدخل عليها تعديلات تتناسب إلى حدٍ ما مع مجتمعنا.
تدريس الأفكار الغربية
وهذا التعديل- والكلام لـ"السويفي" يختلف من مدرسةٍ لمدرسة وحتى التعديل فى حدِّ ذاته مشكلة لأن هذه المناهج تأتى من بلادها مترابطة وواضعوها يعرفون جيدًا ماذا كتبوا فيها ولماذا، وعلم وضع المناهج هذا علم فى حدِّ ذاته، وعندما آتى أنا فأُغير من هذه المناهج وأعدل فيها دون التعمق فى التفاصيل أحدث فيها خللاً يصعب علاجه ويُؤثر على العملية التعليمية ككل.
وتضيف: أما مشكلة التعليم الأمريكى على وجه التحديد فهو أن كل ولاية هناك لها تعليمٌ مختلفٌ، وكل جامعة لها منهج يختلف عن باقى الجامعات فى نفس الولاية، وهذه المناهج تشمل التاريخ والجغرافيا والمواد التى ترتبط بالهوية والانتماء، فى السابق كان الطلبة يدرسون نفس المحتوى ولكن بلغاتٍ مختلفة، الآن أصبح المحتوى أيضًا مختلفاً، وبدلاً من أن يدرس تاريخ مصر الفرعونى أو الإسلامى أو تاريخ المنطقة العربية، أصبح يدرس تاريخ الأمريكتين وجغرافيتها، فيدخل للطلاب فكرٌ غربى خالصٌ فى جوٍّ لا علاقةَ له بهذا الفكر، وبالتالى يحدث عند هؤلاء الطلبة تناقض، فهو إما أن يرفض ثقافته تمامًا ويتجه للخارج أو إذا كان يعيش فى البيت فى جوٍّ أسرى مختلف يصاب بأزمة نفسية، وقد تكون النتيجة فى النهاية أن يرفض الثقافتين ويصبح لا ينتمى إلا لنفسه.
وتستطرد قائلةً: إن بعض المدارس فى مصر حاولت تغطية هذه الفجوة بإعداد مناهج تربوية حياتية، بالإضافة للمناهج التعليمية الأساسية، ولكن هذه المناهج لا تزال فى طور التجربة، ولا يعلم أحد ماذا ستكون نتيجتها على المدى البعيد,
غرباء فى مجتمعهم
التعليم وأنماط التفكير
ويرى د. فؤاد السعيد -الباحث بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية- أن الحادث الآن مع تنوع المناهج والمدارس واللغات هو أن الشباب يدرسون مواد الهوية (تاريخ، جغرافيا، أدب) بشكلٍ متباين، هؤلاء الأبناء تحدث لهم غربة داخل مجتمعهم، ومع الوقت يفقدون الإحساس بالانتماءِ إليه، وعلى الجانب الآخر نجد أن هؤلاء الخريجين ونظراً لإمكانياتهم العلمية المتفوقة، وإمكانياتهم المادية أيضاً سيكتسحون سوق العمل، فهم الطبقة التى أتقنت اللغات الأجنبية وأدوات التواصل العالمية من إنترنت وحاسوب، ويحملون مع خريجى نفس هذه النوعية من المدارس على مستوى العالم نفس أنماط التفكير وطرق التحليل، وبالتالى فهم قادرون على التعامل مع الشركات عابرة القارات التى تطلب وظائف ذات مواصفات خاصة.
ويطرح د. السعيد حلاًّ للخروج من هذه الأزمة بإشراكِ بعض رموز النخبة المثقفة والشخصيات العامة المستنيرة لتحديد الاتجاهات الرئيسية لتطوير التعليم فى مصر وليس الاكتفاء بالخبراء التربويين الذين هم فى الأساس موظفون منتمون ومتمسكون بالمنظومة الفاشلة التى اعتادوا عليها، وعلى الوزارة التفاوض مع المدارس الدولية لتدريس مواد وطنية بجانب المواد الأساسية الخاصة بكل مدرسة، ولتكن هذه المواد ولو كحصص استماع، ويمكن الضغط على المدارس عبر رفض الاعتراف بخريج هذه المدارس فى مصر ما لم يدرس هذه المواد.
ازدواجية أم تعددية؟
وعندما ذهبنا إلى د. حسام بدراوي- رئيس لجنة التعليم فى مجلس الشعب السابق- لسؤاله عن دور مجلس الشعب فى الرقابة والتنظيم للعملية التعليمية رفض الحديث فى هذا الموضوع، واكتفى بتقديم تقريرٍ عن ازدواجية التعليم فى مصر، ربما كان المفيد فيه هو الإحصاءات- إن كانت دقيقة- والتى توضح أن نسبة التلاميذ بالتعليم الخاص إلى إجمالى التلاميذ المقيدين بالمدارس فى مختلف مراحل التعليم قبل الجامعى نحو 7%، وعدد المدارس الدولية فى مصر 9مدارس، وعدد المدارس الحاصلة على ترخيص الدبلومة الأمريكية 39مدرسةً، والحاصلة على ترخيصIGCSE 61مدرسةً.
ويقول التقرير حرفياً: إن التساؤل الذى ينبغى الإجابة عنه هو: هل الوضع الراهن للتعليم المصرى ينطوى على "ازدواجية" أم ينطوى على "تعددية"؟، إن تعريف الحالة الراهنة للتعليم المصرى كازدواجية يُثير درجةً من الالتباس والغموض فى التعليم يستدعى توضيح درجة التناقض بين الأنظمة إنْ وُجدت، حيث إن هناك من التربويين مَن ينظر إلى الوضع الراهن بهذا المنظور، مما يعنى فى الوقت نفسه أن نظامًا واحدًا فيها هو الصحيح، أما بقيتها فينبغى نفيها حفاظًا على "الهوية" القومية.
التطوير معركة شرسة
وعندما انتقلنا إلى أحد مسئولى وزارة التربية والتعليم -رفض ذكر اسمه- قال: إن الوزارة تقوم بالفعل بالإشراف على كل المدارس فى الجمهورية بما فيها المدارس الخاصة ذات المنهج الأجنبي، لأن أي مدرسة فى مصر لا تستطيع إلحاق أي طالبٍ بها ما لم تحصل على ترخيصٍ من الوزارة، فتقوم الوزارة بمعاينة المدرسة وتقييم إذا كانت إمكانياتها تسمح بتطبيق هذا النوع من التعليم، لأن المناهج الأجنبية تحتاج معامل ومدرسين وإمكانيات ذات مواصفات خاصة.
وأكد على أن تطوير التعليم فى مصر معركة شرسة على وجوه كثيرة، منها التمويل والكوادر الإنسانية وإمكانيات الطلاب ومفاهيم المجتمع ذاته التى تسعى دائمًا من أجل الشهادة بغض النظر عن المحتوى التعليمى الذى حصل عليه الطالب، فالتعليم المطور من وجهة نظر الأهالى هو امتحانات أسهل ودرجات أعلى تؤدى بالطلبة جميعًا للطب والهندسة- بغض النظر عن ميولهم وإمكاناتهم- والواقع أن المناهج التى نُدرسها أعلى من مناهج الدول الأجنبية، لكن الضعف يكمن فى أسلوب التدريس وطريقة التقييم أو الامتحان، والعقبة تكمن فى التساؤل: كيف يمكن أن ننقل التعليم من أسلوب التعليم المرتبط بالقرن الماضى إلى أسلوب التعليم الذى يُجارى به العصر، ورغم أن هناك مناهج الآن جديدة تفاعلية لمراحل التعليم الأولى إلا أن هناك مقاومةً من قِبل المدرسين الذين يرفضون التدريس بطريقةٍ مختلفةٍ عمَّا اعتادوا عليه سنين طوال، ويتعاملون معها بأسلوبٍ روتينى كما يتعاملون مع وظيفتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق