السبت، 29 أكتوبر، 2011

تقرير الشرق الاوسط الجديدرقم 1 ؟؟؟؟؟

مشروع للهيمنة الأمريكية وطمس الهوية الإسلامية فى الشرق "الحلقة الأولى"
إننا أمام مشروع متكامل يستهدف الهيمنة الأمريكية والغربية على أمتنا، وليس من الحكمة أن نواجه مشروع الهيمنة بمشاريع تم إعادة إنتاجها فى وقت نملك فيه بين أيدينا ميراثا حضاريا هائلا، يحمل فى طياته وتكويناته مبررات بقائه واستمراره؛ بامتلاكه آلية التجديد والاجتهاد التى تتيح للأجيال المتعاقبة أن تعيش فى ظلال حضارتها وميراث نبيها صلى الله عليه وسلم فى انسجام كامل وتكيف عجيب مع الواقع المتغير.
إن مشروع الهيمنة الأجنبية الذى يحمل فى هذه المرحلة اسم "الشرق الأوسط الكبير" ما هو إلا حلقة من سلسلة ممتدة عبر قرون طويلة، حاولت -وما زالت تحاول- فيها قوى الاستعمار أن تبسط سيطرتها على أمتنا، مستفيدة من الواقع المتخلف الذى تمر به الأمة على كافة المستويات. وإزاء هذه الحلقة الجديدة من المسلسل المستمر تتعرض الشعوب المسلمة لحملات التشكيك واليأس المخطط؛ فما إن تتعرض الأمة لمحنة أو تواجه هجمة؛ حتى يتحمس جمهور المسلمين للنصرة والنجدة، ويرفع الجميع سقف توقعاتهم، حتى إن البعض ربما تصور أن تخرج الأمة من الأزمة وقد تغلبت على جميع أعدائها، وتخلصت من كافة مشاكلها، وعادت بعافية القرون الأولى تنشر الدين، وترفع راية التوحيد؛ لتكون كلمة الله هى العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
ولكن ما إن تمر الأيام حتى يجد المسلمون أنفسهم أمام واقع جديد ومتغيرات مختلفة، وربما أمام سلسلة من الهزائم التى تشيب لها الولدان، وتكون النتيجة أن يسارع جمع غفير من أبناء الأمة ليرجعوا من حيث أتوا وقد انكسرت نفوسهم وخارت عزائمهم، وليعودوا إلى ذواتهم لا يلوون على نصرة، ولا يتحمسون لنجدة، بل ويستسلم كل منهم لليأس والإحباط، لا يأمل فى إصلاح، ولا يسعى إلى بناء.
والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا تسرب هذا الإحساس إلى نفر غير قليل من أبناء الأمة؟ ولماذا وجد البعض ضالته فى حلول ربما تكون أقرب للخيال منها إلى الواقع، وأقرب للاستسلام منها إلى الجدية فى المواجهة، وأقرب إلى التواكل منها إلى التوكل، وأقرب لاعتماد الخرافة منها إلى اعتماد الإيمان واليقين بالله تعالى، وأقرب إلى الحلول الجاهزة والسطحية منها إلى الحلول الجذرية الشاملة؟ إننا أمام واقع متشابك ومتداخل ربما يتبدى للبعض صعوبة حله، ولكن بنظرة دقيقة فاحصة تستحضر سنن الله فى خلقه، وتستحضر منهجه الذى ارتضاه لعباده الصالحين.. ندرك أن الحل ممكن، ولكن بعد اكتشاف الخلل وبذل الطاقة والوسع فى البناء وتصحيح المسار.
ربما يظن البعض أن حركة الكون وحدها هى التى تسير بحسبان {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تُدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ}، ولكن أيضا قوانين قيام الحضارات وسقوطها من سنن الله الغلابة وقوانينه المَهيبة التى لا تتخلف، ولا تجامل أحدا؛ حتى وإن كان فى عداد المؤمنين الصالحين، وإن جاملت لكان أولى بها أن تجامل المصطفى والمجتبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذى انتفض عندما بلغته مقولة قوم: إن الشمس خسفت لموت ابنه إبراهيم؛ ليتعالى على أحزانه التى تقاطرت على قلبه الشريف؛ ليقول: "الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله.. فإذا رأيتموهما فصلوا".
وليقرر بديهة لا يعتليها شك ولا يتطرق إليها ريب.. أن لله سننا وقوانين لا تتخلف، ولو حدث لاختل ميزان الكون، ونحن إذ نعيش اليوم زمنا تتوارى فيه أمتنا عن سدة القيادة، ويخفت إشعاعها الذى أضاء حقبا وأزمانا بحاجة لأن ندرك أن شمس حضارتنا الإسلامية لن تبزغ من جديد دون تضحيات هائلة وجهاد شامل ومتواصل { سُنَّةَ اللهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً}
إننا بحاجة إلى:
فهم دقيق لواقعنا الذى نمر به وإدراك راشد لطبيعة الطريق وعزيمة ماضية لإعادة البناء وقلوب موصولة بالله لضمان التأييد
قراءة أولية فى وثيقة الشرق أوسطية ماذا نحن فاعلون ؟
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وقبل أن تفيق أمتنا من النكبة الثالثة التى تعرضت لها خلال عقود متقاربة؛ بداية بنكبة 48 ومرورا بنكبة 67 وانتهاء بنكبة 2003.. خرجت علينا الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع "الشرق الأوسط الكبير"؛ لتدشن به للنكبة الرابعة الكبرى التى تستهدف إفراغ المنطقة من انتماءاتها وثقافتها؛ لتكون أحد مكونات النظام العالمى الجديد.
ونضع بين يدى هذا المشروع عددا من الملاحظات والوقفات الهامة، ومن ذلك:
- تستهدف فكرة المشروع مواجهة التحديات التى تخرج من منطقة الشرق الأوسط، ومن أبرزها المد الإسلامى المتنامي، حتى بات من المتيقن لدى كافة المحللين والمتابعين أن الظاهرة الإسلامية هى الأقوى والأكثر انتشارًا فى العالم العربى والإسلامي، وأن الضغوط التى تمارَس لصالح المشروع الغربي، أو على الأقل لتسكين المشروع الإسلامي، والحد من انتشاره ونموه.. باتت غير ذات أثر؛ وهو ما عناه تحديدًا نص المشروع بقوله: "إن منطقة الشرق الأوسط الكبير تمثل تحديًا للمجتمع الدولي".
- تمثل المنطقة العربية والإسلامية خزانة كبيرة للثروات التى لا يفوت الولايات المتحدة الاستفادة منها، والهيمنة عليها؛ وهو ما أكدته الوثيقة من أن "الشرق الأوسط الكبير يمثل فرصة فريدة للمجتمع الدولي".
- اعتمد المشروع على حقائق ووقائع لا يجادل فيها أحد؛ مثل تدنى الدخل المحلى لبلدان الجامعة العربية الـ22، وارتفاع نسبة الأمية، وارتفاع نسبة البطالة، وتدنى مستويات المعيشة.. إلا أنه غض الطرف عن أسباب التخلف فى كافة هذه المجالات، ولم يصرح بأن هذه الأمراض وغيرها التى تعانى منها أمتنا إنما هى إفراز للديكتاتوريات التى زرعتها الولايات المتحدة فى المنطقة، وتعهدتها بالرى والسقيا حتى كانت حصيلتها كوارث ماحقة أدت إلى التخلف الكارثى الذى تعانى منه الأمة.
وليس أدل على ذلك التورط من الوثيقة التى أفرجت عنها الولايات المتحدة مؤخرًا بشأن العلاقات الأمريكية العراقية أيام حكم الديكتاتور العراقى السابق "صدام حسين"؛ فتورد الوثيقة السرية* نص تقرير صادر من السفارة الأمريكية ببغداد إلى وزير الخارجية الأمريكى الأسبق "ألكسندر هيج" فى نوفمبر عام 1983 حول استخدام العراق للأسلحة الكيماوية؛ إذ يُثبت التقرير أن العراق يمتلك الأسلحة الكيماوية، ويستخدمها بصورة شبه يومية، إلا أن كاتب التقرير اعتبر أن الموقف الحرج للعراق فى حربه مع إيران يبرر الإشارة السريعة للأمر أثناء المحادثات التى يتم إجراؤها مع العراق بشأن صفقة سلاح جديدة من الولايات المتحدة.
- فى إطار الحديث عن الديمقراطية والحرية تشير الإدارة الأمريكية فى وثيقتها إلى أن [[إسرائيل|الكيان الصهيوني]] هو البلد الوحيد فى الشرق الأوسط الكبير الذى صُنف -وفقًا لتقرير "فريدوم هاوس" للعام 2003- بأنه "حر"؛ وهو ما يؤكد الدور القيادى الذى يتم تهيئة الكيان الإسرائيلى له فى منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يدل أيضا على أن الولايات المتحدة تجاوزت بمراحل فكرةَ التطبيع مع إسرائيل إلى فكرة قيادتها لقاطرة المنطقة الجديدة.
- يكتسب الاهتمام بوسائل الإعلام أهمية بالغة فى خطة الشرق الأوسط الجديد، وهو ما أدركه الحس الوطنى خلال الفترة الأخيرة؛ بداية من ظهور مطبوعات تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية أعباء تكوينها وتأسيسها، ناهيك عن ظهور محطة "الحرة" ومجلة "هاي" الشبابية، إلا أن الوثيقة التى أصدرتها الولايات المتحدة بشأن إعادة هيكلة المنطقة فى الفترة القادمة أرادت أن تؤكد أيضا على الاهتمام البالغ باستهداف استقطاب المزيد من الإعلاميين والصحفيين للمساهمة فى تكريس الهيمنة الأمريكية، والتعامل بها بسياسة الأمر الواقع، واعتبار رفضها أو محاولة تجاوزها ضربا من الوهم، هو أقرب للخيال منه إلى واقع الحياة.
وقد ظهر هذا الأمر فى الوثيقة التى أشارت إلى ضرورة عمل زيارات متبادلة للصحفيين فى وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعية، ورعاية برامج تدريب للصحفيين، وتقديم زمالات دراسية للطلاب كى يداوموا فى مدارس للصحافة فى المنطقة أو خارج البلاد، على أن تمول برامج لإيفاد صحفيين أو أساتذة صحافة لتنظيم ندوات تدريب.
- تشير الوثيقة إلى الرغبة الأمريكية الكبيرة فى تكريس أحادية التدفق الإعلامى والثقافى والفكرى من الغرب إلى الشرق الأوسط الجديد، ورغم وجود عقبات كبيرة أمام الولايات المتحدة فى هذا الصدد نتيجة قلة بضاعتها فى المجال الثقافى والفكرى فإنها تطرح هذا الأمر فى سياق تعاون أمريكى أوربي.
- تهتم الوثيقة بالتركيز على المجال التعليمى ومناهج التعليم؛ وهو ما طرحت له الوثيقة آلية عملية للتنفيذ السريع والعاجل والمتمثل فى تعديل وتغيير مناهج التعليم فى العالم العربى والإسلامى بما يتواءم مع الصورة الجدية للمنطقة.
هذه ملاحظات رئيسية على مجمل الخطة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط الجديد. وإن الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث فى الجذور والأبعاد ومحاولات الخروج من الأزمة التى تتشابك فيها الرغبة الأمريكية فى الهيمنة على أمتنا العربية والإسلامية، وبين واقع أمتنا المتخلف والمتردي.
الاستعمار.. فى ثوبه الجديد
مرت الأمة الإسلامية منذ نشأتها الأولى بمراحل وفترات قوة جعلتها قادرة على قيادة العالم ثقافيا وفكريا، واستطاعت خلال قرون طويلة أن ترسخ لدى شعوب العالم قيم العدل والحرية الحقيقية. وخلال هذه الحقب تمكنت من بناء جسور من الحب مع شعوب العالم التى عاش غالبها فى ظل الدولة الإسلامية، سواء آمنت بعقيدتها واتبعت نبيها -صلى الله عليه وسلم- أم احتفظت بما آمنت به.
وقد دفعت هذه القوة إلى تراجع أطماع الأمم الأخرى، والاكتفاء فى الغالب الأعم بالدفاع أو حسن الجوار أو تجميد العداء إلى وقت مناسب، إلا أنه منذ تراجع قوة الأمة سياسيا وعسكريا بالفُرقة والتناحر الداخلي، وعلميا بالجمود الفكرى والابتعاد عن المنابع الصافية للكتاب والسنة.. منذ ذلك الحين بدأت أطماع الأمم الأخرى تطل برأسها، وبدأت ملامح العداء تعود من جديد؛ فتعرضت إلى موجات من الاستعمار والغزو الخارجى التى فتَّت فى عضدها، وساهمت فى تكريس تخلفها.
ولعل من أبرز تلك الموجات:
موجة الاحتلال الأولى التى اصطلح عليها المسلمون آنذاك بـ"حروب الفرنجة"، واصطلح عليها الغرب بـ"الحروب الصليبية ".
موجة الاحتلال المغولى وهى لم تبشر بمشروع حضارى أو فكرى أو عقائدى ولكنها كانت حملة عدوانية بربرية استهدفت إضعاف قوة الأمة الإسلامية باعتبارها القوة الكبرى فى العالم آنذاك.
موجة الاستعمار الحديث وقد امتدت من القرن التاسع عشر الميلادي، وأنهت معها القرن العشرين، واستمرت حتى بدايات القرن الواحد والعشرين، ومن أبرز ما يميز هذه الموجة أنها:
- ممتدة فى الزمن لمدة تزيد عن مائتى عام دون انقطاع.
- تحمل رؤية ثقافية وفكرية تسعى إلى فرضها على شعوب المنطقة العربية والإسلامية.
- تمتد أشكال وصور الهيمنة فيها إلى كافة المجالات.. ليست العسكرية فحسب، ولكن الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية والثقافية والعلمية.
- العمل على الاستفادة إلى أقصى درجة من الثروات الاقتصادية الطبيعية التى تزخر بها المنطقة.
- السعى للحيلولة دون وجود تنمية حقيقية ومستقلة عن الدائرة الاستعمارية.
- محاولة إضعاف حركات التحرر الوطنى الإسلامى التى تسعى لإحداث عمليات تنمية اقتصادية وفكرية وثقافية وعقائدية بمعزل عن الدوائر الاستعمارية.
- التخطيط لإحداث نوع من الإحباط واليأس لدى الأمة وقواها الفاعلة من القدرة على تحقيق تنمية بعيدة عن السياق الاستعماري.
- استهداف صناعة نخب سياسية واقتصادية وثقافية ترتبط مصالحها بدوائر الاستعمار. وإذا كانت هذه أبرز ما يميز الحقبة الاستعمارية الحديثة والمعاصرة؛ فإن السؤال الذى يطرح نفسه سريعًا هو:
ما المقصود بامتداد المرحلة أو الحقبة الاستعمارية الحديثة من أوائل القرن التاسع عشر الميلادى وحتى بدايات القرن الحادى والعشرين؟ وهل يعنى التسليم بهذه المقولة أن نراجع مفاهيم الاستقلال الوطنى ومرحلة بناء الدولة الوطنية التى مرت بها بلادنا فى المنطقة العربية فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ؟
وما نطرحه ردًا على هذا السؤال المشروع أن الحقبة الاستعمارية الحديثة والمعاصرة مرت بعدد من المراحل، واختارت عددًا من النماذج التى تباين بعضها حينًا واتفق أحيانًا، إلا أنها فى كل الأحوال لم تخرج عن التوصيف العام للحالة بأنها حالة استعمارية من الدرجة الأولى.
فهناك عدد من النماذج الاستعمارية التى تباينت بصورة أو أخرى لكنها اتفقت فى المجمل العام، وقد ظهر كل نموذج منها فى مرحلة تاريخية معينة خلال هذه الحقبة الاستعمارية الممتدة، ومن أبرز هذه النماذج:
1 النموذج الاستعمارى البريطاني: وينسب هنا النموذج لبريطانيا؛ لأنها أبرز الدول الاستعمارية التى مارسته بصورة واضحة، وتميز بالتالي:
- سيطرة عسكرية مركزية على البلدان المستعمرة من خلال قواعد إستراتيجية؛ فهى لا تعتمد السيطرة العسكرية الشاملة، وإن كانت تلجأ إلى الاستعمار الشامل والتواجد العسكرى واسع النطاق فى البداية، ولكنها فى مرحلة تالية تقلص تواجدها العسكرى من خلال قواعد إستراتيجية تسمح لها بحماية مصالحها والتدخل المباشر عند الضرورة.
- امتصاص ثروات الشعوب ، وإحداث نوع من التبعية الاقتصادية، والتمحور حول اقتصاد الدولة المستعمرة.
- تشكيل وتكوين النخب الثقافية والفكرية المتمحورة حول ثقافة الدولة المستعمرة؛ وهو ما يعنى مزيدًا من الاهتمام بالتعليم الخاص والأجنبى الذى يركز على ثقافة المستعمر، ويضعف بصورة واضحة الثقافة المحلية.
- إضعاف مراكز الإشعاع الثقافى الوطنى التى تسعى إلى بعث الثقافة الإسلامية الوطنية والتيئيس من قدرتها على إحداث نوع من التنمية الحقيقية.
- خلق إدراك ثقافى وتربوى لدى الأجيال بأن التنمية الحقيقية لا تؤتى ثمارها إلا من خلال التمحور حول ثقافة المستعمر.
- السماح بحرية تشكيل الأحزاب وإصدار الصحف بشرط ضمان وجود أحزاب ونخب ثقافية وسياسية تدور فى فلك الاستعمار وقادرة فى الوقت نفسه على منافسة فلول الأحزاب والنخب الثقافية والسياسية الوطنية.
2 النموذج الاستعمارى الأمريكي: وينسب هذا النموذج للولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها تعد -بلا منازع- صاحبة هذا النموذج الذى ظهر على أرض الواقع عقب الحرب العالمية الثانية مقترنًا بالتفوق الأمريكي، وتسلم دفة الأمور بعد خفوت نجم بريطانيا وفرنسا كدولتين استعماريتين.
وقد تميز هذا النموذج بالتالي:
- الرغبة فى عدم خوض معارك عسكرية مباشرة وعدم تأكيد الصفة الاستعمارية، وحال الضرورة يمكن أن تشن حروبًا بالوكالة؛ مثال:
تركيز الاهتمام على النخب السياسية بصورة أكبر من النخب الثقافية، ودفع هذه النخب بعد صياغتها وفقًا للمواصفات الأمريكية إلى سدة الحكم والتأثير، أو التعامل مع النخب السياسية المرشحة لأدوار محورية فى بلدانها، والتى قد تصل إلى الحكم من خلال تفاعلات داخلية محضة، وفقًا لدراسة دقيقة للمسارات النفسية والاجتماعية والثقافية لهذه النخب.
- تحقيق أقصى استفادة ممكنة من النخب السياسية الحاكمة فى البلدان العربية والإسلامية، وإضفاء الشرعية على وجودها وبقائها فى سدة الحكم، حتى وإن افتقدت هذه النخب الشرعية لدى عموم شعوبها.
- غض الطرف عن الممارسات القمعية للأنظمة الديكتاتورية ما دامت مدركة للخطوط الحمراء، وما كانت مبتعدة عن المساس أو التفكير فى المساس بالمصالح الأمريكية المباشرة.
- السير حثيثًا فى اتجاه تشجيع الأنظمة الحاكمة فى العالم العربى والإسلامى على إضعاف الثقافة الإسلامية بصورة تدريجية حثيثة وفاعلة على المدى البعيد؛ وذلك من خلال اعتماد سياسة تجفيف منابع الثقافة الإسلامية.
- إذكاء روح الإقليمية والقُطرية بين البلدان العربية والإسلامية، والتعامل مع مفردات المنظومة العربية فى سياق غير مترابط يمكن الولايات المتحدة من التعامل مع كل مفردة أو دولة كحالة خاصة.
3 عودة إلى النموذج البريطانى المعدل: ويبدو أن الولايات المتحدة فضلت نموذجها الذى دشنت له مع فراغها من ضرب "هيروشيما وناجازاكي" فى الحرب العالمية الثانية ، واستمرت فى تفضيلها حتى نهاية القرن العشرين، ولكنها مع بداية القرن الجديد حرصت على البحث عن نموذج جديد، بعد أن رأت أن هناك بعض المثالب فى النموذج الذى فضلته عقب الحرب العالمية الثانية ..
ومن الواضح أن هناك أسبابًا عدة كانت وراء هذه المراجعة التى تمخض عنها التطلع إلى نموذج جديد، ربما يكون هو نفسه النموذج البريطانى القديم بحذافيره، وربما أدخلت عليه الولايات المتحدة بعضًا من التفاصيل والفروقات، وربما تدشن لنموذج جديد يختلف بالكلية عن النماذج المذكورة. ومن بين الأسباب التى نرى أنها كانت وراء الرغبة الأمريكية فى إعادة النظر فى النموذج الأمريكى القديم.. فشل الأنظمة العربية التى عول عليها النموذج الأمريكى الكثير فى تحقيق المصالح الأمريكية فى المنطقة العربية والإسلامية على الوجه الأمثل، وربما من أبرز ملامح هذا الفشل:
- عدم القدرة على تحقيق الأمن الكامل للكيان الصهيوني، وقد بدا هذا واضحًا فى عجز الأنظمة العربية فى إبرام اتفاقيات سلام حقيقية وفاعلة مع الكيان الإسرائيلى تتسم بصفة الشعبية والجماهيرية.
- عدم قدرة الأنظمة العربية على إقناع شعوبها بضرورة ووجوب قبول الكيان الإسرائيلى فى المنطقة.. ليس فقط من خلال اتفاقيات وتعايش سلمي، ولكن من خلال إعادة هيكلة المنطقة فى صورتها الجديدة التى تقود قاطرتها دولة الكيان الإسرائيلي.
- تفوق المشروع الثقافى الإسلامى على المشروع العلمانى على المستوى الشعبى بصورة واضحة رغم عمليات الإجهاض المستمرة على كافة المستويات من قبل الأنظمة الحاكمة، ورغم التغاضى الهائل عن الانتهاكات الشاسعة والواسعة لحقوق الإنسان من جانب الولايات المتحدة.
ورغم هذه الانتهاكات من جانب الأنظمة والتغاضى من الجانب الآخر؛ فإن التفوق الشعبى للمشروع الإسلامى أصبح لافتًا للنظر ومتعاظمًا على الاحتواء.
- ازدياد الهواجس لدى الولايات المتحدة من عدم القدرة على الحفاظ على الثروات البترولية العربية الهائلة بما تشكله من احتياطات كبيرة.
- بروز بعض المطامع الشخصية لدى بعض الأنظمة العربية، ومن أبرزها أطماع النظام العراقى السابق فى الاستيلاء على الكويت .
- عجز الأنظمة العربية عن القضاء على البيئة التى ينمو فيها فكر العنف المسلح رغم نجاح بعض الأنظمة العربية فى كبح جماح هذه الجماعات ذات المرجعيات الإسلامية؛ الأمر الذى وصل إلى خروج الأمر عن السيطرة لتتطور الأحداث وتصل إلى قمتها مع أحداث 11 سبتمبر 2001 م.
هذه بعض الأسباب التى دفعت الولايات المتحدة إلى أن تفكر بصورة جدية فى تغيير النموذج الاستعمارى الأمريكى الذى تبنته منذ الحرب العالمية الثانية وحتى أواخر القرن العشرين لتدشن لنموذج جديد ربما يشكل عودة إلى النموذج البريطانى القديم، وربما يكون تطويرًا له.
آليات الهيمنة
كلما ازدادت وطأة الهيمنة الأمريكية على المنطقة زاد اللغط والحديث عن طبيعة هذه الهيمنة، وهل هى حرب صليبية جديدة ذات طبيعة دينية أم أنها هجمة استعمارية؟ وهل هى معركة محدودة لا تجاوز حدود فلسطين وبغداد مضافًا إليهما ما أسمته الولايات المتحدة محور الشر؟ أم أنها مرشحة للامتداد لأقطار المنطقة كلها؟ بل إن الجدل بدأ يتسع بصورة كبرى ليتيح الفرصة لمزيد من التساؤلات، ويطرح مزيدًا من القضايا، من أبرزها ما يلفت الأنظار إلى وجود معركة داخلية متوازية مع معركة الخارج تتمثل فى منظومة: التخلف والديكتاتورية والجهل.
[1] استعمارية أم دينية؟
كثيرًا ما يطرح البعض هذا السؤال، ويضع له على طريقة الامتحانات الأمريكية اختيارين استعمارية - دينية.. ويبدو أن الإجابة تحتاج إلى شيء من التحرر من الطريقة الأمريكية؛ وهو ما يستدعى نوعًا من التفكيك لمصطلح الحرب الدينية أو الصليبية وعلاقته بطبيعة المواجهات الدائرة والمتوقعة فى المنطقة، إننا نستطيع أن نفهم طبيعة المعركة مع تحديدنا لمقصدنا من الحرب الصليبية أو الدينية: - فإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن الولايات المتحدة تسعى إلى نشر العقيدة المسيحية لتحل بدلا من العقيدة الإسلامية؛ فإننا نقول: إن هذه الحرب ليست صليبية بهذا المعنى؛ فالولايات المتحدة لا تسعى بحال إلى نشر المسيحية، ولا يندرج هذا فى خططها الحالية أو المستقبلية.
- وإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية بأن هناك دوافعَ دينية لدى مساحة متزايدة فى الإدارة الأمريكية تستدعى مفاهيمَ دينية وأحقادًا تاريخية ضد الإسلام والمسلمين؛ فهى فعلا بهذا المعنى حرب دينية، وهو ما تعلنه الإدارة الأمريكية بصورة واضحة دون لبس ولا مواربة.
- وإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن هناك مواجهة شاملة بين مسيحيى العالم بكافة فصائلهم وعقائدهم ومذاهبهم ضد جميع المسلمين على اختلاف دولهم وأوطانهم.. فالواقع خلاف ذلك؛ فهناك فصائل مسيحية ومذاهب وطوائف مسيحية ترفض معارك الهيمنة الأمريكية، بل وتقف أمامها حجر عثرة، وتشكل معارضة قوية لأهدافها.
- وإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن الإدارة الأمريكية تعتمد خطابًا دينيًا لتحفيز جنودها الذين يفتقدون ما يدفعهم إلى التضحية بأرواحهم وأنفسهم فى أتون هذه المعارك.. فأعتقد أن هذا أمر صحيح، وهو ماثل من خلال وقائع قوية تؤكده.
- وإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن الإدارة الأمريكية ترفض عقيدة التوحيد، وتسعى لخلخلتها عن واقع المجتمعات الإسلامية؛ فهذا أمر يخالف الواقع ولا يرتبط به.
- إذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن الإدارة الأمريكية تدرك خطورة العقيدة الإسلامية التى تدفع أصحابها إلى عبادة الله وحده والانصياع له وحده دون غيره، سواء كان صنمًا أو بشرًا أو حضارة، وأنها تدفع أصحابها إلى العزة ورفض الذل أو الخنوع والخضوع.. فهذا قول له وجاهة كبيرة، ويقدم تفسيرًا للمخاوف التى تتملك الغرب من المسلمين؛ إذ يدركون أن الإسلام يحمل طاقة ذاتية دافعة إلى العزة ترفض الاحتلال والخنوع.
- وإذا كنا نقصد بالحرب الصليبية أن الإدارة الأمريكية ترفض بعضًا من معطيات الشريعة الإسلامية خاصة تلك المساحات التى تحمل تميزًا عن الحضارة الغربية، وتتعارض مع بعض معطياتها؛ فهذا أيضًا يقدم تفسيرًا للرفض الأمريكى لبعض ملامح الشريعة الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات. - وإذا كنا نقصد بالحرب الدينية أن هناك عددا من جماعات التبشير تسعى لاستغلال التفوق الأمريكى والغربى وضعف البنية الاقتصادية لدى دول عربية وإسلامية للنفاذ إلى الأمة، ومحاولة صدها عن دينها فهو أمر له شواهد من الواقع.
وفى مجمل الكلام عن هذه القضية نجد أنفسنا إزاء معركة حقيقية تستهدف الهيمنة الاستعمارية على بلادنا العربية والإسلامية وامتصاص ثرواتها وتحقيق أقصى فائدة ممكنة من إمكاناتها ومقدراتها. وهى معركة تلعب العقائد فيها دورًا لا يمكن إغفاله من خلال:
- قناعات فكرية لدى طائفة وجدت لها مكانًا فى مقدمة المعركة داخل الإدارة الأمريكية.
- حافز معنوى لمعارك استعمارية تستهدف تحقيق استفادة لقطاعات رأسمالية داخل المجتمع الأمريكي، وتفتقد إلى الشرعية الدولية والأسس الأخلاقية؛ لذا يطفو على السطح الحافز الدينى ليملأ فراغًا.
- مخاوف من طبيعة العقيدة الإسلامية التى ترفض الخنوع، وتفهم عبادة الله على أنها تتنافى مع عبادة وطاعة مَن سواه.
- خلاف فكرى مع معطيات الشريعة الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات.
- رفض الشعوب الإسلامية لهيمنة أى دولة غير إسلامية؛ إدراكًا منها أن الهيمنة الاستعمارية تنطوى على تراجع ثقافة وعقائد البلاد الواقعة تحت الاحتلال أو الاستعمار لحساب ثقافة المستعمر، وهى معادلة طبيعية ومنطقية.
- معركة استعمارية تستهدف الحفاظ على السيطرة الأمريكية على العالم بعد الفراغ من كتلة رئيسية تملك من المقومات العقائدية الثقافية ما يدفعها إلى رفض الهيمنة والاستعمار.
[2] فكرية ثقافية أم عسكرية؟
قد لا نجد أنفسنا حائرين إذا أردنا أن نثبت الشق العسكرى فى المعركة.. فقد ظهرت فصولها جلية واضحة فى العراق، وما زالت فصولها مستمرة فى فلسطين، أضف إلى ذلك أيضا تلك القواعد العسكرية التى يصرح المسئولون فى الإدارة الأمريكية ببقائها واستمرارها وتوسيعها لتشمل العراق الجديد بالإضافة إلى دول الخليج.
ولكن هل تقتصر المعركة على الشق العسكرى أم أن هناك أبعادًا أخرى تتعلق بالمجال الثقافى والفكري؟ ولا شك أن البعد العسكرى يتم استعماله أحيانًا لتحقيق الأهداف والوصول إلى نتائج سريعة، إلا أن استعماله فى غالب الأحوال يظل فى إطار الردع والإرهاب، على أن يتم إفساح مجال واسع للدور الثقافى والفكرى ليقوم بمهامه على نطاق واسع فى جميع بلدان المنطقة، ولا شك أن هذا الدور سيتفاعل سريعًا تحت وطأة الإرهاب العسكرى وقوة الردع القابعة فى أكثر من بلد عربي، خاصة أن ما خلفته من دمار وخراب ماثل للأعين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق