الأربعاء، 16 أكتوبر، 2013

رئيس بالصدفة يحكم ثلاثة عقود بقانون الطوارئ ويتنحى بعد خراب مالطة..

رئيس بالصدفة يحكم ثلاثة عقود بقانون الطوارئ ويتنحى بعد خراب مالطة..

ناجي هيكل

30 عاماً فى 30 يوماً..

كيف حكم مبارك مصر.. رئيس بالصدفة يحكم ثلاثة عقود بقانون الطوارئ ويتنحى بعد خراب مالطة..

أسطورة مبارك أنه حاكم بلا أسطورة ولا أحداث كبيرة غير اغتيال السادات وثورة يناير

الأربعاء 14 أكتوبر 1981 وبعد استفتاء شعبى خرج بنتيجة تأييد 98.46% لاختيار محمد حسنى مبارك رئيساً للجمهورية.. وقف مبارك وإلى يمينه الرئيس السودانى جعفر نميرى، وإلى يساره الدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب.. وتلا اليمين الدستورية لتبدأ فترته الرئاسية الأولى.. وبدأ عهد مبارك الذى لم يكن يتوقع أحد أن يستمر 30 عاما وينتهى نهاية دراماتيكية نادرة.. وفى يوم الجمعة 11 فبراير 2011 كان نائب الرئيس عمر سليمان يعلن تنحى مبارك عن منصبه وأنه فوض المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد.

عمر سليمان أول وآخر نائب لمبارك طوال 30 عاما، واستمر نائبا لمدة 12 يوما فقط، حيث ظل مبارك يقاوم تعيين أى نائب له بحجج مثل أنه لا يجد الرجل المناسب، وهو الذى تولى رئاسة مصر بمصادفة بعد اغتيال الرئيس السابق أنور السادات.. وكان يومى 6 أكتوبر 1981، و11 فبراير 2011 هما أطول يومين فى حياة الرجل الذى بقى فى السلطة السياسية 36 عاماً منذ تعيينه نائباً عام 1975 وبعد 6 سنوات أصبح رئيساً لأكبر دولة عربية، ولم يكن يتوقع أن يعينه السادات نائبا، وقال لعماد أديب إنه كان يتوقع أن يعينه السادات سفيرا فى لندن "بلد الاكسلانسات"، لكنه فوجىء به يختاره نائبا له.. ولم يتصور لاهو ولاغيره أنه سوف يستمر كل هذا الوقت ويجنى ثمار سنوات من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية الباردة والساخنة.. كان واحدا من أطول الحكام الذين حكموا مصر بالمصادفة، حتى تحول إلى أسطورة فى الاستمرار والبقاء.

كان مبارك أفضل حظا من سابقيه ومن معاصريه، لم يسقط نظامه بالغزو مثلما جرى لصدام حسين فى العراق، ولم يغتل مثل خالد فى السعودية ولم يصبه السرطان كالملك حسين، وبدا أسطوريا مثل سلحفاة، ترددت فى نكات أيامه الأخيرة، حيث قدموا له فى عيد مولده سلحفاة، قالوا له إنها تعيش 300 عام، فرد "هنشوف" لم يقابل عبد الحكيم عامر لينافسه ولا دخل فى حروب أو صراعات. وتجلت مواهبه فى التعامل مع الأمر الواقع إما بالتجاهل أو بالآخرين.. رجل متوسط بلا طموحات إقليمية أو تاريخية، لا يحب التاريخ ولا السياسة، ربما لهذا انتصر على الجميع، وبقى حتى شعر الآخرون بالملل، أما هو فلم يبد أى شعور بالضجر من طول المكوث فى كرسى الرئاسة.

ديكتاتور من نوع خاص لم يكن دموياً للدرجة التى تجر عليه الغضب الدولى أو العالمى، لا يتمسك بموقف حاد ضد الولايات المتحدة التى يعتبرها صاحبة القرار الأول فى العالم، وكلما أخطأ الآخرون خرج منتصرا ليعلن ألم أقل لكم؟.. لم يسرف فى شىء ولم يسع لشىء، وظل ساكنا كجلد ثعبان، يحافظ على صحته وأمنه، هما الشيئان اللذان مكناه من الاستقرار فى الحكم لم يجاوزه سوى رمسيس الثانى وبعض ملوك الفراعنة المشكوك فى فتراتهم.

لم يتخذ قرار حرب إلا إذا كانت حربا داخلية ضد خصم منافس أو جماعة مسلحة تهدد أمنه الشخصى، ساعتها يسمح بالانتقام للدرجة التى تحفظ له وجوده. خشن بلا قسوة ظاهرة. لم يكن طموحا للسلطة كعبد الناصر ولا مجنونا بالأضواء كالسادات، انتصر عليهما فى لعبة الزمن.

تعرف على السياسة بمفهومها الشائع وهو فى الخمسين من عمره، ولم يدرك خطرها أو لذتها، تعامل معها مثلما يتعامل موظف مع وظيفته، يحافظ عليها، ولم يسمح للآخرين باستخدامها خارج سياقه، تصور الكثيرون أنه "عبيط" لكن الأيام الطويلة التى قضاها أثبتت أنه كان الأكثر دهاءً ممن حوله، دهاء لم يمكنه من العمل الجيد أو محاولة لعب دور إقليمى، حافظ على الدور الإقليمى لمصر فى النطاق الذى لا يجعلها دولة مهمة أو نكرة.. لكنه انخفض بالكثير من الأشياء، حفظ التوازن بين الفقراء والأغنياء بالأمن والإجراءات الأمنية.

بعد أن أصبح رئيسا عرض مبارك على الشعب ملامح سياسته. ودمعت عيناه وهو يقول إنه لم يدُر بخلده لحظة واحدة ما شاءت به إرادة الله أن يقف هذا الموقف بعد السادات وبالصورة التى جرت بها الأمور.. "ولكن هكذا جاء قدرى أن أقف أمامكم فى غيبته".

مبارك المطرود المطارد فى شرم الشيخ يمثل عبئا على مصر بشهدائها ومجلسها العسكرى ربما يستعيد تاريخ أعوامه الثلاثين فى السلطة، ومثل أى ديكتاتور عجوز لا يصدق أنه ارتكب من الأخطاء ما يكفى لمحاكمته. لم يكن مهتما بقراءة الصحف أو متابعة الفضائيات. أو الانتقادات التى توجه إليه، كان يعتبرها بلا قيمة. طالما يرى من حوله يدور حوله. كانت أفكاره البسيطة تتحول إلى تعليمات الرئيس.

حسنى مبارك لم يتعلم شيئا من الرئيس السابق أنور السادات. الذى كان كما كتب الرحل أحمد بهاء الدين يرفض قراءة الصحف أو الاستماع للإذاعات، ويعتبر متابعة الأخبار سببا فى مقتل جمال عبد الناصر. ويفضل ملخصات التقارير، ويتخذ القرارات بناء عليها. مبارك جرب وصفة السادات وتوقف عن قراءة الصحف أو الاهتمام بها، وصدق التقارير الأمنية، جرب أن يكون رئيسا لثلاثين عاما، دون الحاجة لتغيير عاداته فى النوم مبكرا والاستيقاظ مبكرا وعدم قراءة الصحف أو الاهتمام بمعارضيه. وحتى عندما جاءته الإشارات من تونس كان متأكدا أنه سيواصل رئاسته "حتى آخر نفس". لم يصدق أن كل من كانوا يسبحون باسمه، ويمتدحون اشتياقه "لطشة الملوخية"، انقلبوا وأصبحوا يبالغون فى مهاجمته واتهامه بأنه سبب كل البلاوى.

مبارك لم يكن يقرأ واعتاد طوال ثلاثين عاما أن يتجاهل ما يقوله خصومه، يسخر من منتقديه. كان يصدق فيلم طباخ الرئيس أكثر مما يصدق طباخه، نجح طوال ثلاثين عاما فى أن يحافظ على نظامه دون أن يلتفت للثقوب والتسربات. وتهاوى فى أقل من خمسة عشر يوما. تاركا نصف الشعب فقيرا وثلثه مريض، وتحت خطوط الفقر. وهؤلاء لم يكن ذكرهم يرد فى ملخصات التقارير، ولا فى اجتماعات أجهزة الأمن. ومع هذا كان يؤمن أنه عبقرى، ولا يرى من يصلح للحكم بعده.

ربما يجد مبارك الوقت ليقرأ مافاته من صحف وأخبار ليعرف كيف يكون حال الرؤساء السابقين الذين خلعتهم شعوبهم. ولهذا أفاق على الانهيار.

ثلاثون عاما نستعرضها عاما بعد آخر لنعيد قراءة المشهد كما يفترض أن يراه الرئيس المخلوع، الذى يشبه ديكتاتورات العبقرى الكولمبى جابريل جارسيا ماركيز" فى خريف البطريرك، وحيدين يشعرون بالبرد ويحلمون بمصادفة تعيدهم إلى الكرسى الذى قتلوا وسرقوا من أجله. هل كانت بدايات مبارك تشير إلى نهاياته؟

قبل أن يقسم مبارك القسم الجمهورى يوم الأربعاء 14 أكتوبر 1981 كاتن قد قطع 6 سنوات نائبا للرئيس السادات، ورفض طوال 30 عاما أن يعين نائبا له. وهو أمر فسره خصومه بعد تنحيه أنه لسبب ما أو علاقة تربطه باغتيال السادات.عامه الأول فى الحكم بدا يوم الخامس من سبتمبر 1981.

الثلاثاء 6 أكتوبر 1981 كانت مصر تعوم على بحيرة من التوتر والبارود، شهر على اعتقالات سبتمبر، التى شملت حوالى 3 آلاف شخص من جميع التيارات والاتجاهات. يوم 5 أكتوبر أدلى الرئيس أنور السادات بحديث لمراسل مجلة دير شبيجل الألمانية قال فيه "أكبر آمالى أن أتخلى عن الحكم وأكتفى برئاسة الحزب وأترك الحكم لمن هو أكثر شباباً وحيوية.. وحسنى مبارك يعرف أفكارى تماماً.. وهو قادر على أن يعبر عن وجهة نظرى.. وقد تمرس فى السياسة و الحكم".

بعد الإفطار أجرى السادات اتصالات مع ابنه جمال فى أمريكا ومع صديقيه عثمان أحمد عثمان وسيد مرعى.. ومدير المخابرات العامة.. ونائبه ووزير الداخلية وأمين عام الحزب الوطنى وارتدى ملابسه ونزل ليجد نائبه مبارك ووزير دفاعه محمد عبد الحليم أبو غزالة فى انتظاره.. توجهوا لوضع إكليل الزهور على قبر الجندى المجهول. واتجهوا للعرض العسكرى، أثناء العرض العسكرى تحدث السادات مع مبارك على يمينه وأبو غزالة على يساره..عن تنظيم احتفالات ضخمة فى 25 إبريل 1982 اليوم المقرر لاستعادة سيناء.. لكن بعد لحظات أثناء عرض للطيران تحولت المنصة إلى مرمى لنيران خالد الإسلامبولى وزملائه سقط الرئيس السادات مضرجا فى دمائه.

أقلعت طائرة هليكوبتر من أمام المنصة تحمل الرئيس أنور السادات إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى.. وانطلقت سيارة عسكرية تحمل نائب الرئيس إلى المستشفى.. مبارك شاهد السادات مسجى وقد فارق الحياة.. طلبت جيهان السادات رؤية مبارك..وقالت له:". مصر هى الأبقى.. أرجو أن تلتفت إلى مصر..وتجمع وزراءك وتدير شؤون الدولة..أرجوك". قال لها " متقوليش كده". لكنه أسرع لمنزله فى مصر الجديدة وضُمِدَت يده. بدل ملابسه العسكرية وارتدى بدلة داكنة. وسارع لحضور جلسة طارئة للحكومة لم تتجاوز نصف الساعة وأيد الوزراء ترشيح مبارك رئيساً للجمهورية .

تحدث فيها مبارك عما حدث فى المنصة لصحيفة "مايو" فى 18 أكتوبر 1981 " عندما أيقنت من يأس الطب وعجزه عن إنقاذ الرئيس فكرت فى الانسحاب.. لم تكن لدى رغبة فى تولى المسؤولية من بعده..والرئيس رحمه الله كان يعرف ذلك.. كثيراً ما أكدت له أننى لن أبقى فى موقعى إذا فكرّ فى ترك موقعه.. ثم فكرت فى مصر..فى الأخطار التى تحيط بها وفى الظروف التى تواجهها هذه الأيام..وعقدت مجلس الوزراء.. طلبوا عقد المكتب السياسى للحزب الوطنى لاختيار شخص رئيس الجمهورية القادم..طلبت أن يجتمع المكتب فى اليوم التالى لكنهم أصروا على عقده فوراً. اجتمع المكتب السياسي. وأصروا جميعاً على اختيار شخصى لرئاسة الجمهورية..وكان رأيهم أننى أستطيع أن أحفظ للبلاد وحدتها وأوفر لها أمنها واستقرارها." وكان استقرارا اكثر من اللازم.

وبعد ساعات نعى السادات "يعجز لسانى وقد اختنق بما تموج به مشاعرى أن أنعى إلى الأمة المصرية والشعوب العربية والإسلامية والعالم كله الزعيم المناضل البطل أنور السادات".

بعد استفتاء بنسبة 98.46% تم اختيار محمد حسنى مبارك رئيساً للجمهورية.. وبعد أربعة أيام فى 18 أكتوبر صباح عيد الأضحى هاجم أعضاء الجهاد فى أسيوط مبنى مديرية الأمن. واستولوا على سيارة للأمن المركزى وأسلحة وقتلوا جنود وضباط.. لكن قوات الأمن استقدمت تعزيزات وتمكنت من السيطرة على الموقف أصيب عصام دربالة وعلى الشريف قائد المجموعة التى هاجمت مديرية الأمن وعاصم عبدالماجد وكرم زهدي.. وألقى القبض على باقى أفراد المجموعة بخطة وضعها حسن أبو باشا مساعد وزير الداخلية. الذى أصبح بعد أيام وزيرا للداخلية خلفا للنبوى إسماعيل وحسن أبو باشا هو الذى أعاد بناء جهاز مباحث أمن الدولة، الذى نما ليصبح أحد اهم أيادى مبارك فى الحكم مع قانون الطوارئ.

وبعد أيام ألقى القبض على عبود الزمر.. مقدم المخابرات السابق و302 من أعضاء تنظيم الجهاد، وفى 10 أكتوبر تقدم مبارك جنازة السادات فى حضور رؤساء الولايات المتحدة السابقين: كارتر وفورد ونيكسون.. كان السودانى جعفر نميرى الرئيس العربى الوحيد الذى شارك فى الجنازة. فقد كانت علاقات الدول العربية مع مصر مقطوعة منذ ما بعد كامب ديفيد.

فى بداية حكمه سعى مبارك لإرضاء المعارضة وكان يرد على أى مراسل يسأله عن سياسته وما اذا كانت مثل السادات او عبد الناصر يرد مبتسما «أنا اسمى حسنى مبارك» وهى إجابة حمالة اوجه. بعد أسابيع من اغتيال السادات افرج مبارك عن جميع المعتقلين السياسيين الكبار واستقبلهم فى القصر الجمهورى.

فى فبراير ١٩٨٢ دعا الرئيس مبارك الاقتصاديين بمختلف اتجاهاتهم اليسار واليمين والوسط، إلى المؤتمر الاقتصادى لمناقشة وضع الاقتصاد المتردى وبالفعل اجتمعوا وتناقشوا واصدروا توصيات.تم وضعها فى الأدراج ولم تظهر مرة أخرى وكانت هذه اخر مرة يستدعى فيها مبارك الخبراء.

وفى يوم 15 إبريل 1982 نُفِذ حكم الإعدام شنقاً فى كل من عطا طايل حميدة رحيل وعبد الحميد عبد السلام عبد العال ومحمد عبد السلام فرج. وفى صباح ذلك اليوم نُقل الملازم أول خالد الإسلامبولى والرقيب حسين عباس من السجن الحربى إلى ميدان ضرب النار. رفض خالد أن يضع العصابة السوداء على وجهه..دقت الطبول فصوب الجنود بنادقهم على القلب المرسوم فوق سترة الإعدام وأطلقوا النار.

25 إبريل 1982 رفع الرئيس حسنى مبارك العلم المصرى فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها كاملة واستكمال الانسحاب الإسرائيلى بعد احتلال 15 عاما لتكون هذه اول ثمرة يجنيها مبارك من جهد السادات الذى لم ير حلمه. وعادت صحف المعارضة إلى الظهور، وسمح للصحف الحكومية بدرجة من الحرية، وعاد معارضو السادات الاعلاميين مثل محمود السعدنى ومحمود أمين العالم وغيرهم وعادت صحف الشعب والأهالى للصدور بكتابها الذين اعتقل السادات منهم حلمى مراد وفتحى رضوان وصلاح عيسى وجلال أمين وإسماعيل صبرى عبد الله وفؤاد مرسى.

احتفظ مبارك بنفس حكومة السادات الأخيرة وتركيبة الحزب الوطنى ومجلسى الشعب والشورى لمدة ثلاثة أعوام كاملة، بقى الدكتور فؤاد محيى الدين رئيسا للوزراء، وامينا عاما للحزب الوطنى، وغير فقط وزير الداخلية حيث قال النبوى إسماعيل وعين حسن أبو باشا، وكانت وزارة الداخلية أكثر الوزارات التى شهدت تغييرا وسط جمود وزارى.

فى بداية عهد مبارك استقبله المصريون بنكات تشير إلى أنه لم يكن بالذكاء المطلوب، وبدا أنه غير مثير للتنكيت، وبعد توليه الرئاسة مبارك اعتبره المصريون رجلا لا يفهم فى السياسة، تزامن توليه مع إعلان جبنة «لافاش كيرى» أو «البقرة الضاحكة»، واختفى الإعلان وتردد أنه تم منعه. وبدأوها بنكتة: «واحد أكلنا المش والتانى علمنا الغش والتالت لابيهش ولا بينش»، وكانت هذا إشارة إلى اشتراكية عبد الناصر، وخبث السادات، وخلو مبارك من أى ميزة. مبارك حكم سنوات تفوق السنوات التى قضاها جمال عبدالناصر والسادات.

بعد المنصة ترددت نكتة أن مبارك بعد أن تأكد من موت السادات دخل الحمام، ووقف يرقص أمام المرآه ويغنى: «وبقيت الريس.. وبقيت الريس». واستمر مبارك حاكما فردا بلا نائب طوال ثلاثة عقود بداها برعب المنصة ونهاها برعب أشد ثورة شعبية تطيح به بالرغم من قانون وحالة الطوارئ اللتان فرضا بعد اغتيال السادات واستمر ثلاثين عاما. وغدا عام جديد ويوم جديد.

أطاح مبارك بالنبوى إسماعيل وعين أبو باشا وأصبح الأمن هو أساس التغيير فى سياسة مبارك

تسلم السلطة بسهولة ودون صراعات مثلما حدث مع عبد الناصر والسادات وجنى ثمار دفع السادات ثمنها أبقى على كل رجال السادات، ردا لجميلهم، وأعلن أنه لا نية لديه للتغيير واضطر لتعيين رئيس وزراء ووزير للداخلية

اغتيل السادات فى المنصة، وبعد ساعات اتفقت أطراف النظام كله على ترشيح حسنى مبارك للرئاسة، فى الحكومة والحزب ومجلسى الشعب والشورى، وجرت الأمور بسرعة لتستقر الأمور لحسنى مبارك الذى قضى ست سنوات نائبا للسادات، تم ترشيحه بسرعة ليصبح رئيسا للجمهورية.

بعد يوم من توليه الرئاسة، تحدث مبارك عما حدث فى المنصة لصحيفة "مايو" فى 18 أكتوبر 1981: "عندما أيقنت من يأس الطب وعجزه عن إنقاذ الرئيس فكرت فى الانسحاب.. لم تكن لدى رغبة فى تولى المسؤولية من بعده.. والرئيس رحمه الله كان يعرف ذلك.. كثيراً ما أكدت له أننى لن أبقى فى موقعى إذا فكرّ فى ترك موقعه.. ثم فكرت فى مصر.. فى الأخطار التى تحيط بها وفى الظروف التى تواجهها هذه الأيام.. وعقدت مجلس الوزراء.. طلبوا عقد المكتب السياسى للحزب الوطنى لاختيار شخص رئيس الجمهورية القادم.. طلبت أن يجتمع المكتب فى اليوم التالى لكنهم أصروا على عقده فوراً.. اجتمع المكتب السياسى، وأصروا جميعاً على اختيار شخصى لرئاسة الجمهورية.. وكان رأيهم أننى أستطيع أن أحفظ للبلاد وحدتها وأوفر لها أمنها واستقرارها". وكان استقرارا أكثر من اللازم.

وبعد ساعات نعى السادات: "يعجز لسانى وقد اختنق بما تموج به مشاعرى أن أنعى إلى الأمة المصرية والشعوب العربية والإسلامية والعالم كله الزعيم المناضل البطل أنور السادات".

بعد استفتاء بنسبة 98.46% تم اختيار محمد حسنى مبارك رئيساً للجمهورية.. وبعد أربعة أيام فى 18 أكتوبر صباح عيد الأضحى هاجم أعضاء الجهاد فى أسيوط مبنى مديرية الأمن، واستولوا على سيارة للأمن المركزى وأسلحة وقتلوا جنودا وضباطا.. لكن قوات الأمن استقدمت تعزيزات وتمكنت من السيطرة على الموقف أصيب عصام دربالة وعلى الشريف قائد المجموعة التى هاجمت مديرية الأمن وعاصم عبدالماجد وكرم زهدى.. وألقى القبض على باقى أفراد المجموعة بخطة وضعها حسن أبو باشا مساعد وزير الداخلية، الذى أصبح بعد أيام وزيرا للداخلية خلفا للنبوى إسماعيل وحسن أبو باشا هو الذى أعاد بناء جهاز مباحث أمن الدولة، الذى نما ليصبح أحد اهم أيادى مبارك فى الحكم مع قانون الطوارئ.

وبعد أيام ألقى القبض على عبود الزمر.. مقدم المخابرات السابق و302 من أعضاء تنظيم الجهاد، وفى 10 أكتوبر تقدم مبارك جنازة السادات فى حضور رؤساء الولايات المتحدة السابقين: كارتر وفورد ونيكسون.. كان السودانى جعفر نميرى الرئيس العربى الوحيد الذى شارك فى الجنازة، فقد كانت علاقات الدول العربية مع مصر مقطوعة منذ ما بعد كامب ديفيد.

وفى يوم 15 إبريل 1982 نُفِذ حكم الإعدام شنقاً فى كل من عطا طايل حميدة رحيل وعبد الحميد عبد السلام عبد العال ومحمد عبد السلام فرج، وفى صباح ذلك اليوم نُقل الملازم أول خالد الإسلامبولى والرقيب حسين عباس من السجن الحربى إلى ميدان ضرب النار، رفض خالد أن يضع العصابة السوداء على وجهه.. دقت الطبول فصوب الجنود بنادقهم على القلب المرسوم فوق سترة الإعدام وأطلقوا النار.

25 إبريل 1982 رفع الرئيس حسنى مبارك العلم المصرى فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها كاملة واستكمال الانسحاب الإسرائيلى بعد احتلال 15 عاماً لتكون هذه أول ثمرة يجنيها مبارك من جهد السادات الذى لم ير حلمه.

وعادت صحف المعارضة إلى الظهور، وسمح للصحف الحكومية بدرجة من الحرية، وعاد معارضو السادات الإعلاميون مثل محمود السعدنى ومحمود أمين العالم وغيرهم وعادت صحف الشعب والأهالى للصدور بكتابها الذين اعتقل السادات منهم حلمى مراد وفتحى رضوان وصلاح عيسى وجلال أمين وإسماعيل صبرى عبد الله وفؤاد مرسى.

فى بداية عهد مبارك استقبله المصريون بنكات تشير إلى أنه لم يكن بالذكاء المطلوب، وبدا أنه غير مثير للتنكيت، وبعد توليه الرئاسة مبارك اعتبره المصريون رجلا لا يفهم فى السياسة، تزامن توليه مع إعلان جبنة «لافاش كيرى» أو «البقرة الضاحكة»، واختفى الإعلان وتردد أنه تم منعه. وبدأوها بنكتة: «واحد أكلنا المش والتانى علمنا الغش والتالت لابيهش ولا بينش»، وكانت هذه إشارة إلى اشتراكية عبد الناصر، وخبث السادات، وخلو مبارك من أى ميزة، مبارك حكم سنوات تفوق السنوات التى قضاها جمال عبدالناصر والسادات.

بعد المنصة ترددت نكتة أن مبارك بعد أن تأكد من موت السادات دخل الحمام، ووقف يرقص أمام المرآه ويغنى: «وبقيت الريس.. وبقيت الريس». واستمر مبارك حاكما فردا بلا نائب طوال ثلاثة عقود بداها برعب المنصة ونهاها برعب أشد ثورة شعبية تطيح به بالرغم من قانون وحالة الطوارئ اللذان فرضا بعد اغتيال السادات واستمر ثلاثين عاما.. وغدا عام جديد ويوم جديد.

فى بداية حكمه سعى مبارك لإرضاء المعارضة، وكان يرد على أى مراسل يسأله عن سياسته وما إذا كانت مثل السادات أو عبد الناصر يرد مبتسما «أنا اسمى حسنى مبارك» وهى إجابة حمالة أوجه. لكنها كانت كافية بالنسبة لمبارك ليقول إنه ليس جمال عبد الناصر ولا أنور السادات. ولم يكن هو مثل أى منهما بالفعل فلم يكن طموحا للسلطة جاهزا لها كما عبد الناصر ولا هو رئيس يحب الصدمات المفاجئة ويعشق الأضواء ويسعى لبناء جماهيريته فى الداخل والخارج.

بعد أسابيع من اغتيال السادات أفرج مبارك عن جميع المعتقلين السياسيين الكبار واستقبلهم فى القصر الجمهورى، فى فبراير ١٩٨٢ دعا الاقتصاديين بمختلف اتجاهاتهم اليسار واليمين والوسط، إلى المؤتمر الاقتصادى لمناقشة وضع الاقتصاد المتردى وبالفعل اجتمعوا وتناقشوا وأصدروا توصيات، تم وضعها فى الأدراج ولم تظهر مرة أخرى وكانت هذه آخر مرة يستدعى فيها مبارك الخبراء.

احتفظ مبارك بنفس حكومة السادات الأخيرة وتركيبة الحزب الوطنى ومجلسى الشعب والشورى لمدة ثلاثة أعوام كاملة، كان الرئيس السادات قد تولى رئاسة الوزراء فى الفترة من مايو 1981 حتى اغتياله فى أكتوبر من نفس العام واستمر الوضع على ما هو عليه حتى تم تعيين الدكتور فؤاد محيى الدين رئيسا للوزراء، فى الثانى من يناير 1982 وقد كان محيى الدين أمينا عاما للحزب الوطنى ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للصحة، واضطر مبارك لتعيين رئيس وزراء لخلو المنصب وغير أيضا وزير الداخلية، حيث أقال النبوى إسماعيل وعين حسن أبو باشا، وكانت وزارة الداخلية أكثر الوزارات التى شهدت تغييرا وسط جمود وزارى.

مائة وسبعون يوما فقط، كانت تفصل بين نهار 6 أكتوبر 1981، ويوم 25 إبريل 1982، اليوم الذى كان الرئيس السادات ينتظره ليرفع علم مصر على سيناء، موشحا بلقب بطل الحرب والسلام، وعد المصريين بالكثير، لكنه لم يعش ليرى هذا اليوم، كان حسنى مبارك هو الذى بقى ليرفع علم مصر على سيناء ويحتفل بعودتها من الاحتلال.

قضى حسنى مبارك 6 سنوات نائبا للرئيس السادات كان يصاحب السادات مثل ظله، ولكن السيطرة كانت للرئيس، فالنظام الرئاسى فى مصر هرم على قمته الرئيس، كان عبد الناصر هكذا، وبعده السادات، لكن مبارك اختلف عنهما فى شىء مهم، فقد احتاج جمال عبد الناصر إلى عامين كاملين من الصراع على السلطة حتى تستقر له الأوضاع، وبقيت الأحداث فى الفترة من يوليو 1952 حتى مارس 1954 تغلى بتحركات وصراعات، تولى محمد نجيب الرئاسة فى البداية ثم بدأت عمليات الاستقطاب والصراع ختى انتزع جمال عبد الناصر السلطة عام 1954، وواجه منافسيه وطلاب السلطة من النظام القديم وايضا من الضباط، واستقرت له الزعامة مع تأميم القناة وحرب السويس التى رفعته زعيما مصريا وعربيا حتى النكسة.

أما أنور السادات فقد بدأ عصره بصراع مع من سماهم مراكز القوى، وهم كانوا أركان نظام الرئيس جمال عبد الناصر، الذى كان حتى الشهور الأولى لحكم السادات يفرض سطوته الجماهيرية وأسطورته، واجه السادات مقاومة من أركان حكم عبد الناصر وتصادم معهم فاستقالوا وبدأ عهده بالتخلص من خصومه، على طريقة ميكافيلى، سجنهم أو طردهم، واكتسب عداواتهم، وأعلن عن ثورة التصحيح التى اعتبرها خصومه انقلابا، أعلن السادات الحرب على من سماهم مراكز القوى وسبق هذا بالهجوم عليهم.. تخلص من منافسين تصوروه ضعيفا، قابلا للتحكم والتشكيل.

الجماهير التى لم تكن تخلصت من أسطورة جمال عبدالناصر، وصورته التى كان على السادات أن يعترف بها حتى يصنع صورته، عندما اختار ناصر السادات نائبا أول، اعتبره خصوم السادات خطأ أو مصادفة، لكن السادات أثبت أنه رجل دولة قادر على المناورة وملاعبة خصومه، وسرعان ما استقرت له اوضاع السلطة، وفى الفترة من مايو 71 إلى أكتوبر 73 واجه السادات تشكيكا فى رغبته أو قدرته على الحرب، حتى نجح فى حرب أكتوبر، فانتزع شرعية مكنته من إطلاق الوعود بالرخاء والديمقراطية.

وعلى العكس من عبد الناصر والسادات تسلم حسنى مبارك مصر بلا صراعات، فقد كان اغتيال الرئيس السادات فى المنصة، بعد مصادمات مع السياسيين من كل الاتجاهات، سهل عملية انتقال السلطة بسرعة لحسنى مبارك.

أصبح رئيسا بعد 8 أيام فقط من اغتيال السادات على أيدى تنظيم الجهاد، جاء مبارك والمعارضة على أشدها للسادات، الذى لم يعش ليرى حلم تحرير سيناء أو يجنى ثمار زيارته للقدس وتوقيع معاهدة كامب ديفيد وهى الخطوات التى فتحت عليه أبواب المعارضة داخل مصر وأدت لقطع علاقاته مع الدول العربية.

تولى حسنى مبارك سلطة سهلة، إلا من بعض القلاقل الأمنية، حيث لم تكن تفاصيل الجماعات التى قتلت السادات واضحة، وهو أمر تبين خلال أيام مع أحداث أسيوط التى انتهت بجهد جهاز مباحث أمن الدولة الذى تولاه اللواء حسن أبو باشا، وأصبح وزيرا للداخلية، خلال أيام أعادت أجهزة الأمن الاستقرار، وتم القبض على تنظيم الجهاد ومحاكمته.

ولم يجد حسنى مبارك نفسه فى حاجة لصراع على السلطة، وسرعان ما أعلن كل رجال السادات ولاءهم للقادم الجديد الذى بدا هو الآخر ممتنا لهم غير راغب فى تغييرهم أو استبعادهم وهم الذين سعوا لتمكينه من الجلوس على كرسى الرئاسة.

30 عامًا فى 30 يومًا.. كيف حكم مبارك مصر.. عام فؤاد محيى الدين

مبارك لم يستمر خارج الحزب الوطنى سوى شهور ثم قبل رئاسة الحزب وبدأت عملية تهميش المعارضة

لم يكن خاليًا من الخبرة السياسية لأنه لعب دورًا محوريًا مع أمريكا والسعودية فى حرب الأفغان ضد السوفييت

تولى مبارك الحكم، ولم يبد أى رغبة فى التغيير الجذرى وفضل الاحتفاظ بنفس طواقم السياسيين من عصر السادات، وفضل الاحتفاظ بقيادات الحزب الوطنى والحكومة، بل إن الرئيس السادات كان قد ترأس الحكومة من مايو 1981 حتى اغتياله فى أكتوبر، والمثير أن مبارك احتفظ لنفسه بمنصب رئيس الوزراء حتى بداية عام 1982، ولم يفكر فى التغيير.

كان مبارك فى مرحلة استكشاف جديدة للسياسيين والحزبيين، بالرغم من أنه قضى 6 سنوات نائبا للرئيس السادات.. وكان يعلم الكثير من التفاصيل حول القيادات، الذين كانوا مستعدين للعب الدور نفسه مع الرئيس الجديد، فقد كان قيادات حزب مصر كانوا قد هرولوا مع السادات عندما أعلن عن نيته لتشكيل الحزب الوطنى، كانوا يفعلون هذا مع الجالس على كرسى الرئاسة، سواء كان السادات أم مبارك.

لم يكن مبارك بعيدًا عن السياسة فقد ظل مع الرئيس السادات 6 سنوات كان يلازمه فيها كظله، وترددت قصص عن صراعات دخل فيها مع منصور حسن وزير الإعلام ووزير رئاسة الجمهورية الذى أقاله السادات قبل اغتياله بأيام كان الدكتور محمود جامع قال فى أكثر من حوار له "إن جيهان السادات كانت تخطط مع أشرف مروان وفوزى عبد الحافظ (سكرتير زوجها) لتصعيد منصور حسن وزير الإعلام لمنصب نائب الرئيس السادات، وأن السيناريو بدأ بتعيينه وزيرًا لشئون رئاسة الجمهورية ومنحه صلاحيات متزايدة تسمح له بقراءة التقارير المرفوعة من أجهزة الأمن ـ والبريد الذى يأتى وتلخيصه للسادات، وقد كانت هذه المهمة من صلاحيات نائب الرئيس حسنى مبارك الذى خشيت جيهان السادات أن يستأثر بكل السلطات فى يده.. وهو ما خلق حساسية متصاعدة بينه وبين النائب.. وذكر موسى صبرى فى كتابه عن السادات مثل هذا الكلام لكن الوزير الأسبق منصور حسن نفى علمه بهذا فى أحاديثه التى أدلى بها مؤخرا.. وأغلق أبوابًا كثيرة عن هذا الصراع المتوهم، وإن كان وصف حسنى مبارك بأنه ضيع الكثير من الفرص.. وهى فرص كثيرة بمفهوم السلطة، لأنه تسلم مصر وهى تعانى مشكلات اقتصادية لكنها أيضا كانت على باب مرحلة واعدة سواء بعودة سيناء أو إمكانية إعادة العلاقات مع الدول العربية، وهى ثمار جناها مبارك، وكانت الدول العربية على استعداد للعودة إلى مصر، خاصة مع تطورات إقليمية ودولية.

تسلم حسنى مبارك الحكم والاتحاد السوفيتى فى عنفوانه، كان رونالد ريجان فى بداية فترته الأولى لحكم الولايات المتحدة الأمريكية، ومارجريت تاتشر، رئيسه لوزراء بريطانيا، والحرب الأهلية اللبنانية فى قمتها، والملك حسين يحكم الأردن، وحافظ الأسد فى سوريا، ولايزال الاتحاد السوفيتى فى عنفوانه والحرب الباردة تدور بشكل علنى فى أفغانستنان. التى غزاها السوفييت ليساندوا حكومة نجيب الله الشيوعية. وبدأت الولايات المتحدة تقود حربا بالوكالة فى أفغانستان عن طريق السعودية ومصر وكان حسنى مبارك نائب الرئيس السادات أحد اللاعبين الأساسيين فى ملف الحرب فى أفغانستان من خلال التنسيق بين الاستخبارات الأمريكية والسعودية وشجع السادات بدءا من عام 1979 اتجاه عدد من الشباب المصرى أعضاء الجماعات الإسلامية للسفر والجهاد ضد الغزو السوفيتى الشيوعى.. وقد تناول فيلم "حرب تشارلى" بطولته توم هانكس قصة تشارلى ويلسون عضو مجلس النواب الأمريكى الذى لعب الدور الأهم فى تمويل حرب المجاهدين فى أفغانستان، عبر عمليات معقدة قام من خلالها بتحويل الأموال وتدبير الأسلحة، من أجل إرهاق الاتحاد السوفيتى وتشارلى ويلسون، كان نائبًا يمارس حياته بحرية تصل إلى الهلس نساء وخمر، لكنه مارس عمليات استخباراتية معقدة كانت بعضها تدور فى مصر حيث التقى قيادة سياسية مهمة، بمساعدة دبلوماسى فى سفارة مصر فى واشنطن، وقتها كان المشير أبو غزالة ملحقًا فى واشنطن، ونقل أحد الكتب البريطانية أن مبارك وأبو غزالة وحسين سالم بدأوا تجارة للحمير التى كانت تحتاجها أفغانستان وكانت وسيلة نقل العتاد والمؤونة الوحيدة فى الأراضى الجبلية وأنهم عقدوا صفقة لتوريد 10 آلاف حمار، لأفغانستان ومعها أسلحة تم تمويلها من المملكة السعودية وأن هذه الصفقات كانت بداية البيزنس لمبارك وحسين سالم وتعاون استمر بينهما سنوات.. مبارك إذن لعب دورا فى الحرب الباردة، وكانت له علاقات مع الاستخبارات الأمريكية بحكم كونه همزة وصل بين السعوديين والأفغان المجاهدين، وكان على علم بسفر الشباب المصرى للجهاد هناك، وهم الشباب الذين حاكمهم مبارك بعد نهاية الحرب ضد السوفيينت وعادوا لينضموا إلى فصائل عسكرية للجماعات المسلحة.. كان تنظيم العائدين من أفغانستان هو فى الأساس أحد صنائع مبارك فى أفغانستان.

مبارك إذن لم يكن هو الرئيس الخالى من الخبرات، لكنه أيضًا كان يجيد لعب دور الموظف، مع الرئيس السادات أو بعده، حيث بدأ حكمه بفترة جس نبض، حرص خلالها على أن يستمع لكل الأطراف، مع الاحتفاظ برأيه، وقراره، دون الأخذ فى الاعتبار أى عناصر أخرى.

حاول مبارك فى بدايات حكمه أن يبدو رافضا للنفاق، والتهانى التى تنشر فى الصحف، وأعلن فى أكثر من مكان أنه ضد إنفاق المال العام على التهانى. وبالفعل أصدر توجيهات بعدم نشر إعلانات التهانى، وإن كانت الإعلانات لم تتوقف أبدا فى الصحف.. ومع هذا فقد ظلت صورة مبارك باهتة طوال السنوات الأولى لحكمه، بالرغم من محاولات الحزب الوطنى وقيادات النظام تلميعه حتى يمكن أن تستقر لهم الأحوال.. ولم يقبل مبارك خلال الشهور الأولى من حكمه دعاوى قيادات الحزب الوطنى بقبول رئاسة الحزب الوطنى، وكانت هذه هى مطالب المعارضة التى كانت متركزة فى حزب التجمع وجريدته الأهالى، وأيضًا جريدة الشعب التى يصدرها حزب العمل الاشتراكى برئاسة المهندس إبراهيم شكرى. مبارك أنه أخرج خصوم السادات من السجون واستقبلهم فى منزله ووعد بمزيد من الإجراءات التى تسهل ممارسة العمل السياسى.

 

فى أول أيام يناير 1982 خرجت الصحف القومية تحمل خطابًا للرئيس حسنى مبارك عن عام 1982 كان يشير إلى طريقته فى الحكم، والتى لم تتغير كثيرا طوال ثلاثين عامًا، أنه لايفضل التغيير إلا فى الأمور الأمنية، كما أنه لم يفكر فى تغيير السياسات التى اتبعها السادات من الانفتاح الاقتصادى أو طريقة اتخاذ القرار.. قال مبارك فى خطاب أول عام 1982 مجلس الشعب باق إلى أن يتم مدته الدستورية، ولا أرى داعيا إطلاقا لانتخابات جديدة"، كان مبارك يرد على مطالب بإجراء تغييرات جذرية فى القواعد الحزبية للحزب الوطنى ومجلسى الشعب والشورى، لكن مبارك استند إلى فكرة الحالة الأمنية وأراد أن يطمئن قيادات الحزب الوطنى وأعضاء مجلسى الشعب والشورى والحكومة.

بل إنه ظل رئيسًا لأول حكومة خلفا للرئيس السادات الذى ترأس الحكومة من مايو إلى أكتوبر 1981، ولم يغير منها سوى وزير الداخلية النبوى إسماعيل، الذى فشل فى توقع هجمات المنصة، أو خريطة تنظيم الجهاد وماهية الهجمات، وما إذا كانت هناك تنظيمات أخرى يمكن أن تمثل خطرا على النظام. مبارك لم يفكر فى الاستغناء عن النبوى إسماعيل تماما لكن عينه وزيرا للحكم المحلي، وهو المنصب الذى ظل طوال حكم مبارك ثلاجة لركن وزراء الداخلية الذين يتم التخلص منهم.

كانت وزارة الداخلية هى الوزارة التى شهدت أكبر عمليات تغيير، لأن الأمن كان هو نقطة الارتكاز الرئيسية لحسنى مبارك طوال فترة حكمه التى استمرت على عكس التوقعات طوال ثلاثين عاما.. وفى اليوم الثانى من يناير اختار الدكتور فؤاد محيى الدين رئيسًا للوزراء، وكان نائبا لرئيس الوزراء، ووزيرا للصحة، كان تولى منصب محافظ الشرقية والإسكندرية والجيزة ووزير الحكم المحلى ووزير الصحة ونائب رئيس الوزراء.

وكان فؤاد محيى الدين من السياسيين الذين صعدوا فى عالم السياسة من أيام الاتحاد الاشتراكى واتحادات الطلاب، وهو هو أول وآخر رئيس وزراء يأتى من باب السياسة فى عهد مبارك الطويل، تولى فؤاد محيى الدين موقع أمين عام الحزب الوطنى ولعب دورا فى إقناع مبارك بقبول رئاسة الحزب الوطنى، بالرغم من مطالبات المعارضة بإبعاد نفسه عن الحزب.. وفى 26 فبراير 1982 قبل مبارك رئاسة الحزب الوطنى، رافضًا مطالب المعارضة بأن يظل الرئيس مستقلا، خاصة أن الحزب الوطنى كان خليطا من الاتحاد الاشتراكى ورجال السادات وكل من يمتلك طموحا نحو السلطة.. كان قبول مبارك لرئاسة الحزب الوطنى، مؤشرا على أنه قرر الاستناد إلى كل أدوات النظام فى تقوية نفوذه وفرض سيطرته على العمل التنفيذى والسياسى.. وبدأت رحلة انتزاع صلاحية الأحزاب وإضعافها وإنهاكها بتدخلات أمن الدولة وقدرات كل من يوسف والى وصفوت الشريف.. وكلاهما لمع نجمه مع حسنى مبارك وانطفأ معه.. ولعبا دورًا فى استئناس المعارضة وإفقادها كل معنى وزرع الانشقاقات والعملاء داخلها.

30 عاما فى 30 يوما.. كيف حكم مبارك مصر.. عام فتحى رضوان

كيف تقبل مبارك تركة السادات من الأحزاب الغاضبة

السادات رحل فى حالة قطيعة مع المعارضة الدينية والأحزاب وورث مبارك تركة حزبية ناقصة

بدأ عهده بمحاولة التصالح مع الأحزاب دون أن يتخلى عن الحزب الوطنى بقيادات الاتحاد الاشتراكى

فتح هامشا لحرية التعبير لم يتسع ليصبح واقعا حقيقيا فلم يشهد عهده أى تداول للسلطة

كان مبارك فى مرحلة استكشاف جديدة للسياسيين والحزبيين، ولم يكن هو الرئيس الخالى من الخبرات، لكنه أيضا كان يجيد لعب دور الموظف، مع الرئيس السادات أو بعده، حيث بدأ حكمه بفترة جس نبض، حرص خلالها على أن يستمع لكل الأطراف، عين فؤاد محيى الدين رئيسا للوزراء وفى 26 فبراير 1982 قبل مبارك رئاسة الحزب الوطنى، رافضا مطالب المعارضة بأن يظل الرئيس مستقلا، وبدا لعبة استئناس المعارضة وافقادها كل معنى.

ورث حسنى مبارك تركة سياسية وحزبية مرتبكة من السادات، الذى رحل وهو فى حالة قطيعة وصدام مع كل اتجاهات المعارضة من اليمين واليسار، وكان حسنى مبارك هو نائب الرئيس، وأيضا أمين عام الحزب الوطنى الديمقراطية برئاسة السادات.. وخلال عامه الأول فى الحكم لم يقاوم إغراءات الانضمام للحزب الوطنى وخلال الشهر الأول من عام 1982 قبل رئاسة الحزب وتولى الدكتور فؤاد محيى الدين رئاسة الحكومة ومنصب الأمين العام للحزب الوطنى.

كان الحزب الوطنى هو نفسه الصفوف الأولى من الاتحاد الاشتراكى الذين احتلوا مكان قيادات الصف الأول، وبقوا يعملون بنفس الآليات.. بل إن الوزراء والقادة السياسيين كلهم خرجوا من التنظيم الطليعى ومنظمة الشباب، وهو ما وضحه عبدالغفار شكر فى دراسته عن المنظمة التى فرخت كل القيادات السياسية حتى التسعينيا.

السادات حاول وضع أسس اقتصاد السوق، لكنه أبقى على النظام السياسى والبيروقراطى.. فتحول الانفتاح الاقتصادى إلى مجال للاستيراد العشوائى، وتعرضت الزراعة والخدمات والبنية الأساسية لاختلالات، وانتهى عصر السادات والاقتصاد يعانى الارتباك، وكان معدل النمو مرتفعًا بسبب تحويلات العاملين فى الخارج وقناة السويس، كما يقول الدكتور جلال أمين فى دراسته عن مبارك والسادات.

السادات واجه معارضة شرسة وصلت ذروتها فى مظاهرات 18 و19 يناير 1977، بعد محاولة رفع الأسعار الخبز والسلع الأساسية جزئيًا وتراجع السادات عن القرارات، لكنه حمل غصة من انتفاضة الحرامية، كما وصفها، بينما وصفها المعارضون بأنها انتفاضة شعبية.. أما القرار الأخطر فى عهد السادات، هو زيارة إسرائيل وعقد اتفاقية كامب ديفيد برعاية أمريكية، وكان أحد أصعب القرارات فى تاريخ مصر الحديث، أربك خصوم السادات وحلفاءه، وغير من جغرافيا المنطقة وتاريخها.. واجه السادات معارضة شرسة فى الداخل، وقطيعة مع الدول العربية مثل سوريا والسعودية والكويت والفلسطينيين، وتشكلت جبهة الرفض التى أقلقت السادات وشنت عليه حربًا إعلامية.

كان الرئيس أنور السادات بعد حرب أكتوبر وبداية الانفتاح الاقتصادى قرر إتاحة الفرصة لظهور تعددية حزبية لكن كانت لديه تصورات عن التعددية والأحزاب، قسم التنظيم السياسى الواحد الاتحاد الاشتراكى إلى أجنحة 1976، المنابر الثلاثة اليمين واليسار والوسط، تحولت بعد ذلك فى عام 77 إلى حزب مصر ممثلا للوسط، والأحرار لليمين، والتجمع لليسار، ثم الوفد بعد ذلك.. وفى عام 1978 قرر الرئيس النزول للشارع السياسى، وتشكيل الحزب الوطنى الديمقراطى، الذى هرول إليه كل أعضاء حزب مصر.. وظهر فى نفس العام حزب العمل الاشتراكى برئاسة المهندس إبراهيم شكرى.. وزير الزراعة السابق، وتصور السادات أن الحزب سيسانده، لكن شكرى انضم للمعارضة، وظل السادات يعايره « لما رفض أى نائب يوقع مع حزب العمل لما كان هناك اشتراط فى قانون الأحزاب أنه يكون فيه 20 نائبًا علشان الجدية.. ما حدش رضى يوقع، والله خدت زى ما أنتم عارفين خدت نواب الحزب الوطنى كله ورحت وقعت لقيام المعارضة، فى الانتخابات الماضية، رئيس حزب العمل جانى فى السويس واتفق معى على 30 كرسى اللى خدهم، وده مش عيب، أنتم عارفين الأحزاب وفى العمل الحزبى بتقعد الأحزاب وتتفق مع بعضها، وفعلاً قعدنا اتفقنا وخد 30 كرسى.. وكان عايز يعمل إن المعارضة مش مستأنسة فشط خالص.. طيب كان ليه».

الرئيس السادات للأحزاب كان متشابكا، فهكان يريد بناء الحزب الوطنى على طريقة الإخوان، وأيضا على طريقة دوار العمدة فى القرى.. وحسب موسى صبرى، كان «ينصح ممدوح سالم أن يبنى تنظيمات الحزب بمثل أسلوب الإخوان المسلمين وحسن البنا.. ومن جهة أخرى مؤمنًا بجلسة الدوار أو المصطبة وكان يريد لمقر الحزب أن يكون «قعدة» مستمرة فى كل مدينة وكل قرية يتعارف فيها الأعضاء ويتبادلون الحديث عن المشكلات ويستقبلون أعضاء الحزب.. وخاب أمله فى حزب مصر، أولا ثم فى الحزب الوطنى، الذى حاول قبل عام من رحيله أن ينشطه، واختار منصور حسن لإقامة ما يشبه لجنة السياسات، ويضم لها عناصر من خارج الحزب، لكن سرعان ما اصطدم منصور حسن بأمين عام الحزب ونائب الرئيس، وخرج فى تعديل مفاجئ واختفى من الساحة السياسية.

سياسيا كما قال موسى صبرى، شعر السادات بخيبة أمل فى الماركسيين الذين أراد لهم حزبا شرعيًا، وكان لا يشك فى صلة بينهم وبين تنظيماتهم السرية، «أنا قلت إنه الحياة الحزبية تبقى لجميع الشعب كله، حول أهداف واحدة واضحة، وعلى أهداف قومية ترتضيها الجماهير واختلاف نزيه شريف حول السبيل الأمثل لتحقيق هذه الأهداف.. يبقى خلاف فكر وأسلوب وبرنامج.. مش عملية تشكيك والبذاءة والتطاول وتشكيك الشعب فى كل شىء، وعلينا أن نحاول أن نصحح تجربة المعارضة، لكن ليس معنى هذا أبداً، زى ما شفتم فى مؤتمركم وزى ما قال أمين عام الحزب النائب حسنى، لا عودة فى الديمقراطية».. وبدأ الرئيس السادات يتحدث عن «الديمقراطية عندما تكون أكثر شراسة من الديكتاتورية، ونفس الأمر مع جماعة الإخوان والجماعات الإسلامية، التى ساعد فى ظهورها، وهاجمته فى مجلة الدعوة والاعتصام، بل بدأت الجماعات الإسلامية تصادر العمل الثقافى والفنى.. ومنع الحفلات، وفى خطابه الأخير بدا الرئيس السادات ضائقا بالمعارضة، وبحلفائه فى الإخوان المسلمين و«أبنائه» أعضاء الجماعات الإسلامية، كانت منابر المساجد تهاجم الرئيس السادات، ووقعت أحداث الفتنة الطائفية، فى الزاوية الحمراء.. لم ير أنه كان سببا فيها.. بالرغم من أنه هو من فتح الباب للإخوان والجماعات فى الجامعة لمواجهة اليسار، لكن وجد السادات نفسه فى مواجهة الجميع.. فى خطاباته التى ألقاها خلال شهر واحد بعد حملة سبتمبر هاجم محمد حسنين هيكل، بسبب حملته فى الصحف الأجنبية، واتهمه بأنه كان يريد فرض رأيه عليه، ولهذا أقصاه من رئاسة تحرير الأهرام وأنه لم يكف عن الانتقام بتحريض أصدقائه من الصحافة الأجنبية ومنهم ديفيد هيرست.. كما هاجم السادات فؤاد سراج الدين وأسماه «لويس السادس عشر». واتهمه بأنه يهاجمه، بالرغم من أنه رفع عنه الحراسة وأعطاه أمواله.. وكان حزب الوفد أعلن تجميد نشاطه.

رحل السادات وهو خائب الأمل، تصور أن المعارضة ستعمل تحت جناحه، وتدين له بالفضل، وحلفاءه من الإسلاميين هاجموه، وانتهى الأمر باغتياله على أيدى جماعة الجهاد التى كانت ضمن جماعات أطلقها لمواجهة وموازنة اليسار، وهو الذى تحدث عن دولة العلم والإيمان، ووضع المادة الثانية من الدستور معتبرا الشريعة الإسلامية هى أساس التشريع، وانتهى الأمر بعداء من الإسلاميين للسادات، عندما قال «لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين». اعتبروه مارقا وقتلوه. فراح ضحية لحلفائه، الذين قالوا إنهم تأثروا بهجوم المعارضة عليه من اليساريين والناصريين.. رحل السادات غاضبًا من المعارضة مغضوبا عليه منها.

وورث حسنى مبارك هذه التركة وكانت فرصته لكسب المعارضة والأحزاب والتعامل معها كما كان عليه أن يستعيد علاقات مصر مع الدول العربية، كان لديه بنيان سياسى مرتبك لكن من الممكن إصلاحه.

وانتهى عهد السادات بتصادم أغلقت على إثره صحف الأحزاب مثل الشعب والأهالى لكن حسنى مبارك أعادها فى بداية حكمه.. بدأ بمحاولات للمصالحة مع المعارضة، واستقبل فى قصر الجمهورى قيادات المعارضة والكتاب والمثقفين والسياسيين الذين كانوا اعتقلوا فى حملة سبتمبر، فقد التقى فؤاد سراج الدين ومحمد حسنين هيكل ومحمد حلمى مراد وغيرهم من المعارضين الغاضبين من بين من استقبلهم فتحى رضوان المفكر المصرى الكبير تنبأ بهذه النهاية التراجيدية بعد مقابلة دامت ساعتين مع حسنى مبارك فى قصر العروبة بعد شهر واحد من توليه السلطة فى مصر.. مبارك أصدر قرارًا فى نوفمبر 1981 بالإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين وضعهم الرئيس الأسبق أنور السادات خلف القضبان فى 5 سبتمبر من نفس العام، استقبلهم فى القصر الجمهورى ومنهم فتحى رضوان، وكان سياسيًا مخضرمًا، سجن فى عهد الملك فاروق كان من مؤسسى الحزب الوطنى الجديد فى الأربعينيات لاستعادة حزب مصطفى كامل وخرج من السجن بعد ثورة يوليو ليتولى وزارة الإرشاد القومى وكان عبد الناصر يكن له احترامًا كبيرًا ولعب دورًا مهمًا فى تقديم معلومات عن خطط البريطانيين فى قناة السويس قبل التأميم. فتحى رضوان كان من بين السياسيين والمثقفين الذين اعتقلوا فى حملة سبتمبر، وخرجوا للقاء مبارك فى نوفمبر 1981، خرج رضوان من المقابلة وعندما سأله تلاميذه عن المقابلة مع مبارك قال فتحى رشوان إنه غير متفائل بمستقبل مصر ووصف مبارك بأن دماغه فاضية جداً.. وحكى أن الرئيس كان يسألهم عن «آخر نكتة» أكثر مما يسألهم فى السياسة وأحوال البلد، وربما بدا فتحى رضوان متشائما، خاصة أن كثيرين كانوا يصفون مبارك بأنه رجل دوغرى وهادئ وأنه يسعى لفتح صفحة جديدة، ظل فتحى رضوان فى المعارضة حتى رحيله، وانضم إلى جريدة الشعب كاتبا، كما شارك فى مؤتمرات حزبية راجت فى السنوات الأولى لحكم مبارك.. لكنها لم تتجاوز هامش حرية التعبير فى الصحف الحزبية مثل الشعب التى كان يصدرها حزب العمل الاشتراكى بقيادة المهندس إبراهيم شكرى، وجريدة الأهالى التى كان يصدرها حزب التجمع التقدمى الوحدوى، الذى كان يجمع تيارات اليسار المختلفة من ماركسيين وناصريين.. بدأت تنشر تقارير عن الفساد فى عهد السادات وتطالب بتغيير جذرى لنظام الحكم الأبوى الذى أقامه السادات.. وكانت بدايات تفكير مبارك فى الحديث عن الإصلاح الاقتصادى، وبدا مبارك بحماس، لكنه أبقى على المؤسسات كما هى.

30 عاماً فى 30 يوماً.. كيف حكم مبارك مصر.. عام عصمت السادات

مبارك كان يرفض التغيير أو المجازفة، واعتبر نفسه رجل الاستقرار.. اكتشف استراتيجية إضعاف خصومه حتى لايكون لهم أى فاعلية

رفض أى تغيير فى الوجوه أو السياسات وبدأ عصره بمحاكمات لعائلة السادات ورجاله فى الحزب واحتفظ بالبنيان السياسى

ورث حسنى مبارك تركة سياسية وحزبية مرتبكة من السادات، الذى رحل وهو فى حالة قطيعة وصدام مع كل اتجاهات المعارضة من اليمين واليسار، وكان حسنى مبارك هو نائب الرئيس، وأيضا أمين عام الحزب الوطنى وبعد توليه الرئاسة بدأ بتوسيع هامش الحريات السياسية والإعلامية، لكنه ظل هامشاً لم يتسع ليصبح متناً حقيقياً للسياسة، كما أنه بدأ فى طريقة لانتزاع أى فاعلية من الحياة السياسية.

لم يكن مبارك مجازفاً مثلما كان السادات أو عبد الناصر، وكان يرى أن المجازفة لها أضرارها، وفضل طوال الوقت أن يعتبر نفسه رجل الاستقرار، والتهدئة، بل إنه كثيرا ما كان يعتبر نفسه أحد كبار حكماء المنطقة على اعتبار أنه لم يتخذ موقفا واضحا من أى قضية، لكنه ظل على هذه الطريقة حتى تمكن من أن يجمع بين يديه كل الأوراق والمفاتيح ويهمش مؤسسات الدولة ويجعلها بلا فاعلية. بل إن الحزب الوطنى فى عهد مبارك، افتقد أى نوع من المبادرات السياسية الحقيقية، وظل مجرد ظل باهت للرئيس ولابنه فى السنوات الأخيرة.

مبارك منذ البداية لم يبد أنه يمتلك مشروعا سياسيا، وقد عبر عن هذا كثيرا فى أحاديث قال فيها إنه كان يحلم بأن يكون دبلوماسيا أو سفيرا فى أوروبا أو يرأس شركة مثل مصر للطيران، وبعقلية الموظف لم يفكر فى إنتاج أو تبنى مشروع، وكما وصفه أحد المحللين فإن مبارك "استراتيجى يجرى حسابات عن طريق تهيئة المناخ لأى معركة سياسية، وبدلا من أن يأخذ معارضيه على حين غرة، فهو يضعفهم عن طريق احتفاظه باليد العليا ضدهم"، وهذا أمر يبدو صحيحا فى تعامل حسنى مبارك مع المعارضة، ومع الكثير ممن كان يمكن تصنيفهم على أنهم خصومه، فقد ظل يملك مفاتيح الحياة الحزبية عن طريق الأمن ولجنة الأحزاب، حتى أوصل الأحزاب إلى طريق مسدود.

وأمام مطالب المعارضة بإجراء تغيير، أصرّ على أنه لا يجرى تغييرات فى الوجوه، والشخصيات، التى تركها السادات، وأكد احتفاظه بالقيادات التى تركها السادات قبل أن يرأس الحزب الوطنى ليواصل عمله بمؤسسات السادات، خاصة أنه لم يقابل أى مقاومة من النظام لحكمه. ورد فى أول خطاباته فى عامه الأول 82 على من يطالبون بالتغيير قائلا، "لا أطلب من الأحزاب السياسية السكوت ولكن تفهما مشتركا للمصلحة العليا لمصر"، كما أعلن عدم التغيير وقال، "أنشد الاستقرار ولكن التغيير سيتم كلما اقتضته الظروف وبعد دراسته جيدا"، كانت هذه هى السياسة التى اتبعها فقد تسلم حسنى مبارك الحكم مستقرا مع مشكلات اقتصادية وأزمات مالية بدأ فى البداية بالدعوة لعقد مؤتمر اقتصادى فى فبراير 1982.

 

كان مبارك فى أول خطاب له قد أعلن "لن أقطع على نفسى عهدا لا أستطيع تنفيذه، ولن أخفى الحقيقة عن الشعب، ولن أتهاون مع الفساد والفوضى وانتهاك القانون".

بدأ مبارك عهده بمحاولة إرضاء كل التيارات، والأحزاب السياسية، التى كانت تصادمت مع السادات وحرص على الاحتفال فى العام الأول لحكمه بثورة 15 مايو وثورة يوليو وقدم فيها تحية للسادات وأيضا لعبد الناصر. وفى خطابه احتفالا بثورة التصحيح التى قادها السادات قال "إن العمل الكبير الذى قاده الرئيس الراحل محمد أنور السادات فى مثل هذا اليوم سنه 1971 هو حدث تاريخى له دلالته وانعكاساته العميقة. ليس لأنه كان تعزيزا للمسيرة الثورية التى قادها جمال عبد الناصر فى 23 يوليو 52 بل أيضا لأننا نستمد منه الدرس والعبرة"، ولما جاء موعد الاحتفال بثورة يوليو ألقى خطابا أكد فيه دور جمال عبد الناصر وكأنه كان يريد أن يبدو غير منحاز للسادات فقال فى خطابه فى الذكرى الثلاثين لثورة 32 يوليو 1952: "إن الثورة التى قادها ابن مصر العظيم جمال عبد الناصر كانت تجربة فريدة كتب بها الشعب المصرى صفحة جديدة فى سجل الكفاح الإنسانى وأثبت قدرته الفائقة على العطاء المستمر والتجديد الخلاق والإبداع المستنير" واعتبر أن من ميزات ثورة يوليو أنها سلمية لم ترق فيها دماء".

كان مبارك يبدو حريصا على منح كل تيار ما يريده، ولم يكن هو الشخص الغبى الذى حاول أن يقدم نفسه فيه فى البداية، وحرص على أن يبقى على كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للرئيس السادات ولم يبد أنه لديه الرغبة فى إحداث تغيير كبير أو انقلاب على ما كان متبعا من سياسات، وأعلن فى خطابه أمام مؤتمر الحزب الوطنى استمرار سياسة الانفتاح الاقتصادى مع النية فى دعمها وتعزيزها.. بالرغم من أن الانفتاح الاقتصادى كان أحد أكثر السياسات التى واجهت انتقادات من الاقتصاديين ووصفه بعض رجال السادات بأنه "انفتاح السداح مداح". وتمسك بسياسة العصا والجزرة مع الأحزاب. وقرر انتزاع نشاطها الذى بدا صاخبا فى أيام السادات الأخيرة

كان مبارك فى أول خطاب له قد أعلن "لن أقطع على نفسى عهدا لا أستطيع تنفيذه، ولن أخفى الحقيقة عن الشعب ولن أتهاون مع الفساد والفوضى وانتهاك القانون".. وبالفعل بدأ مبارك بإجراءات تجاه بعض المقربين من السادات ومن اتهموا بأنهم جمعوا ثرواتهم عبر صلاتهم السياسية، حيث بدأت التحقيقات مع عصمت السادات وأبنائه بتهم الفساد المالى والتربح والاتجار غير المشروع، وكانت محاكمة عصمت السادات ورشاد عثمان القيادى بالحزب الوطنى وأحد حلفاء السادات الذين كان يثق بهم، وتفجرت قضية توفيق عبد الحى رجل الأعمال الذى اتهم عام 1982 باستيراد 426 طنا من الفراخ الفاسدة وبيعها للمصريين وقضايا قروض بدون ضمانات، وعندما استدعته النيابة اكتشفت هروبه إلى سويسرا.

وكان توفيق على صلة بعثمان أحمد عثمان صديق الرئيس أنور السادات وأحد أعمدة نظامه وصدرت أحكام غيابية على توفيق عبد الحى تم نقضها بعد سنوات، وتفجرت قضية توفيق عبد الحى بالتزامن مع تفجر عدد من قضايا الفساد والمحاكمات لرجال مقربين من السادات.

مؤشرات قدمها مبارك على أنه سيبدأ عصرا جديدا، لكن المحاكمات لم تتسع لتشمل المتهمين بالفساد، كما أن العملية السياسية والاقتصادية سارت على نفس منوال الماضى، واشتهرت مقولة مبارك فى بدايات حكمه "الكفن مالوش جيوب"، من بين مقولات كثيرة سوف تعود لتظهر فى نهايات العهد لتكشف عن حجم التحولات فى حياة مبارك وأسرته وشكل الثروة وتوزيعها فى مصر خلال حكم مبارك.

فترة حكم مبارك شهدت تحولات دراماتيكية على مستوى العالم، وعلى المستوى الإقليمى والمحلى، كانت تتعلق بتحول السلطة نحو اتجاهات جماهيرية، شهد الواقع الإقليمى فى الشرق الأوسط حروبا مختلفة، بدءاً من اجتياح بيروت والحرب الأهلية اللبنانية عام 1982، وخروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت واختطاف سفن وطائرات، لكن مبارك بدا أمام كل هذا ثابتا وواصل تحركه كموظف لا يرى أى حاجة إلى تغيير روتينه اليومى، ولا تغيير جذرى فى السياسات المتبعة. وقال "سنستمر فى سياستنا بعدم معاداة أحد ومدنا أيدينا لكل من يريد أن يمد يده الينا". وأعلن مبارك أنه سيطبق الديمقراطية خطوة خطوة، وبالفعل بدأ بالإفراج عن المعتقلين، والسماح بصحافة تنتقد الحكومة والوزراء، لكنه لم يطور خطه نحو توسيع للديمقراطية بمعنى تداول السلطة أو تغيير النخب، واحتفظ بطواقم الوزراء ورؤساء مجالس التشريع والحكومة كما كانت، بل إنه احتفظ بكل الوزراء من عهد السادات وبعضهم بدأ معه واستمر فى السلطة حتى انهيار النظام بعد يناير.

صور مقترحه: عصمت السادات. رشاد عثمان توفيق عبد الحى ياسر عرفات

هناك تعليق واحد:


  1. الاتصال للحصول على قرض سريع وسريع.

    أقدم قرض آمن وغير مضمون بنسبة 3٪.

    استعارة مبلغ القرض من 2000 إلى 5000،000jd.

    اختيار مدة القرض من سنة واحدة إلى عشر سنوات.
    saheedmohammed17@gmail.com

    ردحذف