السبت، 21 يناير، 2012

مالم تعرفه عن الاخوان والغرب

مالم تعرفه عن الاخوان والغرب
العلاقات السرية لبريطانيا مع الإخوان المسلمين تعكس تواطؤها مع الإسلام المتشدد
منذ أن قامت الثورات العربية وتحديدا الثورة المصرية لم يهدأ الاعلام الغربي عن تتبع مستقبل تلك الشعوب ولم يتوقف عن رسم سيناريوهات له. وكثيرا ما كانت تلك التصورات تتخيل الجماعات الإسلامية في المنطقة كصانع أو علي الأقل شريك أساسي في مستقبل تلك الشعوب.
تصور تخشي الحكومات الغربية أن ينعكس عليها وعلي حلفائها في الشرق الأوسط بالأسوأ، ولكن هل هذا يعني أن الغرب لا يستطيع فعلا أن يتعامل مع هذه الجماعات أو تلك بحسب إدعائه أم أنه لن يعجز حيلة عن توفيق أوضاعه معهم.
من الواضح والجلي أن الغرب يعرف جيدا سبيله للتطبيع مع أي جماعة حتي لو كانت إسلامية راديكالية يثيرون بسببها قلق العالم بشأن أمنه واستقراره.
وعلي ما يبدو أن هذا ما خلص إليه كتاب (العلاقات السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام المتشدد) الذي صدر مؤخرا للباحث البريطاني مارك كيرتس الذي عمل باحثا بالمعهد الملكي للشئون الدولية وباحثا زائرا بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية وبالجمعية الألمانية للسياسة الخارجية.
ومديرا للحركة الإنمائية العالمية ولقسمي السياسة بمنظمتي (كريستيان إيد) و(أكشن إيد) كما يدير مكتبا مستقلا للاستشارات السياسية.
فقد جاءت حصيلة دراسة كيرتس التي امتدت لأربع سنوات لعشرات الآلاف من الوثائق التي رفعت عنها الحكومة البريطانية السرية والتي ترصد في عمومها علاقة بريطانيا مع الجماعات الأصولية حتي عام مضي كان من بينها تأمين بعضها خروجا آمنا لقواتها من البصرة.
وقبلها رعت لندن مؤتمرات جماعات معارضة لصدام حسين من بينها الإخوان ثم مؤتمرات جماعات معارضة لبشار الأسد وكان أهمها الإخوان. ولكن كان الأكثر إثارة للإهتمام ما كشفت عنه بعض تلك الوثائق السرية عن تمويل بريطانيا للإخوان المسلمين في مصر تحت رعاية مؤسسها في ذلك الوقت حسن البنا.
لذا كان من الصعب تجاهل الإحساس المتعاظم بالفضول للوقوف علي حقيقة تلك العلاقة لذا كان من الضروري استطلاع وجهة نظر مؤلف الكتاب وما توصل إليه من نتائج بناء علي تحليله لتلك الوثائق فكان هذا الحوار الذي تم معه عبر الهاتف.
- في البداية ماهي الأسباب التي جعلتك تفكر في البحث في طبيعة العلاقة بين بريطانيا والإخوان المسلمين؟
ربما كان السببان الرئيسيان اللذان كانا وراء اهتمامي هذا أنه لم يقم أحد من قبل بالبحث في هذه المسألة وعلي وجه الخصوص بالبحث في ملفات سرية للحكومة البريطانية ثانيا لأنه طالما حامت شكوك حول وجود اتفاقيات سرية بين بريطانيا والأخوان المسلمين والتي تعد جزءا مهما من علاقة بريطانيا بالجماعات الراديكالية الإسلامية في مختلف المناطق وبالتحديد الشرق الأوسط.
وبالفعل عند إطلاعي علي هذه الملفات تأكدت أن الإحتلال البريطاني بدأ بالفعل في تمويل الأخوان المسلمين عام 1942.
بحسب ما جاء في كتابك وبحسب الملفات المفرج عنها فإن الإخوان المسلمين كانوا يعملون تحت كنف الملك فاروق الذي كان مدعوما من الاحتلال البريطاني وأن القصر بدأ دعم الإخوان ماديا عام 1940 فهل هذا كان يعني أن الملك فاروق لم يعتبر الإخوان جماعة إسلامية متطرفه تهدف إلي الإطاحه بعرشه وهل هذا يعني أن الملك كان يعمل بشكل مستقل عن البريطانيين فيما يخص الإخوان المسلمين؟
علي العكس تماما ما فعله الملك فاروق كان القصد منه هو حماية عرشه فقد ظن أن أفضل وسيلة لحماية عرشه من تهديد الأخوان المسلمين في ذاك الوقت هو أن يجعلهم يعملون تحت كنفه لذا كانت فكرة شرائهم هي الطريقة المثلي وقتها والتي اعتقد أنه يمكن عن طريقها استئناس الإخوان. أما فيما يخص ما إذا كان الملك فاروق يتصرف بمعزل عن الإنجليز فإنني غير واثق من هذا حيث أن الملفات لم تشر بشكل صريح إلي هذا ولكن الملفات توضح أن الإنجليز والملك كانوا ينفذون استراتيجية واحدة فقد بدأ الإنجليز في تمويل الأخوان المسلمين بشكل مستتر عام 1942.
وجاء في الملفات السرية أن القصر يقوم بدفع دعم مالي للأخوان بشكل غير مباشر وخفي وهو ما تتطلب مساعدات مالية من السفارة البريطانية، وفي المقابل تقوم الحكومة المصرية بزرع بعض من عملائها الموثوق بهم في تنظيم الإخوان مهمتهم الإطلاع والوقوف علي أنشطة الإخوان، وإبلاغ السفارة البريطانية بتلك الأنشطة والمعلومات التي جمعها العملاء.
ومن جهة أخري سوف تطلع الحكومة المصرية علي المعلومات التي تحصل عليها من خلال مصادرها والهدف المشترك هو تفتيت الإخوان وإحداث انشقاق في صفوفهم.
ذكرت في كتابك أن بريطانيا تبنت استراتيجية "القتل بالإحسان" فما المقصود من تلك السياسة ولأي حد نجحت مع الإخوان المسلمين؟
إن هذه الاستراتيجية كانت عبارة عن إبداء الدعم والتعاطف مع الجماعة في العموم، وزيادة تمويل بعض الأجهزة بها في محاولة لشق صفوف المنظمة وهي السياسة التي تبناها القصر أيضا من أجل زرع بذور الخلاف بين حسن البنا وأحمد السكري الوكيل العام لجماعة الإخوان المسلمين وقتها حيث كانت بريطانيا تعتبره أكثر اعتدالا من البنا الذي اعتبرته أكثر راديكالية وأكثر شعبية فهي نسخة أخري من سياسة فرق تسد.
ولكن أليس صحيحا أن بريطانيا أدركت مع نشوب الحرب العالمية الثانية أن الإخوان المسلمين يعارضون سياستها الإمبريالية؟
في الواقع رغم أن بريطانيا كانت تقوم بتمويل الإخوان إلا أنها لم تعتبرهم حليفا استراتيجيا لها وأن التمويل كان مجرد تكتيك برجماتي ففي فترة الأربعينيات كانت بريطانيا تدعم النظام المصري بينما في فترة الخمسينيات خلال فترة حكم عبدالناصر كان الوضع مختلفا فقد اعتبرت بريطانيا أن الإخوان حليف تكتيكي يمكن استغلاله في الضغط علي النظام خلال المفاوضات بشأن وضع القاعدة العسكرية البريطانية وبعد ذلك كحليف قد يعمل علي إغتيال عبدالناصر.
وبالمثل استخدمت الإخوان في محاولة الإطاحة بالنظام في سوريا في الخمسينيات إلا أنها لم تنجح.
وللأسف لم تحتو تلك الملفات علي تفاصيل كثيرة عن تلك العمليات.
فبحسب معلوماتي وضعت بريطانيا خطة للإطاحة بالنظام القومي السوري وقتها واعتبرت أن الأخوان حليف تكتيكي يساعد في إحداث اضطرابات وتنفيذ مخططات في هذا الإطار وعلي الأقل تم إحباط مخططين.
فالوثائق السرية اوضحت رغبة بريطانيا في التعاون مع أو العمل مع الإخوان في سوريا طالما هذا يخدم مصلحتها.
بحسب ما ذكرت في كتابك أن بريطانيا كانت لديها علاقات قوية مع الإخوان والجماعات الإسلامية الأخري كبديل للنظم القائمة قد يحكم البلاد في أي لحظة.
إلي أي حد يمكن أن يكون هذا حقيقيا خلال فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك سواء بالنسبة للجهاد او الجماعة الاسلامية أو الأخوان؟
هذا يمكن أن يكون حقيقا إلي حد كبير فبريطانيا تري أن الأخوان المسلمين يمكن أن يخلفوا النظام الموجود في الحكم علي اعتبار أنهم قوة سياسية يمكن أن تؤثر علي طبيعة النظام في الفترة التي تلي حكم مبارك وبالتالي أعتقد ان بريطانيا ستكون راغبة جدا في أن تحظي بعلاقات طيبة مع الأخوان حاليا.
مرة أخري هذا سيكون تطبيقا متوقعا للسياسة البريطانية البرجماتية التي مازالت تعتبر أن الاخوان حليف تكتيكي وليس استراتيجيا.
من وجهة نظرك ما هي الاستراتيجية التي تبنتها جماعة الأخوان منذ بدايتها عام 1928 إلي وقتنا هذا وهل تلك السياسات تغيرت مع إختلاف الزمن والمراحل؟
كان من الواضح أن موقف الأخوان اختلف وتباين من وقت لأخر وحتي طبيعة الإخوان كجماعة إختلفت.
فما بين الأربعينيات والخمسينيات كان ينظر للأخوان علي أنها جماعة راديكالية ذات جناح إرهابي يمني متطرف يقوم بإغتيالات وعمليات تفجيرية.
إلا أنه من الواضح أن الأخوان مختلفون الآن تماما فقد أصبح هدفها الأساسي إقامة دولة مصرية تدعم الحكم بالشريعة الإسلامية.
ولكن ما يلفت نظري أن مصر تتمتع بمجتمع معتدل إلي حد كبير هدفه إقامة دولة ديمقراطية كما ان المجتمع المصري يتسم بالثراء والتنوع الثقافي.
لذا أري أن هذه القوي الديمقراطية الليبرالية هي التي يجب أن تحظي بالدعم الأوروبي والأمريكي وليست القوي الدينية
- ما هو توقعك أو تنبؤك لمستقبل الأخوان المسلمين؟
إنني اتوقع أو أتنبأ أنه إذا لم تستطع الحكومة المصرية التي اعقبت حكم مبارك أن تدعم الديمقراطية كاملة وتسمح لكل الأحزاب ووجهات النظر والرؤي المختلفة بالتعبير عن أنفسهم بل علي العكس ستتعامل معهم كأعداء فمن المؤكد أن الإخوان ستحتفظ بدورها كأكبر قوة معارضه للنظام. وهنا فإن زيادة شعبية الإخوان جاءت كرد فعل للنظام القمعي السابق وهذا هو اعتراضي علي سياسة الغرب فبدعمهم للنظم الديكتاتورية في الشرق الأوسط مهدت الطريق لصعود القوي الإسلامية الراديكالية ناهيك عن تعاونها معهم في اوقات كثيرة.
يشهد العالم العربي حاليا تغيرا دراماتيكيا.
- ما هي توقعاتك للسياسة البريطانية والأمريكية تجاه المنطقة؟
لااعتقد أن الإهتمام البريطاني أو الأمريكي سينصب علي إرساء الديمقراطية في المنطقة أو حتي في السماح للشعوب العربية بتقرير مصيرها ومستقبلها.
علي العكس فإهتمامهما الأساسي سيظل في إطار إهتماماتهما الإستراتيجية مثل البترول والغاز وبالنسبة للولايات المتحدة تحديدا سيكون إهتمامها الاساسي قيام نظم أكثر مرونه مع إسرائيل وهو ليس اهتماما بريطانيا بالأساس إلا أنها تخشي الا تتبني موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل.
إذا الاهتمام الحقيقي سيكون وجود نظم تدعم وتؤيد الغرب حتي ولو كانت نظما سلطوية.
وهنا يجب الإشارة إلي أن الاعلام الغربي مخطئ تماما في تكرار وترديد ما يشيعه الزعماء الامريكيون والبريطانيون بأنهم يرغبون في دعم الديمقراطية.
فلا يوجد دليل علي رغبتهم الصادقة والأكيدة في دعم الانتخابات في أماكن مثل العراق وأفغانستان.
فعلي مدار عقود مضت عارضت الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل مستمر وجود نظم سياسية ممثلة للشعب في المنطقة وفضلت النظم السلطوية وهو ما يتضح جليا في الوقت الراهن فأكثر الحلفاء قربا إلي الغرب هي الدول الأكثر قمعا.
لقد ذكرت في كتابك مصطلح "لندنستان" ماذا كنت تعني به؟
أنني اصف بذلك المصطلح سياسة "لندنستان" القائمة علي السماح للندن بالعمل كقاعدة تنظيمية للإرهاب الجهادي في مختلف أرجاء العالم والتي ارتبطت بصورة وثيقة بالسعي لضمان تحقيق أهداف السياسة الخارجية البريطانية.
فبريطانيا سهلت إرسال متطوعين من المجاهدين للقتال في يوغوسلافيا وفي كوسوفو في عقد التسعينيات وأن الكثير من المجاهدين كانوا يتلقون تعليماتهم من مجموعة دربتها بريطانيا وزودتها بالأسلحة ومن ضمنها صواريخ مضادة للطائرات.
ومن بين مجموعة المجاهدين جلال الدين حقاني وزير الحدود في عهد حركة طالبان التي كانت تحكم أفغانستان قبل شن الولايات المتحدة وحلفائها الحرب عليهم في مطلع القرن الحالي وهو حاليا القائد العام لقوات حركة طالبان التي تواجه قوات التحالف في أفغانستان إضافة إلي قلب الدين حكمتيار الذي حصل علي مساعدات سرية هائلة وتدريب عسكري من بريطانيا في الثمانينيات وجري استقباله في لندن من قبل الحكومة البريطانية وتم تكليفه أيضا من جانب بريطانيا للقيام بعمليات سرية داخل الجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفييتي.
ولا اعتقد أن بريطانيا قد استوعبت الدرس جيدا من علاقاتها مع الجماعات الراديكالية من تبعات تورطها مع الجماعات الإسلامية الراديكالية فكانت أبرز تبعات تلك العلاقة تفجيرات لندن في 7 يوليو 2005 التي أسفرت عن مقتل 75 شخصا والتي كان اثنان من بين أربعة إنتحاريين قاموا بتنفيذها قدتلقيا تدريبهما في معسكرات تدريب في باكستان تابعة لحركة المجاهدين التي مولتها بريطانيا.
العلاقات السرية لبريطانيا مع الإخوان المسلمين تعكس تواطؤها مع الإسلام المتشدد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق