السبت، 21 يناير، 2012

الأقلّيات المسلمة في الغرب وتحديات الإغتيال الثقافي

الأقلّيات المسلمة في الغرب وتحديات الإغتيال الثقافي
تحليل ناجي هيكل
ما روي جنكينز
وزير الداخلية
البريطاني في عقد
الستينيات، وهو
سياسي وكاتب
متحضر مستنير
من حزب «العمال»،
هو من كتب وقتئذ قائلاً
في وصف سياسات الهجرة
البريطانية إنها «إنما وضعت
لإسعاد مجتمعات المهاجرين
الأجانب إلى بريطانيا،
ولضمان حسن تجاورهم
مع بعضهم بعضاً، ولكي تحافظ كل واحدة من هذه الجاليات المهاجرة على ثقافتها الخاصة، إلى جانب التمتع بهوية انتخابية بريطانية موحدة لها جميعاً».
لكن وعلى رغم إشراق هذه الفكرة وبريقها، إلا أن الذي تكشف هو أن تلك لم تكن هي حقيقة السياسات التي وصفها جنكينز. والحقيقة أن الجاليات المهاجرة في بريطانيا قد أنشأت كل واحدة منها العزلة العرقية الثقافية الخاص بها، بينما كظمت غيظها وغضبها على المجتمع البريطاني الذي تعيش فيه في معظم الأحيان. وعلى نقيض ذلك التصور لمصير المهاجرين تماماً، كتب إينوك باول وهو سياسي وكاتب بريطاني محافظ مخضرم آخر -ربما كان أكثر نبوغاً من جنكينز- قائلاً في عام 1968 «إنه سوف يكون من الخبل والجنون أن تعتمد بريطانيا خطة لاستقدام 50 ألفاً من العمال المهاجرين إليها سنوياً». وجاء في استقراءاته الصائبة لنتائج هذه الخطة أنها سوف تسفر عن بلوغ نسبة المهاجرين من إجمالي التعداد السكاني البريطاني بحلول عام 2000 رقماً يقارب 10 في المائة. يُشار هنا إلى أن النسبة التقريبية المعلنة لعدد المهاجرين الأجانب بين إجمالي السكان البريطانيين لعام 2001 هي 10 في المائة بالفعل. إلى ذلك يضاف القول إن إجمالي تعداد المهاجرين المسلمين في المجتمع نفسه، تبلغ نسبته 8‚2 في المائة.
ومن وجهة نظر باول، فإن واقعاً كهذا سوف يسفر حتماً عن نزاعات اجتماعية جامحة تتعذر إدارتها والسيطرة عليها. وسوف تكون هذه ظاهرة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ المجتمع البريطاني. ولم يكتف باول بهذا بل أشار إلى أزمنة الإمبراطورية الرومانية الدامية التي امتلأ فيها نهر التيبر برغوة هادرة من دماء البشر المتنازعين مع بعضهم بعضاً. وما أن قرأ اليمين البريطاني هذه الأفكار، حتى اتخذ منها ذريعة ومسوغاً للترويج لايديولوجية كراهية الأجانب.
وكان ذلك ما أسدل الستار بغتة على الحياة السياسية لباول. غير أنه لم يبدِ أدنى دهشة لهذه النهاية الخاطفة لعمله السياسي. فهو بصفته مفكراً وسياسياً كلاسيكياً، إنما يؤمن عميق الإيمان بأن من قدر السياسة أن تنتهي إلى مثل هذه الخواتيم الفاشلة الخائبة. بل إن من رأيه أن هذه هي سنة السياسة وطبيعة البشر أنفسهم. وكان أن فارق باول الحياة في عام 1998 دون أن يمتد به العمر ليشهد كيف سالت أنهر الدماء في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، مع العلم بأن تلك الدماء قد أريقت بعيداً وخارج الحدود البريطانية، وأنه لم تكن لها صلة تذكر بالهجرة أو المهاجرين.
وعلى أية حال، فقد عانى المهاجرون الأميركيون الأمرّين من بعبع الخوف الذي تلا تلك الهجمات. وكانت الهجمات ذاتها ما حفز رئيس الوزراء البريطاني توني بلير على الانضمام إلى صف حليفه جورج بوش، والوقوف إلى جانبه في دعوته القائلة بشن الحرب على الإرهابيين في عقر دارهم، مما يجنب أميركا وغيرها من الدول والديمقراطيات الغربية خوض تلك الحرب معهم في عقر دار الديمقراطيات المعنية. وكان أن ترتب عن ذلك الموقف، انضمام بريطانيا نفسها إلى قائمة الدول المستهدفة بالعمليات الإرهابية. فما أن شهدت هذه الأخيرة الهجمات الشهيرة على مترو أنفاق عاصمتها، حتى تلقت رسالة مفادها أنها إنما سعت إلى حتفها بظلفها، بإطلاقها مارد إرهابها الداخلي من قمقمه. على أن السمة الرئيسية للجهاديين البريطانيين هي أنهم كارهون لوطنهم البديل.
وعلى الرغم من أن التعددية الثقافية تظل هي السمة العامة لغالبية المواطنين البريطانيين، إلا أن احتدام وتصاعد التوترات خلال الآونة الأخيرة، إنما يشيران إلى ازدياد انفصال المسلمين المهاجرين عن الأغلبية. وقد عبر هذا الانفصال عن نفسه بصفة خاصة عبر ميل الكثير من المهاجرات المسلمات إلى ارتداء الحجاب.
يذكر هنا أن جاك سترو وزير الخارجية السابق كان قد احتج على انتشار هذه الظاهرة في وقت مبكر من أكتوبر الماضي، وطالب بعدم السماح لأية منقبة بمقابلته أو زيارته في مكتبه بصفته عضواً برلمانياً عن منطقة بلاكبيرن، حيث تتراوح نسبة المسلمين بين ناخبيه هناك بين 25 و30 في المائة. ووصف سترو النقاب بأنه يضع حاجزا سميكا بين البشر، ويحول دون تفاعلهم مع بعضهم بعضاً بسبب إخفائه للوجه كله عدا العينين. أما في تفسيره السياسي له، فقد وصفه بأنه بمثابة إعلان صريح عن انفصال النساء المسلمات عن المجتمع البريطاني.
وفي منطقة بريطانية أخرى جرى إيقاف مساعدة تدريس في إحدى المدارس عن عملها بسبب إصرارها على ارتداء الحجاب داخل الفصول وقاعات الدرس. وهذا ما دعا أحد كبار الشخصيات في حزب «المحافظين» إلى القول إن سلوكيات بعض المسلمين البريطانيين تظهر ميلاً واضحاً إلى ضرب من العزلة الطوعية الإرادية على الذات.
أما جوردون براون الذي ترجح خلافته لرئيس الوزراءالسابق توني بلير في منصبه، فجاء في تعليقه أنه سوف يكون خيراً لبريطانيا وأهلها، لو قل عدد النساء اللائي يرتدين الحجاب.
وبالنتيجة فقد عم في بريطانيا كلها جدل وخلاف مستعر حول ما بدا فضيحة مدوية ذات صلة بالتمييز ضد الآخر وبالكراهية الدينية. يجدر بالذكر هنا أنه كثيراً ما أشير إلى نموذج التعدد الثقافي البريطاني على أنه يمثل نمطاً فريداً ومتميزاً للتمازج والتعدد العرقي الثقافي الإيجابي، قياساً إلى التجربتين الفرنسية والأميركية في هذا الشأن، وهما تجربتان تقومان أساساً على الاستلاب السياسي والثقافي للأجانب والمهاجرين. وكانت آخر إحصائية سكانية أشارت إلى الدين في فرنسا في عام 1872، بحكم عدم شرعية مجرد الإشارة إلى المواطنين الفرنسيين على أساس انتمائهم
أما في أميركا فإن استلاب المهاجرين في الثقافة الغالبة ليس مهمة رسمية تضطلع بها الدولة وأجهزتها، وإنما يتحقق عبر التأثير العارم للثقافة الشعبية الغالبة، وتحت وطأة تأثير الرأي العام، فضلاً عن سطوة ماكينة الإعلام على المجتمع الأميركي بأسره.
بيد أن اكتشاف جهاديين بريطانيي النشأة والمولد، يعلنون رفضهم للقيم السائدة هناك، ويميلون إلى تعريف أنفسهم على أساس الانتماء الثقافي الديني وليس على أساس المواطنة، لاشك قد أحدث هزة عنيفة في أركان هذا المجتمع وأعمدته الأساسية التي قام عليها واستقر وهذه حرب علي الاسلام لاهواد فيها ؟؟:فقد
جاءت شريعة الإسلام حاكمة على حياة الناس في كل ظرف زماني ومكاني كانوا فيه، وفي كل الأحوال التي يكونون عليها، تطبيقا في ذلك لنص من نصوص الوحي، أو لاجتهاد من اجتهادات العقول وفق إرشادات الدين وتوجيهاته العامة، وعلى منهج للاجتهاد ضُبطت قواعده وأصوله في علم أصول الفقه ليكون هاديا للعقل في تحري مراد الله تعالى، المبين للناس على وجه التفصيل أو على وجه الهدي العام، إذ تعبد الله تعالى عباده بأن يتحروا مراده قدر طاقاتهم، وأن يخضعوا لذلك المراد في كل حياتهم.
وإذا كانت تعاليم الدين الحنيف قد تناولت بالبيان في شؤون الإنسان كل مناحي الحياة، فإنها لم تكن على سواء في ذلك التناول من حيث التفصيل والإجمال. فبعض تلك الشؤون فُصل البيان فيها تفصيلا، بينما أُجمل في شؤون أخرى إجمالا، صدروا في ذلك عن حكمة إلهية لعل من بعض وجوهها توافق التفصيل مع ما هو ثابت لا يتغير من وجوه الحياة، ومع ما هو خارج نطاق الاجتهاد العقلي في تحري المراد الإلهي مما يختص الوحي وحده ببيانه، وتوافق الإجمال مع ما هو متغير من أحوال الناس مما يحتاج إلى تدبير العقل في سبيل توفيق منقلبات أوضاعه إلى هدي الدين ومقاصده.
والناظر في عموم تعاليم الدين، وفي مبانيه الكلية ومقاصده العامة يجد أنه دين جاء لبناء المجتمع الإنساني وتدبير شؤونه كغاية عليا لكل تدبير جاء يتعلق بشؤون الفرد أو الفئة القليلة من الأفراد، وهو المغزى الذي انفرد به الإسلام من بين سائر الأديان، وكأنما هو مغزى مندرج ضمن الخاتمية التي أرادها الله تعالى لهذا الدين، فهي خاتمية كمال شامل بما في ذلك الكمال المتمثل في معالجة شؤون الإنسان مجتَمعا بعد معالجة شؤونه أفرادا وجماعات، وقد جاءت الدلالات على ذلك متواترة، ومنها على سبيل المثال تلك الصيغة في الخطاب الديني التي جاء بها موجها إلى جماعة الإنسان لا إلى أفراده، ومنها ذلك البعد الجماعي البين حتى في أخص مظاهر العلاقة بين الإنسان وربه من مثل الصلاة والصيام والحج، ولا غرو فإن الإسلام جاء يكلف الإنسان بمهمة الخلافة في الأرض، وهي مهمة لا ينهض بها إلا التدين الجماعي ويقصر عن أدائها مجرد التدين الفردي.
وبناء على هذا المغزى الديني القائم على المفهوم الجماعي للتدين جاءت تعاليم الدين بصفة عامة، وما يتعلق منها بوجوه التعامل بين الناس بصفة خاصة، متجهة ببيانها التفصيلي إلى مقتضى وجود جماعي للمتدينين يديرون فيه شؤون الحياة على أساس من تدينهم الجماعي، وذلك سواء فيما يشجر بين بعضهم وبعض من العلاقات، أو فيما يشجر بينهم وبين غيرهم ممن لا ينضوي تحت جماعتهم الدينية من الناس، ورتب كل ذلك على أساس أن سلطان الدين هو السلطان القيم الذي تنفذه ضمائر الأفراد فيما هو من خصائص الضمائر، والهيئة الجماعية متمثلة في الدولة فيما هو من خصائصها.
ومن المعلوم أن شؤون المسلمين لئن كان من المطلوب دينا أن تجري على هذا النحو من الوجود الجماعي الذي يخضع لسلطان الدين، فإنها قد تطوح بها الأقدار في واقع الحياة فتجري على أحوال غير تلك الأحوال، فإذا أفراد أو جماعات من المسلمين -تقل أعدادهم أو تكثر- يجدون أنفسهم في أوضاع يكونون فيها متدينين في خاصة أنفسهم أو في علاقات ضيقة تدار بينهم، ولكنهم في علاقاتهم الاجتماعية الواسعة والمتشعبة يكونون خاضعين لسلطان غير سلطان الدين، من أنظمة اجتماعية أو قانونية أو ثقافية ينخرطون فيها ويكون السلطان فيها لدين غير دينهم، وينفذه على مجموع من ينضوي تحته من لا يؤمنون بالإسلام ولا يطبقون شريعته بين الناس.
وقد كان حظ هذه الحال من أحوال الوجود الإسلامي التي قد تطوع إليها ظروف الزمان من التفصيل في بيانات الوحي أقل من حظ تلك الحال التي يكون فيها ذلك الوجود جاريا على سلطان الدين في شؤون الجماعة كلها؛ إذ جاء ما يتعلق به راجعا إلى تصرف الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة في ذلك الوضع مع المجتمع الذي انخرطوا فيه، والسلطان الذي انضووا تحته على قدر من الكلية والإجمال والهدي العام.
ولعل من حكمة الله تعالى في ذلك أن الوضع الذي يكون فيه للدين سلطان على الجماعة هو وضع منضبط ثابت مستقر، فناسبه البيان التفصيلي، وأما الوضع الذي يكون فيه الوجود الإسلامي خاضعا لسلطان غير سلطان الدين فإنه وضع متعددة صوره، متنوعة أحواله، مستجدة فصوله على غير انضباط، فناسبه إذن الهدي العام دون تفصيل ليكون للاجتهاد العقلي مجال في توفيقه إلى مراد الله تعالى على ضوء ذلك الهدي الديني العام.
وقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين في كل زمان أن يعالجوا الأحوال الطارئة في حياة المسلمين بالحلول الشرعية، وأن يوسعوا الاستنباط الفقهي بالنسبة لتلك الأحوال التي لا يكون فيها من نصوص الوحي تفصيل، مثل حال الأقليات التي أشرنا إليها، بل كان من دأبهم أن ينتقلوا بالنظر الفقهي من تشريع الأحكام التفصيلية في معالجة تلك الأحوال إلى تأسيس القواعد والأصول المنهجية التي توجه ذلك النظر وتكون له ميزانا هاديا يُتحرى به ما يريده الله تعالى من أحكام في ترشيد الحياة، وتلك مهمة أدى منها الاجتهاد الفقهي في شأن أوضاع الأقليات المسلمة التي أفرزتها التطورات الماضية للتاريخ ما تيسر له أن يؤدي، وهي اليوم في شأن الأقليات المسلمة ملقاة على عاتق النظار من الفقهاء والمجتهدين المعاصرين بأشد وأثقل مما كانت ملقاة على عاتق السابقين؛ وذلك لما حصل في هذا الشأن من تطور لم يكن له في السابق مثيل.
إن المسلمين اليوم يعيش شطر كبير منهم -لعله يناهز ثلث عددهم أو يزيد- في حال أقلية تخضع في حياتها الجماعية لسلطان غير سلطان الدين الإسلامي، وتنفذ فيها إرادة قانونية هي إرادة أكثرية غير مسلمة، وتلك أحد إفرازات العالم المتغير المتسارع التغير، الذي تقاربت أطرافه، وتداخلت شعوبه وأممه، وتمازجت ثقافاته وحضاراته، ولعل المشهد الأوربي في هذا الشأن يمثل أحد النماذج الأبرز للأقليات المسلمة.
يعيش في أوربا اليوم في هذا الوضع ما يقارب الستين مليونا من المسلمين، وإذا كانت أوربا هي قلب الحضارة الغربية ومركز الثقل فيها، وإذا كان هذا الوجود المعتبر للإسلام والمسلمين فيها يمثل المظهر الأبرز للقاء المتفاعل بين الإسلام والغرب في عالم متغير، فكيف لا يكون من الأهمية بمكان أن تتجه الهمم العلمية لاجتهاد تأصيلي فقهي يوفق هذا الوجود الإسلامي لما فيه الخير لجميع القاطنين بهذه القارة ومن وراءهم من بني الإنسان، بسطا لقيم الإسلام الخالدة، واستفادة من الكسب الحضاري الأوربي، فإذا هي علاقة بين الإسلام والغرب مؤصلة على أصول من الدين متينة، فتكون مثمرة للتعايش السلمي والتعارف الحضاري، عاصمة من الصراع وما يفرزه من المآسي التي شهدت منها العلاقة بين الطرفين مشاهد محبطة في الماضي، وتشهد اليوم منها مشاهد أخرى تنذر بالإحباط بأسباب لعل من أهمها الافتقار إلى تأصيل عقدي فقهي مرشد. إن هذا التأصيل هو الذي نعنيه في هذه الورقة بالتأصيل لفقه الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية.
فقه الأقليات: تحديد المفاهيم
لعله يكون من المتأكد -في هذا الصدد- أن نحدد المفاهيم التي سيدور عليها التحليل متمثلة بالأخص في مصطلح الأقليات وفقه الأقليات، فهي مصطلحات حديثة عهد بالتداول بين المهتمين بهذا الشأن، ولا يزال الحوار فيها قائما في سبيل الانتهاء فيها إلى مفاهيم بينة، بل في سبيل الانتهاء فيها إلى إقرار بمشروعيتها مبحثا علميا ذا خصوصية، فيتوارد عليها النظار والباحثون إذن على سواء في البسط والاحتجاج، ويتقدم العلم فيها درجات مثمرة لا ينقض بعضها بعضا.
لقد راج مصطلح الأقليات في عصرنا وأصبح له بعد سياسي واجتماعي وقانوني؛ وذلك لما حدث في الواقع من اختلاط بين الأمم والشعوب بفعل تفشي هجرة الأفراد والجماعات من بلد إلى بلد، ومن قارة إلى قارة، لتوفر مغرياتها وليسر أسبابها، فإذا المجتمعات الأصلية في كل قارة تنضم إليها جماعات مغايرة لها ممن هاجر إليها، فتشاركها الحياة في وجوهها المختلفة، وتحدث في تلك المشاركة وجوه من الاحتكاك تسفر عن وجوه من الاضطرابات التي تطلب لها حلولا اجتماعية وسياسية، فكان ذلك من أهم أسباب رواج مصطلح الأقليات، ثم مصطلح فقه الأقليات.
أ ـ مصطلح الأقليات المسلمة:
حينما يُطلق مصطلح الأقليات فإنه يُراد به -في الغالب- المجموعات البشرية التي تعيش في مجتمع تكون فيه أقلية من حيث العدد، وتكون مختصة من بين سائر أفراد المجتمع الآخرين ببعض الخصوصيات الجامعة بينها، كأن تكون أقلية عرقية، أو أقلية ثقافية، أو أقلية لغوية، أو أقلية دينية، وإذن فإن هذا المصطلح يشير إلى عنصرين في تحقق وصف الأقلية هما: القلة العددية لمجموعة ما تعيش في مجتمع أوسع، والتميز دون سائر ذلك المجتمع بخصوصيات أصلية في الثقافة أو في العرق[1].
وفي تحديد مصطلح الأقليات المسلمة المقصود في هذا المقام، ربما تعترض بعض المشكلات، فاللفظ بظاهره حينما يندرج في المصطلح العام للأقليات يكون دالا على مدلول عددي، ومدلول تميز ثقافي، فيصبح المعنى المقصود بالأقليات المسلمة تلك المجموعة من الناس التي تشترك في التدين بالإسلام، وتعيش أقلية في عددها ضمن مجتمع أغلبه لا يتدين بهذا الدين.
ومما يتوجه إلى هذا المصطلح من وجوه الاستفسار: هل تُعتبر من الأقليات المسلمة تلك الأقليات العددية التي قد تكون هي النافذة في مجتمع غير مسلم، بحيث يكون بيدها السلطان السياسي الذي تحقق به سيادة القانون الإسلامي على عموم المجتمع؟ وهل تُعتبر من الأقليات المسلمة تلك المجموعة المسلمة التي هي من حيث العدد أكثرية، ولكنها تعيش في مجتمع تكون فيه مجموعة أخرى غير مسلمة هي النافذة بحيث تسيطر على الحكم وتطبق من خلاله قانونا غير إسلامي على سائر المجتمع؟
إن الإجابة عن هذه المشكلات ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أيضا طبيعة الصفة الإسلامية في خصوصيتها من بين سائر الأديان؛ إذ إن المسلم لكي تتحقق صفته الإسلامية ينبغي أن يحكم الإسلام كل وجوه حياته الفردية والاجتماعية، وهو ما يجعل علاقة القانون العام الذي ينظم الحياة ميزانا أصليا في تحقق الصفة الإسلامية أو عدم تحققها، بينما غير المسلمين يمكن أن يتحققوا بصفة دينهم إذا ما تدينوا به في خاصة النفس مهما يكن القانون العام الذي يطبق عليهم.
إذا ما أضفنا هذا إلى ذاك أصبح مصطلح الأقليات المسلمة مصطلحا ذا خصوصية بين نظائره من المصطلحات الضابطة للأقليات؛ إذ يصبح القانون العام الذي يُطبق في المجتمع الذي توجد به الأقلية عنصرا مهما في تحديد مفهوم هذا المصطلح، فيكون إذن مصطلحا ينطبق على تلك المجموعة من المسلمين التي تعيش في مجتمع تُطبق فيه قوانين غير إسلامية من قِبل سلطات حاكمة غير إسلامية، أو تسود فيه لسبب أو لآخر ثقافة وأعراف وتقاليد غير إسلامية.
وعلى هذا الاعتبار يدخل في مفهوم الأقلية المسلمة تلك الأكثرية المسلمة في مجتمع يخضع لقانون وثقافة غير إسلامية إذا كانت تلك الأكثرية مغلوبة على أمرها في ذلك النمط من الحياة، ومن باب أولى أن يدخل فيه الأقلية الخاضعة لنظام غير إسلامي. وعلى هذا الاعتبار أيضا يخرج من مفهوم الأقلية المسلمة تلك الأقلية التي يكون لها نفوذ يسود به القانون الإسلامي والثقافة الإسلامية في المجتمع الذي تعيش فيه، كما يخرج منه أيضا المسلمون الأكثرية إذا كانوا يخضعون لحكم من قِبل أنفسهم، ولكن لا يُطبق فيهم القانون الإسلامي إن جزئيا أو كليا كما هي أوضاع الكثير من البلاد الإسلامية اليوم، إذ هذه الحال من عدم التطبيق الديني عليهم ليست متأتية من مغلوبيتهم لجماعة غير إسلامية، وإنما هي متأتية من جهل أو تقصير أو غير ذلك من الأسباب الذاتية.
ب ـ مصطلح فقه الأقليات:
لا يتجاوز عمر هذا المصطلح حسبما نعلم بضعة عقود، ولا يتجاوز شيوعه في الاستعمال عقدا أو عقدين. ولعل منشأه كان مرتبطا بالجالية الإسلامية بالبلاد الغربية، إذ لما تكاثرت هذه الجالية بأوربا وأمريكا، وبدأت حياتها تنتشر وعلاقاتها تتشعب، وبدأت تشعر بكيانها الجماعي ذي الخصوصية الدينية في مهجرها الذي يعيش فيه مجتمع غير إسلامي، وتسود فيه ثقافة وقوانين غير إسلامية، إذ ذاك بدأت تتوق إلى أن تنظم حياتها الفردية والجماعية على أساس من دينها، ولكن وجدت أن وجوها كثيرة من تلك الحياة لا يفي بتوفيقها إلى أحكام الدين ما هو متداول معروف من الفقه المعمول به في البلاد الإسلامية، إما لأنه لا يناسب أوضاعا مخالفة للأوضاع الموجودة بالبلاد الإسلامية، أو لأنه لا يغطي أوضاعا انفردت بها حياتهم بالمهجر، فأصبحت هناك ضرورة لفرع فقهي جديد يختص في معالجة حياة هذه الأقلية أُطلق عليه مصطلح فقه الأقليات.
وليس فقه الأقليات بمنعزل عن الفقه الإسلامي العام، ولا هو مستمد من مصادر غير مصادره، أو قائم على أصول غير أصوله، وإنما هو فرع من فروعه، يشاركه ذات المصادر والأصول، ولكنه ينبني على خصوصية وضع الأقليات، فيتجه إلى التخصص في معالجتها، في نطاق الفقه الإسلامي وقواعده، استفادة منه وبناء عليه، وتطويرا له فيما يتعلق بموضوعه، وذلك سواء من حيث ثمرات ذلك الفقه من الأحكام، أو من حيث الأصول والقواعد التي بُنيت عليها واستُنبطت بها.
فمن حيث ثمرات الفقه من الأحكام فإن فقه الأقليات ينبني جسمه الأكبر على تلك الثمرات؛ إذ القدر الأكبر منها متعلق بما هو ثابت تشترك فيه أوضاع المسلمين مهما تغايرت ظروفها في الزمان والمكان، ولكن مع ذلك فإنه يعمد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها، وينشطها ويحييها، لما يُرى فيها من مناسبة لبعض أوضاع الأقلية المسلمة تتحقق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيقة، أو عصبية مفوتة للمصلحة، ما دام كل ذلك مستندا إلى أصل في الدين معتبر.
ومن حيث الأصول والقواعد، يعمد هذا الفقه إلى استعمال القواعد الفقهية والمبادئ الأصولية ما يُرى منها أكثر فائدة في توفيق أحوال الأقلية إلى حكم الشرع، ويوجهها توجيها أوسع في سبيل تلك الغاية، وربما استروح من مقاصد الشريعة ما يستنبط به قواعد اجتهادية لم تكن معهودة في الفقه الموروث، فيدخلها في دائرة الاستخدام الاجتهادي في هذا الفقه، أو يعمد إلى قواعد كانت معلومة ولكن استعمالها ظل محدودا جدا، فينشط العمل بها في استخدام واسع تقتضيه طبيعة أوضاع الأقليات المسلمة، ليتحصل من ذلك كله فقه للأقليات ينبني على الفقه الإسلامي المأثور، ويتجه بخصوصية في هذا الشأن، يضيف بها فقها جديدا يكون كفيلا بمعالجة هذا الوضع الجديد[2].

فقه الأقليات في التراث الفقهي
لما نشأ الفقه الإسلامي وتوسع وتطور فإنه انبنى -في كل ذلك بوجه عام- على معالجة الحياة الواقعية للمسلمين، يروم تدبيرها في مستجداتها ومنقلبات أحوالها بأحكام الشريعة المنصوص عليها أو المستنبطة بالاجتهاد، فجاء في أنواع قضاياه ومستنبطات أحكامه، وفي منهجه وروحه العامة يعكس -إلى حد كبير- واقع الحياة الإسلامية فيما يطرأ عليها من الأطوار، وما تنقلب فيه من الأحوال، فيصوغ لكل تلك الأطوار والأحوال أحكاما شرعية من صريح النص أو من أصول الاجتهاد، ولم تكن الأحكام الافتراضية فيه إلا جارية على سبيل المران التعليمي، بل قد كانت منكرة عند بعض أئمة الفقه من كبار المجتهدين.
وواقع الوجود الإسلامي عند نشأة الفقه وطيلة فترة ازدهاره الحية بحركة الاجتهاد كان واقعا يقوم ذلك الوجود فيه على سلطان الدين الذي به تنتظم حركة العلاقات الاجتماعية كلها من تلقاء الأفراد والفئات فيما بينهم، ومن تلقاء الدولة التي تسوس الأمة سياسة شرعية، ولم يعرف ذلك الوجود جماعات واسعة من المسلمين تعيش في مجتمعات غير إسلامية يخضعون بها في علاقاتهم الاجتماعية العامة لسلطان غير سلطان دينهم، وقصارى ما كان يحصل في هذا الشأن وجود أفراد من المسلمين أو جماعات صغيرة منهم في مجتمعات غير إسلامية وجودا عارضا في الغالب بسبب ضرب في الأرض، أو إيمان بالدين ناشئ لم تتوسع دائرته ليصبح سلطانه غالبا، فلم يكن إذن ذلك الوجود للأقليات المسلمة ظاهرة بارزة ضمن الوجود الإسلامي العام.
وبسبب هذه المحدودية غير اللافتة للانتباه في ظاهرة الوجود الإسلامي الذي لا يخضع لسلطان الدين، مضافا إلى ذلك ما ذكرنا آنفا من أن البيان الديني في هذا الشأن كان بيانا جُمَليا عاما، فإن الاجتهاد الفقهي الذي كان يتصدى لحل مستجدات الواقع بأحكام الشريعة لم يتناول بشكل عميق موسع هذه الحال من أحوال الوجود الإسلامي بما هي ظاهرة غير ذات شأن بين في واقع المسلمين، وربما تناول قضايا جزئية محدودة منها، كانت تعرض للمجتهدين بين الحين والآخر فيصدرون فيها فتاوى وأحكاما في غير ما اهتمام شمولي عام بها كحالة من أحوال المسلمين ذات الوزن الواقعي المهم.
وربما طرأت في بعض مراحل التاريخ الإسلامي ظروف أصبحت فيها حال المسلمين الخاضعين لسلطان غير سلطان دينهم ظاهرة ذات شأن واقعي، وذلك مثل ما حصل للمسلمين عند سقوط الأندلس، ومثل ما كان من أمر المسلمين ببعض البلاد الآسيوية والأفريقية حينما تزايدت أعدادهم وتوسعت جماعاتهم مع بقائهم أقليات مسلمة في مجتمعات غير إسلامية تساس بسلطان غير سلطان الإسلام، ولكن هذه المراحل التاريخية التي أفرزت هذا الواقع الجديد للأقليات المسلمة وافت بالنسبة لمراحل تاريخ الفكر الفقهي مرحلة الضعف الاجتهادي والأيلولة إلى التقليد والجمود، فلم يكن هذا الفكر قادرا على أن يتناول هذه الظاهرة الجديدة بمعالجة فقهية أصلية شاملة، وظل في نطاق التقليد والجمود يردد المعالجات الجزئية الاجتهادية القديمة في طابعها الجزئي، أو يضيف إليها إضافات من الفتاوى ذات الطابع الجزئي أيضا.
وقد أسفر هذا الوضع المتعلق بوجود الأقليات المسلمة في طوريه مع اختلاف الأسباب بينهما عن أن المدونة الفقهية الإسلامية لم يكن لفقه الأقليات فيها بيان ثري يتناول في شمولٍ أحكام العلاقات الاجتماعية للمسلمين، وتصرفاتهم الاقتصادية، وسائر أحوال شؤونهم العامة فيما له صلة بالمجتمع غير المسلم الذي يعيشون فيه، والذي يسوسه سلطان غير سلطان دينهم يكونون هم خاضعين له كما يخضع له سائر المجتمع الذي يعيشون فيه، وإنما وجدت في هذه المدونة أحكام وفتاوى واجتهادات فقهية جزئية متفرقة في الغالب بين أبواب الفقه المختلفة، لا يجمعها جامع في باب موحد، ولا منهج شامل في النظر الفقهي.
وقد استصحب هذا الوضع في المدونة الفقهية بالنسبة لفقه الأقليات وضعا مشابها في مدونة أصول الفقه، إذ من المعلوم أن هذا العلم المنهجي قد نشأ متأخرا عن علم الفقه، وكان نشوؤه -في عمومه- استقراء من محررات الأحكام الفقهية، وليس وضعا ابتدائيا لقواعده المنهجية، فكان لهذا السبب متأثرا على نحو من الأنحاء بالمسار العام للفقه، وذلك فيما يتعلق بأحجام الاهتمام بقضايا الحياة الإسلامية، وشمول البيان فيها، وإن يكن هو من الناحية المنطقية الأصل الذي ينبني عليه الفقه، والذي يتوجه بتوجيهه.
ومن بين ما طاله استصحاب أصول الفقه لما جاء في المدونة الفقهية من شح في البيان المفصل ما يتعلق بالأقليات المسلمة الواقعة تحت سلطان غير إسلامي، فلئن كانت قواعد أصول الفقه وقوانينه وأحكامه ذات طابع منهجي عام، يشمل بالتقعيد المنهجي كل جزئيات الأحكام، ولا يختص ببعضها دون بعض، فإن توجه الأصولي الفقيه بكثافة وعناية إلى مجال من مجالات النظر الفقهي أكثر من توجهه إلى مجال آخر، من شأنه أن يؤثر في نظره الأصولي باستخراج قوانين وقواعد منهجية ذات علاقة أشد وأمتن بالمجال الفقهي الذي كان توجهه إليه أكثر كثافة وعناية، وبإنضاج تلك القوانين والقواعد بمحاكمتها التفصيلية التطبيقية إلى جزئيات الأحكام التي تنضوي تحت ذلك المجال.
ونتيجة لذلك فإن مدونة أصول الفقه -كما المدونة الفقهية- جاء فيها حظ التأصيل لفقه الأقليات من مجالات الحياة حينما يكون سلطان الدين سائدا، دون خصوصية لأوضاع الأقليات المسلمة التي تعيش تحت سلطان غير ذلك السلطان.

حظا ضعيفا بالنسبة لغيره من الاهتمامات الأصولية، فهذا المجال الفقهي لم يوجه إليه التأصيل باهتمام مقدر في تقرير القواعد الفقهية وتوجيهها والتمثيل لها، وكذلك في تقرير أصول الاجتهاد فيه، وتطبيقاتها المختلفة الوجوه، وبقي الأمر في ذلك كله على حد القدر المشترك من الوجوه العامة في استنباط الأحكام من مداركها، وهو ما يلتقي عليه النظر الفقهي في كل مجال
الحديث عن الأقلّيات المسلمة يستبطن الكثير من معاني الألم والحزن; لأنّه يرتبط بمساحة شاسعة من المسلمين الذين يعيشون في بحر من الأكثرية غير المسلمة، الأمر الذي يعرّضهم الى ألوان متعددة ومعقّدة من المشاكل والتحديات التي تهدد وجودهم وهويتهم وواقعهم.
ونقصد بالأقلّيات المسلمة; المسلمون الذين يعيشون في البلدان غير العضوة بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وعددهم حوالي (450) مليون مسلم، يتوزعون على قارات العالم الست، أي ما يقرب من ثلث عدد المسلمين.
وميدان بحثنا هو جزء مهم وأساس من هذه الأقلّيات، وهي الأقلّيات المسلمة في الغرب، التي يزيد عدد نفوسها على (25) مليون نسمة، منهم (16) مليون مسلم يعيشون في أوربا (عدا البانيا والبوسنة حيث المسلمون أكثرية) و(8) مليون مسلم في الأمريكيتين، وحوالي نصف مليون مسلم في استراليا، بينهم سكان أصليون، وآخرون مهاجرون، ويشكّلون بمجموعهم نسبة2% من عدد المسلمين في العالم، و6/5% من عدد نفوس الأقلّيات المسلمة. ورغم أنها نسب بسيطة كمّاً، إلاّ أنها من الناحية النوعية تحظى بخصوصيات متميزة، في مقدمتها موقع الغرب وتأثيره على المستويات العالمية كافة، وتتعرّض هذه الأقلّيات ـ وبشكل يومي ـ الى ألوان بشعة من الإغتيال الثقافي ومحاولات خطف الهوية.
والمحافظة على هوية هذه الأقلّيات وحمايتها من الإغتيال جزء من المسؤولية الإسلامية العامة التي يتحملها الفرد والمجتمع، وتتحملها المؤسسات والتيارات الإسلامية وكذلك الدول والحكومات المسلمة، والمنظمات الدولية الإسلامية وفي مقدّمتها منظمة المؤتمر الاسلامي، على إعتبار أن عملية الإغتيال الثقافي عملية معقّدة وغير معلنة في الغالب، وهي أكبر تحد يواجه الأقلّيات المسلمة; لأنه يستهدف سلب هويتها وتذويبها في البيئة العامة.
واعتمدنا هنا مصطلح «الإغتيال الثقافي» بدل «الغزو الثقافي» لإعتبارات موضوعية، فالغزو يتم عادة من قبل مجتمع ضد آخر، اي انّه عبارة عن هجوم وزحف خارجي، أما الإغتيال فيتم عادة من قبل عناصر داخل المجتمع ضد عناصر اخرى في المجتمع نفسه. وبما أن الأقلّيات المسلمة تعيش في دائرة المجتمعات الغربية وتتعايش معها بمستويات معينة، فإنّها تشكل مفردة متميزة داخل هذه المجتمعات، وبالتالي فهي جزء منها. من هنا فهي تتعرّض لعامل داخلي يستهدف إغتيالها ثقافياً وليس لعامل خارجي يستهدف غزوها ثقافياً. على العكس من المجتمعات المسلمة التي تعيش في البلدان الإسلامية والتي تتعرض للغزو الثقافي من الخارج، رغم إنّه مدعوم بعناصر محلية.
تجربة منظمة المؤتمر الإسلامي في دورتها الجديدة
منظمة المؤتمر الإسلامي هو التنظيم الدولي الرسمي الأساس، الذي يضم جميع البلدان الإسلامية وقد أخذت المنظمة على عاتقها ـ في حدود أهدافها وإمكاناتها ـ الإهتمام بقضايا المسلمين خارج الدول العضوة في المنظمة. الا أنّ منظمة المؤتمر مرّت بتجربة متميزة في هذا المجال بعد تسلّم الجمهورية الإسلامية الإيرانية رئاسة المنظمة في أعقاب قمة طهران عام 1418هـ1997/م، فقد شكلّت هذه القمة نقلة كبيرة في تاريخ المنظمة، دفعت الكثير من المراقبين الى وصفها بـ«قمة القرن» و«القمة التأريخية». وأناطت هذه القمة بلجنة تنسيق العمل الإسلامي التابعة للمنظمة مهمة متابعة شؤون الأقلّيات المسلمة. ولازلت أتشرّف بمسؤولية رئاسة هذه اللجنة، التي عبّرت عن حساسية ملحوظة تجاه قضايا الأقلّيات المسلمة في العالم في أعقاب قمة طهران.
وكانت قمة طهران قد أصدرت قراراً برقم 47/8س (ق.إ) بشأن الدفاع عن حقوق الجماعات والأقلّيات المسلمة في الدول غير الأعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي، ونص على «الطلب من المنظمات والهيئات الإسلامية الأعضاء في لجنة تنسيق العمل الاسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي عقد إجتماع مبكّر لدراسة وضع خطة عمل للحفاظ على حقوق الجماعات والأقلّيات المسلمة في أجزاء مختلفة من العالم». وتنفيذاً للتوصية هذه قام الأمين العام للمنظمة بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة هذا الموضوع، عرفت بـ«لجنة الخبراء المكلفة بوضع خطّة عمل للحفاظ على حقوق الجماعات والأقلّيات في الدول غير الأعضاء».
ثم أكد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في قطر 1418 هـ/1998 ماجاء في قرار قمة طهران بشأن الأقلّيات المسلمة، فقد أصدر قراراً برقم 46/25 ـ س، ذكر فيه بأنّ المجتمعات والأقلّيات المسلمة التي تعيش في الدول غير الأعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي تمثل من حيث العدد مايزيد على ثلث الأمة الإسلامية وأكد ضرورة تبني آليات علمية لرعاية شؤونهم، وأبدى ارتياحه لنشاطات منظمة المؤتمر في اعقاب قمة طهران، ولاسيما بعد اطلاعه على تقرير الأمين العام بشأن وضع المجتمعات والأقلّيات المسلمة، والذي تحول الى وثيقة رسمية حملت رقم (ICFM/25 - 98/ MM/D.1).
وبعد حوالي شهرين على مؤتمر الدوحة، عقدت لجنة الخبراء التي شكّلها الأمين العام مؤتمراً في طهران، وكُلفّت بمهمة رئاسة اجتماعها، وكان أهم قراراتها عقد مؤتمر في العاصمة الاسبانية تستضيفه رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية بالتعاون مع منظمة المؤتمر الاسلامي. وهكذا عقد المؤتمر في أواسط عام 1419هـ1989/م، وحظي بأهمية خاصة; بالنظر لنجاحه في تحقيق الأهداف المرسومة وفي إيجاد آليات تمكن المنظمة والدول الأعضاء فيها من رعاية شؤون الأقلّيات المسلمة على النحو المطلوب. وركّز المؤتمر في توصياته على الجانب الثقافي، وطالب الجهات والمؤسسات العضوة في لجنة تنسيق العمل الاسلامي تكريس نشاطها في هذا الجانب، فمن مجموع (16) توصية أصدرها المؤتمر، اختصت (11) توصية بجانب المحافظة على الهوية الثقافية للاقليات المسلمة اختصاصاً مباشراً، اضافة الى (3) توصيات بشكل غير مباشر، أي (14) توصية من مجموع (16) توصية.
وكرر مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في بوركينافاسو عام 1420هـ/1999 مطالبة الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي بعقد اجتماع في وقت مبكر لدراسة خطة عمل للحفاظ على حقوق المجتمعات والأقلّيات المسلمة، واصدر قراراً بهذا الشأن يحمل الرقم51/26 ـ س. وبناءً على هذا القرار دعا أمين عام منظمة المؤتمر الاسلامي لجنة الخبراء المذكورة لعقد اجتماع آخر، حدد مكانه في مدينة ساوباولو بالبرازيل. وكان لرئاسة لجنة تنسيق العمل الاسلامي ورابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية بالجمهورية الإسلامية الايرانية دوراً فاعلاً في التحضير للمؤتمر.
وهكذا عقد مؤتمر ساوباولو في شهر محرم الماضي (1421هـ/ 2000م)، بالتعاون بين رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية ومركز الدعوة الإسلامية في أمريكا اللاتينية وباشراف لجنة تنسيق العمل الاسلامي ورعاية منظمة المؤتمر الاسلامي. وبمراجعة لتوصيات المؤتمر الإحدى والعشرين، سنجد أن (11) توصية منها ذات علاقة مباشرة بالحفاظ على الهوية الثقافية للاقليات المسلمة ومواجهة محاولات الإغتيال الثقافي، و(5) توصيات ذات علاقة غير مباشرة، اي (16) توصية تختص بموضوع الهوية.
ومن خلال هذا الإستعراض السريع لموقع منظمة المؤتمر الاسلامي وتجربة لجنة تنسيق العمل الاسلامي في عملية حماية المسلمين خارج العالم الاسلامي من محاولات الإغتيال الثقافي، وقفنا على طبيعة النشاط المكثف للمنظمة في هذا المجال في اعقاب قمة طهران. وبصرف النظر عن نسبة نجاح المنظمة في تنفيذ توصيات لجانها ومؤتمراتها، فإن الدراسات التي تقدمها هذه اللجان والمؤتمرات وتوصياتها بشأن الأقلّيات المسلمة، تعد مادة نافعة جداً لايمكن تجاوزها لأي جهد آخر يسعى للاهتمام بشؤون الأقلّيات المسلمة، وهو مادعاني للحديث عن تجربة المنظمة في هذا المجال. ومن هنا استثمر الفرصة لأدعو جميع الاخوة أصحاب الاهتمام للاطلاع على هذه الدراسات والتوصيات، وقد بادرت رابطة الثقافة الى طباعتها في كتب وملفات لتسهيل عملية الإنتفاع بها.
تحديد إطار المشكلة
يتمثل اطار المشكلة ـ موضوع الدراسة ـ في التحديات التي تواجه المجتمعات والأقلّيات المسلمة في الغرب، على المستويات الثقافية والاجتماعية والإعلامية والتربوية والتعليمية، او ما يشكل بالمجموع تحدي استلاب الهوية والإغتيال الثقافي.
وفي الحقيقة أنّ واقع المشكلة مركّب من بعدين: ذاتي وخارجي يكملان بعضهما، أو بكلمة اخرى: وجود ارضية مساعدة توفرها الاقلية المسلمة لاستقبال التأثيرات الخارجية وتفعيلها. ولعل اهم مظاهر هذه الارضية المساعدة هو حالة الانبهار بالغرب وأساليب الحياة فيه، التي يعيشها بعض المسلمين هناك، وهي حالة خطيرة جداً تلاحظ لدى المهاجرين اكثر من السكان الاصليين، ولاسيما حديثي العهد بالاسلام، إذ تبدو حالة الانبهار والتماهي هذه أضعف لدى حديثي العهد بالاسلام. ويمكن أن نسمّي هذه الحالة بالقابلية على الإغتيال الثقافي أو القابلية على استئصال الهوية، اي تقبل اي نوع من القصف والتصفية الثقافية، بل والمساعدة عليه، وهو مفهوم فيه محاكاة لمفهوم القابلية على الاستعمار الذي اطلقه المرحوم مالك بن نبي.
ونجمل هذه التحديات ـ التي يفرزها تكامل العاملين الداخلي والخارجي ـ في ثلاثة مجالات رئيسية، وعلى النحو التالي:
1 ـ التحدي التربوي والتعليمي:
إنّ ثقافة أي مسلم تعتمد على المصادر الثقافية الإسلامية وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة الشريفة، ومفتاح هذه المصادر هي اللغة العربية، وهذه المشكلة يترتب عليها جهل حقيقي في فهم الإسلام فعدم المعرفة باللغة العربية والاختلاف بين لغة الاقلية ولغة القرآن يتسبب في فجوة كبرى في الهوية الثقافية لهذه الأقلّيات، بل قد ينتج عنه نمط خاص من التفكير خلال البحث عن المصادر الثقافية للفكر الاسلامي، الامر الذي يتسبب في خطر اكبر يهدد هذه الفئات من المسلمين في عقيدتهم نفسها. وحتى الأقلّيات التي تنحدر من أصول عربية أو شرقية تفهم اللغة العربية، فانها تفقد علاقتها باللغة العربية بمرور الزمن، وخاصة بالنسبة للجيل الثاني والثالث، مما يتسبب في الذوبان في نمط التفكير الذي تخلقه اللغة الاجنبية الجديدة، وهي حالة خفية ومعقّدة من حالات الفقدان التدريجي للهوية.
وسلطات البلدان الغربية تعمل بأساليب مدروسة ودقيقة بهذا الاتجاه، بل إنّ بعض دول اوربا الشرقية ـ بلغاريا مثلاً ـ ظلت تسعى للقضاء على الأسماء العربية ومنع استخدامها; لأنها تعتقد أن الشخص الذي يحمل إسم أحمد أو علي ـ مثلاً ـ حتى لو كان لادينياً، فإن مجرد حمله هذا الإسم العربي يعني بقاء ارتباطه بالرمز الاسلامي الذي يمثله الاسم، اي المحافظة على الحد الادنى من الإنتماء الثقافي للإسلام. فتعمد تلك السلطات الى تغيير هذه الاسماء وتعريض من يخالف للعقوبة. وفي الأحوال المثالية، فانها تفرض على المسلمين وضع لاحقة سلافية لأسمائهم العربية مثلاً: احمدوف أو علييف. وهذه القضية تكمل حروب الاستئصال العرقي التي حدثت وتحدث في منطقة البلقان، والتي تهدف ـ أساساً ـ الى مواصلة محاولات الإغتيال الثقافي.
كما إن النظام التعليمي الوطني للدول الغربية (وتحديداً مناهج الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية)، يعمل على تعميق الاتجاهات القومية والوطنية والتاريخية ويربط الإنسان المسلم بواقع ومظاهر وتاريخ لايمت الى هويته بصلة، وهو من الخطورة بمكان، بحيث يشكل العامل الخارجي الأساس للإغتيال الثقافي. وتبرز هذه الخطورة اكثر من خلال مناهج الجغرافية والتاريخ والتربية الوطنية وعلم الإجتماع والأديان والفلسفة.
وفي الجانب التربوي الذي يقترن بالتعليم ايضاً، فان الأقلّيات المسلمة من خلال تعايشها مع مجتمعات غير إسلامية تختلف عنها في العادات والتقاليد والمشاعر والسلوك والثقافة، فانها ـ بعبارة اخرى ـ تعيش في رحم غير الرحم الاسلامي، على اعتبار ان المجتمع هو الرحم الذي تنشأ وتتربى فيه شخصية الإنسان ويقترن هذا الأمر بخطرين:
الأول: انّه يؤدي الى احباط مفعول التربية الإسلامية وجعلها غير مجدية.
الثاني: انّه يؤدي الى تعرض الأبناء الى ضغوط وتجاذب شديد من قبل نمطين من التربية، أحدهما ما يريده منه دينه، والثاني ما يفرضه عليه الواقع الاجتماعي الذي يعيشه.
وستكتمل المشكلة التربوية بدراسة هؤلاء الابناء في المدارس غير الإسلامية وتحت إشراف معلمين غير مسلمين، فضلاً عن اختلاطهم بزملاء من الدراسة غير مسلمين يعايشونهم يومياً، وربما فاق تأثير هؤلاء على الطلبة المسلمين وعلى تبلور شخصياتهم.
2 ـ التحدي الإجتماعي والحقوقي:
اتسع مساحة هذا التحدي لكل ما له علاقة بواقع الاسرة المسلمة وعلاقات أبنائها مع بعضهم، والعلاقات الاجتماعية داخل الأقلّيات، وعلاقاتها بالوسط الذي تعيش فيه، ومقدار الحرية الذي يسمح لها بامتلاك واقع اجتماعي مستقل يحظى بالحقوق المدنية والدينية والسياسية التي تميز هويته الاجتماعية والثقافية والدينية عن البيئة العامة.
لعل من اولى هذه التحديات هو النقص في عدد المساجد، إذ لا توجد في كثير من مناطق المسلمين مساجد تكون بمثابة مراكز دينية واجتماعية ومحاور لحركة الأقلّيات. والجانب الديني هذا تتبعه مشاكل اخرى ترتبط بصعوبة ممارسة العبادات الاخرى، كصلاة الجمعة والصوم.
وتتسبب الاعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة في البلدان الغربية في سلوكيات غير شرعية لدى الأقلّيات المسلمة فيها محاكاة وتماهي مع تلك الأعراف، وفي مقدمتها موضوع الإختلاط والانفتاح بين الرجال والنساء في كل الأماكن والأزمان، في المجالس الخاصة والعامة، في العمل، في مراكز التعليم.. من الابتدائية وحتى الدراسات العليا، في الرحلات الجماعية، في اماكن الترفيه، كالبلاجات وغيرها، وما يعنيه ذلك من علاقات بين الرجل والمرأة. والأخطر من ذلك أن هذه الأقلّيات ـ حتى الملتزمة منها ـ قد تصل الى مرحلة من تسويغ هذا الواقع، بحيث يصعب عليها الفرز بين الحلال والحرام، لأنها تعودت عليه تماماً وأصبح جزءاً من حياتها.
ويدخل في السياق نفسه موضوع التبرج والسفور والأزياء الشاذة لدى النساء المسلمات، وكذا تسويغ الكثير من المحرّمات الأخرى، كشرب وأكل الأشربة والأطعمة واللحوم غير الحلال. وبشكل عام فإن هذا الواقع تخلقه اللاأبالية تجاه الأحكام الشرعية، سواء عن عمد أو جهل بها، ويخلقه أيضاً عدم التحسس من سلوكيات البيئة العامة (غير الإسلامية) التي يعيشون فيها. وهناك حالة اخرى تؤدي الى هذا الوضع ايضاً، وهو محاولة بعض افراد هذه الأقلّيات التكيّف الكامل مع البيئة العامة كي يتعايشوا معها بسهولة ولايلفتوا الأنظار المريبة اليهم، ويتجنبوا التمييز الاجتماعي فيما لو أبرزوا هويتهم بصورة واضحة.
ومن الظواهر الاجتماعية السلبية لدى بعض الأقلّيات المسلمة هو التفكك الأسري، وفي ذلك تشبه بالبيئة العامة، الأمر الذي يؤدي الى انحراف الأبناء دينياً وسلوكياً، وتمردهم على الأعراف الأسرية والإجتماعية الإسلامية بالنظر لضعف سلطة الأم والأب وسلطة البيت عموماً، أما بعجز الوالدين عن ردع الأبناء نتيجة الضعف والفشل، أو لعدم مبالاتهم بهذه الظاهرة. وقد يجد الأبناء في الصداقات مع أبناء غير المسلمين ملجأً للهروب من ضغوطات البيت. ومما يزيد ـ أحياناً ـ من إهمال الآباء المسلمين لأبنائهم هو الضائقة المالية التي تضطر الآباء لتخصيص كل اوقاتهم للعمل لتوفير لقمة العيش.
وهناك ظاهرة قد تكون خاصة بالمسلمين المهاجرين، وهي عدم وجود لغة وفهم مشتركين بين الجيل الأول والثاني والثالث منهم، فالجيل الثالث الذي ولد وتربى في الغرب ولا يعرف غير لغاته وأساليب تفكيره، يشعر بغربة شديدة من الجيل الأول وقد لا يفهمه أبداً، بالنظر لإختلاف الحاجات والمشاعر والنوازع وإختلاف الرؤية للحياة. وهذا الأمر لا يرتبط بالأسرة الواحدة فقط، بل بجميع مفردات الواقع الاجتماعي والديني للأقليات.
وكذلك الجوانب الحقوقية المتمثلة في قضايا الزواج (الشرعي) والإرث وغيرها مما يرتبط بالقوانين المدنية وقوانين الأحوال الشخصية. فكثير من البلدان الغربية تفرض على مواطنيها (ومنهم المسلمين) القوانين المدنية الوضعية التي يتعارض الكثير منها مع الشرع الاسلامي، الأمر الذي يقود الى مشاكل حقوقية كبيرة للمسلمين. ودون شك فإن الإنتماء بالجنسية للبلد الغربي سيترتب عليه الإلتزام بقوانين هذا البلد بمختلف ألوانها ومضامينها، الأمر الذي يخلق هذه الإشكالية، أي إشكالية الإنتماء بالجنسية للبلد الغربي والإنتماء بالعقيدة للاسلام وما يترتب على ذلك من خصوصيات. وفي المجال نفسه تدخل إشكالية الإنخراط في العمل السياسي والحكومي والحزبي الغربي بالنسبة للمسلمين.
3 ـ التحدي الثقافي والإعلامي:
من الناحية النظرية والفكرية، فإن وجود الأقلّيات المسلمة في بيئة فكرية نقيضة، تتميز بسيادة الآيديولوجية العلمانية ومختلف الافكار الوضعية والالحادية، سيؤثر بشكل وآخر على البنية الفكرية لهذه الأقلّيات وعلى رؤيتها للدين ووظيفة الدين. ويتكامل هذا الجانب النظري والفكري مع الجانب السلوكي والعملي الذي يتميز ـ هو الآخر ـ بسيادة آيديولوجيا المادة والمنفعة واللذة التي افرزت أشكال مختلفة من السلوكيات اللاأخلاقية واللاإنسانية، واعطت لمفاهيم الصلاح والفساد، والسعادة والشقاء، والحب والبغض، والاستقامة والانحراف، والعدالة والظلم، والحق والباطل، والاستبداد والحرية، مضامين اخرى تناقض المفاهيم الإسلامية التي تتساوق مع الفطرة الإنسانية. وخلق هذا التكامل في الغرب ثقافة خاصة طبعت الحياة هناك بلونها. ولاشك فإن التأثير الذي تتركه ثقافة الغرب على الأقلّيات المسلمة، لا يأخذ دائماً طابع الهجوم أو الغزو المحدد في وجهته، بل إن العملية كثيراً ما تأخذ طابع التأثر اللاواعي الذي ينتج عن خلل عميق في الذات المسلمة، بسبب انهيار الحصون الذاتية للفرد والاسرة والمجتمع المسلم، وهو ما أطلقنا عليه «القابلية على إغتيال الهوية».
والأقلّيات المسلمة ـ ككل الفئات الاجتماعية الاخرى ـ تعيش دون إرادتها تحت وطأة الإعلام الغربي الذي يأخذ على عاتقة مهمة نشر تلك الثقافة وتعزيزها وتكريس حضورها الإجتماعي، بالصورة التي تمكّنه من التلاعب بمضامين الوعي الإجتماعي وتياراته، وتوجّه الرأي العام بالإتجاه الذي يخدم مصالح سدنة السياسة والمال.
والأخطر من ذلك ظهور بعض الإتجاهات الثقافية والإسلامية في وسط الأقلّيات المسلمة المهاجرة، التي تتناغم مع نوعية الإعلام الغربي وتحاكيه وتتشبه به، وهي اتجاهات مستلبة ولا تقل خطورة وبشاعة في محاولاتها اغتيال هوية المسلمين الثقافية عن وسائل الاعلام الغربية. ومعظم هذه الاتجاهات يستقر في الولايات المتحدة الامريكية. اضافة الى ظهور حركات اجتماعية غير مستقرة على المعتقدات الإسلامية ولاسيما في أوساط المسلمين السود في أمريكا.
المعالجات.. خطوط عامة
لاشك ان الحلول التي تطرح لعلاج أية مشكلة، تفرض دراسة واعية ودقيقة لواقع المشكلة وتفاصيلها وخلفياتها، لتأتي المعالجات منسجمة مع حقائق المشكلة. ولعل المناهج التي تطرحها الدراسات المستقبلية في استشراف المستقبل والتخطيط له وبلوغ الأهداف الموضوعة، تشكّل أدوات نافعة لإكتشاف المعالجات اللازمة لمثل هذه المشاكل المركّبة. ففيما يرتبط بمشاكل الأقلّيات المسلمة في الغرب، فإن استشراف مستقبل هذه المشاكل وماستشكله من ضغوطات على الواقع، سيحدد نوعية الاهداف التي ينبغي الوصول اليها، كما يحدد البدائل والخيارات التي تفرضها حقائق الحاضر، لكي تبتعد المعالجات عن حالة التوصيات العامة، ولغة ما يجب وما ينبغي، وهي اللغة التي تقف عادة خارج إطار الزمان والمكان وأرقامه. وهذا ما يستدعي فرصاً اخرى للبحث والدراسة.
الحديث عن المعالجات التي يمكن من خلالها مواجهة التحديات التي سبقت الإشارة اليها، تسبقه مداخل أساسية، يتمثل إهمها في ضرورة وقوف الأقلّيات المسلمة على حقيقة التحديات التي تواجهها ووعي هذه التحديات ومعرفة مضامينها ونوعياتها، دون تهويل أو إلغاء أو تبسيط. حينها ستكون هذه الأقلّيات ـ كمدخل ثان ـ مهيأة للقيام بثلاث عمليات أساسية تكمّل بعضها، بهدف صيانة هويتها وحمايتها من الإغتيال الثقافي:
الأولى: البناء والتحصين الداخلي (تحصين الجبهة الداخلية).
الثانية: مواجهة التأثيرات المحيطة وعمليات الإغتيال.
الثالثة: التأثير في الوسط المحيط (غير المسلم).
والعملية الثالثة التي مرّ ذكرها، تستدعي أن يتحول المسلمون الى محاور للتأثير في الوسط المحيط، أي عناصر تبليغية، من خلال السلوك الحسن والاخلاق الفاضلة، والكلمة الطيبة والدعوة الحسنة، وبث التعاليم والمفاهيم الإسلامية والتواصل الايجابي مع غير المسلمين، ليخلقوا صوراً مشرقة عن الإسلام والمسلمين في أذهان الآخرين. وهناك الآلاف من المسلمين الذين يعيشون في الغرب من أصحاب الكفاءات والإختصاصات، وهؤلاء بإمكانهم ـ في الوقت الذي يعملون فيه على صيانة هويتهم وهوية اخوانهم في العقيدة ـ التأثير في مجتمع النخب الفكرية والعلمية والثقافية الغربية التي يمارسون تخصصاتهم في أوساطها، بل ويضيفوا البعد الاسلامي الى الحالة الثقافية والحضارية الغربية. فمن الخطأ الإنعزال والتقوقع والإنكفاء، لأن الإنكفاء إذا حقق بعض الإيجابيات المؤقتة، فإن سلبياته على المديين القصير والبعيد هي أكبر بكثير.
أمّا المدخل الآخر، فهو وحدة هذه الأقلّيات في كل بلد، فمدخل توحيد الصفوف والكلمة هو أساس كل تخطيط أو نجاح يراد تحقيقه. ولعل المؤتمرات العامة الدورية والاتحادات والبرلمانات ومجالس الشورى هي مظاهر ضرورية لهذه الوحدة، وبإمكانها استيعاب كل المسلمين في أي بلد، لكي يخرج الحديث عن الآلام والآمال والتحديات والحقوق من فم واحد يمثل المسلمين جميعاً. والطموح أن تتجاوز هذه الكيانات المحلية الى كيان أوسع يستوعب كل الأقلّيات المسلمة في اوربا وهكذا في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية واستراليا. والوحدة والتنسيق والتقريب هنا يشتمل على كل حالات الإختلاف بين المسلمين، في المذهب.. في اللغة.. في الجنسية.. في القومية.. في المستوى الإقتصادي.. في التوجه الاجتماعي.. في المشرب السياسي وغيرها.
ويمكن لمنظمة المؤتمر الاسلامي وأعضائها ممارسة دور كبير في مجال دعم الأقلّيات المسلمة في الغرب ودعم حقوقها وتنظيم شؤونها. ومن خلال العديد من اللقاءات والقراءات، وضعت المنظمة جملة من الأهداف والمخططات والتوصيات، التي نأمل أن تتحول بموجبها الى واقع عملي.
وقد حثّ القرار 47/8س الصادر عن قمة طهران الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي الى إيلاء عناية خاصة بالجماعات والأقلّيات المسلمة التي تتعرض للقمع والاضطهاد بسبب معتقداتها الدينية، والتعرف على احتياجاتها وابلاغها الى الدول الأعضاء الاخرى، من أجل العمل على توفير الامكانات المادية والبشرية والعينية اللازمة، مع العمل على تكثيف النشاطات الإسلامية المختلفة: ثقافية وتعليمية، وكذا المساعدات الانسانية المتنوعة، من اجل تقديم المزيد من الرعاية لتحسين الأوضاع العامة للجماعات والأقلّيات المسلمة. كما طالب القرار الامانة العامة لمنظمة المؤتمر بإجراء اتصالات مع حكومات الدول التي فيها جماعات وأقلّيات مسلمة، من اجل التعرف على مشكلاتها واحتياجاتها، وعلى رؤية هذه الدول لكيفية وضع صيغة للتعاون مع منظمة المؤتمر الاسلامي لتوفير الاسهامات المطلوبة لتحسين أحوال هذه الجماعات والأقلّيات المسلمة، والحفاظ على هويتها الدينية والثقافية، مع إعطاء اولوية للاتصال بحكومات الدول غير الأعضاء التي تواجه الأقلّيات المسلمة فيها مشكلات ملحّة. ثم أعاد المؤتمر الطلب من إدارة الأقلّيات الإسلامية في الامانة العامة للمؤتمر بمتابعة حالة الأقلّيات المسلمة، وخاصة ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وتقديم تقرير سنوي عنها لمؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية.
وذهب مؤتمر مدريد في توصياته الى دعوة منظمة المؤتمر الاسلامي والدول الأعضاء في المنظمة الى مطالبة الدول الصديقة بتطبيق المواثيق الدولية إزاء الأقلّيات الإسلامية ورعاية حقوقها الدينية والثقافية. ولاشك فإن الثقل الاقتصادي وربما السياسي والموقع الاستراتيجي الذي تحظى به كثير من البلدان الإسلامية وعلاقة حكوماتها النوعية مع حكومات الدول الغربية، سيمكّنها من استثمار هذه العوامل للتدخل الإيجابي المتوازن والمدروس لصالح الأقلّيات المسلمة في هذه الدول، ولاسيما ما يتعلق بحقوقها الدينية والثقافية.
كما طلب المؤتمر من الحكومات والمؤسسات الإسلامية تسهيل زيارة ابناء الأقلّيات المسلمة الى الاقطار الإسلامية لتعميق انتمائها بالدول الإسلامية ورسالتها الحضارية العالمية. ووضع خطة لاحتضان المتفوقين من أبناء وبنات الأقلّيات المسلمة، ودعوة (الايسيسكو) بالتعاون مع البنك الاسلامي للتنمية وصندوق التضامن الاسلامي لتنظيم منح دراسية لهم سواء في داخل البلاد أو خارجها. اضافة الى دعوة مجمع الفقه الاسلامي والمؤسسات العلمية الاخرى لاقامة ندوات تركز على المشاكل الفقهية والفكرية التي تواجهها الأقلّيات المسلمة نتيجة اوضاعها الخاصة وايجاد حلول مناسبة لها. ثم مناشدة الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الاسلامي القيام بتجميع نتائج الندوات التي عقدت عن الأقلّيات المسلمة، والتأكيد على إيجاد مركز معلومات خاص بهذا الأمر.
وأكد مؤتمر ساوباولو بالبرازيل هذه التوصيات والقرارات، وخاصة مايرتبط بدراسة موضوع انضمام اتحادات الأقلّيات الإسلامية لعضوية لجنة تنسيق العمل الاسلامي المشترك التابعة لمنظمة المؤتمر الاسلامي.
كما اكد ضرورة استمرار اقامة اللقاءات الإسلامية الدولية في الدول غير العضوة بمنظمة المؤتمر الاسلامي، لاستمرار النظر في حماية حقوق الأقلّيات الإسلامية ومتابعة تنفيذ توصيات هذه اللقاءات. وكرر مؤتمر ساوباولو دعوة وزراء إعلام الدول الإسلامية والمؤسسات الإعلامية فيها لمتابعة الدعاية المغرضة أو الطرح المشوّه للاسلام في وسائل الإعلام، مثل السينما والتلفزيون والإنترنيت، والإهتمام بملاحقتها والرد عليها، لتصحيح الصورة في اذهان المتلقّين، وتوسيع مجال بث القنوات الإسلامية، والتنسيق فيما بينها لخدمة المسلمين في كل مكان.
وكنت في مؤتمر ساوباولو قد طالبت منظمة المؤتمر الاسلامي بوضع البرامج والخطط الكفيلة بإستثمار الكفاءات المسلمة في أوساط الأقلّيات لأغراض تعليم ابناء الأقلّيات أنفسهم، وأشرت الى وجود حوالي الفي ايراني في الولايات المتحدة وحدها يحملون شهادة الدكتوراه في مختلف الإختصاصات العلمية، بإمكانهم المساهمة في تحقيق هذا الهدف. وطالبت ايضاً بتفعيل دور دائرة الأقلّيات في الامانة العامة للمنظمة، للتمكن من النهوض بواجباتها المهمة في حماية الأقلّيات المسلمة من الإغتيال الثقافي وصيانة هويتها المدنية. على اعتبار أن تنشيط دائرة الأقلّيات سيزيد من اهتمام المنظمة بقضايا الأقلّيات وسيجعلها هماً دائماً. ولعل من الخطوات الاساسية التي لابد أن تتدخل منظمة المؤتمر من أجل الاقدام عليها، موضوع اقامة اتحاد دولي للاقليات المسلمة، يجمع كل الاتحادات القارية والقطرية، لغرض دراسة شؤون الأقلّيات بصورة شاملة، والإطلاع على أوضاعها ومعرفة مشكلاتها واحتياجاتها، وتبادل الخبرات والتجارب فيما بينها، وتوثيق الأواصر بينها وبين العالم الاسلامي، والمطالبة بحقوقها على الصعيد الدولي وفي الأوساط والمحافل الدولية، والتخطيط لدعمها وحماية هويتها من الذوبان وسط الأكثرية غير المسلمة التي تعيش في وسطها.
وسنطرح هنا مجموعة تصورات في سياق المعالجات العملية، وعلى أساس نوع التحديات وموضوعها:
1 ـ الجانب التربوي والتعليمي:
تعليم كتاب الله تعالى يقف في مقدمة المجالات التعليمية التي تفرض عملية التحصين الذاتي الاهتمام بها. وأساليب تعليم القرآن الكريم... قراءة وفهماً وتفسيراً، مفتوحة وغير محدودة، ابتداءً من الاسلوب التقليدي (حلقات المساجد) أو في المراكز الإسلامية والبيوت أو المعاهد. وتستتبع هذه الضرورة ضرورة اخرى تتمثل في تعليم اللغة العربية; لتكون مدخلاً لفهم القرآن الكريم والنصوص الإسلامية والتراث العلمي الاسلامي; ولكي تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية في المؤتمرات والندوات التي تعقدها الاتحادات والجمعيات الخاصة بالأقلّيات المسلمة.
وفي الوقت نفسه، فأبناء الأقلّيات المسلمة مدعوون أيضاً لتعلم لغات المسلمين الاخرى، ولا سيما اللغات الأكثر رواجاً وانتشاراً، والتي كتب بها كم هائل من التراث الاسلامي، وفي المقدمة اللغة الفارسية.. لغة المسلمين الثانية بعد العربية. ولعلّ الاسلوب الأمثل في تعليم القرآن الكريم والمعارف الاسلامية واللغة العربية ولغات المسلمين الاخرى، ايفاد أبناء الأقلّيات الى البلدان الإسلامية ليدخلوا دورات مكثفة محددة بزمن معين (مثلاً سنة أو سنتين)، وكذلك إرسال مدرسين وإساتذة متخصصين الى الغرب ليقيموا مثل هذه الدورات، أو استثمار بعض الاساتذة الموجودين في الغرب لهذا الغرض، دون حصر حضور هذه الدورات بالرجال دون النساء أو الكبار دون الصغار.
ويقع على عاتق اجهزة اعلام البلدان الإسلامية مهمة اساسية في هذا المجال، إذ بإمكان القنوات التلفزيونية الفضائية والاذاعات تخصيص فترات من بثها لأغراض تعليم الأقلّيات المسلمة.
ومن التصورات الاخرى في المجال التعليمي والتربوي، قيام الأجهزة التعليمية والتربوية في البلدان الإسلامية بإعداد وطباعة المناهج التعليمية الدينية وإرسالها الى مراكز وجمعيات ومدارس الأقلّيات المسلمة، في الوقت الذي تبادر البلدان الإسلامية الى دعم الأقلّيات في المشاريع التعليمية الكبيرة، كمشاريع اقامة المجمعات التعليمية بدءً من مرحلة رياض الاطفال الى الإبتدائية والمتوسطة والثانوية والمعاهد المهنية وانتهاءً بالجامعة. اضافة الى توسيع المراكز التربوية والتعليمية التقليدية، وتزويدها بكل ما تحتاجه من وسائل تعليمية كالكتب والوسائل السمعية والبصرية وغيرها، باللغة العربية ولغات الأقلّيات. ودعم الإتحادات والجمعيات الإسلامية ولاسيما إتحادات الطلبة الجامعيين، بالصورة التي تمكّنها من ممارسة نشاطاتها التربوية والتعليمية، كإنشاء المكتبات العامّة واقامة الندوات والمؤتمرات الطلابية الدورية وبناء الأقسام الداخلية (السكنية) ومساعدة الطلبة المسلمين المعوزين.
ومن البرامج الاستراتيجية القائمة الآن، برنامج اعطاء المنح الدراسية لابناء الأقلّيات المسلمة في الغرب للدراسة في جامعات البلدان الإسلامية ولكن اثبت الواقع أن هذا البرنامج بوضعه الحالي لم يف بالغرض، بل لازال هناك نقص حاد جداً في وجود الاساتذة والمدرسين والمبلغين من ابناء الأقلّيات نفسها. ومن هنا لابد من زيادة المنح الدراسية هذه، لكي يستطيع ابناء الأقلّيات بعد تخرجهم من جامعات البلدان الإسلامية الإحلال تدريجياً محل المدرسين والمبلغين المنتدبين من قبل البلدان الإسلامية ولعل تجربة بعض الجامعات الإسلامية مفيدة في هذا المجال، وهي مدعوة لتطوير تجربتها، ونذكر هنا الجامعة الإسلامية في ماليزيا التي تضم طلبة مسلمين من (91) بلداً، والحوزة العلمية في قم التي تضم طلبة من (60) بلداً، وجامعة الامام الخميني الدولية وجامعة التقريب في ايران وغيرهما، وكذلك جامعة افريقيا العالمية في السودان وجامعة آل البيت في الاردن وجامعة الأزهر في مصر وجامعة محمد بن سعود في السعودية. ونشير هنا ايضاً الى تجربة بعض الجامعات الإسلامية في لندن وواشنطن وقرطبة وغيرها، التي تستحق التقدير والدعم.
2 ـ الجانب الإجتماعي والحقوقي:
في ضوء ما أكد عليه القرار 47/8س الصادر عن قمة طهران بشأن بذل المساعي لكي تتمتع الأقلّيات المسلمة بمعاملة متكافئة من حيث الحقوق والالتزامات والواجبات، فان الحقوق الاجتماعية هي الاطار الذي يشتمل على مجمل الحقوق الاخرى، الدينية والمدنية والسياسية وغيرها. واحقاق هذه الحقوق يتأتى عبر مساع تقوم بها هذه الأقلّيات مع الاجهزة المختصة في الدول الغربية. واقرار هذه الحقوق وتنفيذها وضمانها هي مهمة تلك الاجهزة بالدرجة الأساس، أي أن هذا الشق من الجانب الاجتماعي والحقوقي يرتبط أساساً بالدائرة العامة التي تعيش في وسطها هذه الأقلّيات، ولا يرتبط بالدائرة الخاصة للأقليات نفسها.
أما الدائرة الخاصة، فيقع على عاتقها مهام نوعية وكمية كبيرة في الجانب الاجتماعي، ولعل إشاعة روح التكافل والتكامل والتضامن الاجتماعي، الى المستوى الذي يضمن وحدة الجماعة وتماسكها الشديد. وهذا المستوى لن يتحقق إلاّ بآليات فاعلة، تجعل الفرد المسلم والأسرة المسلمة يحسّان بالإنتماء الكامل للجماعة والحاجة اليها والمسؤولية تجاهها وتجاه افراد الجماعة الآخرين، بإعتبارهم اخوانه في العقيدة والأعضاء المكملين لجسد الجماعة.
ولعل التأكيد على حضور المساجد لأداء العبادات واحياء الشعائر الدينية، وكذلك المراكز والجمعيات الإسلامية واقامة الاحتفالات والمراسم، سواء في الاعياد والمناسبات المختلفة العامة، أو في المناسبات الإجتماعية الخاصة، يعد من بديهيات النشاط الاجتماعي الحقيقي. ومن الضروري أن يكون للأقليات المسلمة صناديق للمساعدات ولإعطاء القروض الحسنة، وجمعيات للبر والإحسان ولرعاية الأيتام والمسنّين والعوائل الفقيرة، اضافة الى مراكز اقتصادية للتشغيل والاستثمار ورعاية مشاريع العمل والكسب، واقامة المشاريع التي من شأنها توفير الاطعمة والمشروبات الحلال، وكذلك مراكز اخرى للشباب، تقوم بمختلف النشاطات الإعلامية والفنية والتثقيفية والاجتماعية، كإقامة المخيمات والمعسكرات الثقافية والكشفية الدورية، وتشكيل الفرق الفنية وغيرها.
وفي هذه المجالات يمكن الاستفادة من الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس وتبرعات المحسنين من ابناء الأقلّيات أو المسلمين في الدول الاخرى، ومن دعم المؤسسات ذات العلاقة في البلدان الإسلامية ودعم المرجعيات الدينية، ودعم أجهزة منظمة المؤتمر الاسلامي ولجنة تنسيق العمل الاسلامي.
ويمكن في هذا المجال اقامة مشاريع خاصة بالأُ سرة، باعتبارها نواة المجتمع المسلم في الغرب والركيزة الحقيقية التي يمكنها حماية الهوية الإسلامية من الخطف والإغتيال والعبث والتخريب. وتتبلور هذه المشاريع في جمعيات ومراكز، تقوم على تيسير شؤون الزواج، ابتداءً من التوفيق بين الراغبين والراغبات بالزواج، وتزويجهم وفقاً للاصول الشرعية، بدلاً من الزواج من غير المسلمين أو تشكيل الاسرة على الاصول غير الشرعية، كما تقوم هذه المراكز على رعاية الجوانب التربوية والتعليمية في الوسط النسائي، وحل مشاكل الاسرة، لاسيما فيما يرتبط بالعلاقة بين الازواج والزوجات وتربية الأطفال وتعليمهم داخل المنزل، والقيام بالمعارض والأسواق الخيرية، وتشجيع النشاطات الأُ سرية العامة، كالزيارات المتبادلة والجلسات الثقافية والاجتماعية، بل وحتى الولائم الدورية وطرح موديلات من الأزياء والملابس الشرعية، ولاسيما بالنسبة للنساء المسلمات; لأن هذه النشاطات الاجتماعية التفصيلية، ستترك أكبر الأثر في نفوس أبناء الأقلّيات، وتعزز الترابط والتواصل فيما بينهم، وستضمن سلامة جزء أساسي ومحوري في مجتمع الأقلية المسلمة، وهو المرأة، التي ستحوّلها تلك الرعاية الى مدرسة لتربية الناشئة وإسناد الرجال (الإخوان، الأزواج والأبناء) معنوياً وأخلاقياً، وإنشاء البيت الصالح وإقامة المجتمع الفاضل.
3 ـ الجانب الثقافي والإعلامي والتبليغي:
الأقلّيات المسلمة في الغرب تعاني أكثر من الأقلّيات المسلمة في الدول الاخرى من سطوة الثقافة الحاكمة والاعلام المكثف المعادي. من هنا فمهمتهم لمواجهة هذا التحدي مهمة في غاية الصعوبة. بيد أن التخطيط العلمي ووضع الآليات المدروسة والتصميم والارادة على المواجهة سيفتت جزءاً لايستهان به من تلك الصعوبة. ومن المناسب هنا الإشارة الى الإطار العام الذي وضعه القرار 47/8س الصادر عن قمة طهران; إنّ حثّ الدول الإسلامية على تنسيق الجهود لإعداد أُ طر قادرة على القيام بمهام الدعوة الإسلامية لدى الأقلّيات المسلمة، على أن تتضمن الأُ طر عناصر نسوية مؤهّلة، ووضع سلسلة من الكتب التعليمية المتكاملة عن الدين الاسلامي وشعائره ومبادئه، على أن تكون مبسطة وفي صورة مطبوعات ورسائل حديثة سمعية وبصرية، مع إيلاء عناية خاصة لترجمتها ترجمة دقيقة الى لغات المناطق التي تقيم بها هذه الأقلّيات.
ومن هذا المنطلق، تأتي ضرورة تكثيف وتركيز إرسال المنتوجات الثقافية والإعلامية الإسلامية الى هذه الأقلّيات، على شكل كتب تعليمية أو عامة ومجلات وأشرطة سمعية وبصرية وغيرها، ولاسيما تلك المعدّة خصيصاً لمخاطبة الأقلّيات المسلمة في الغرب، اضافة الى إنشاء مشاريع في دول الغرب نفسها تقوم بهمة الإنتاج، أو الترجمة حداً أدنى، وصولاً الى إنشاء إذاعات ومحطات تلفزيونية ووكالات أنباء ومؤسسات فنية وسينمائية خاصة بالأقلّيات. وكذلك الإهتمام بإعداد الطاقات الإعلامية والفنية من أبناء الأقلّيات لسد أي فراغ محتمل في هذا المجال، على أن تتم هذه النشاطات ـ بالنظر لخطورة رسالتها وتأثيرها ـ تحت إشراف أساتذة وعلماء كمرجعيات في الجانب الشرعي.
وبالنسبة لسد الفراغ في الجانب الشرعي، فمن الضروري وجود علماء ومبلغين أكفّاء أو وكلاء لمراجع الدين مقيمين في المدن الغربية التي يتركّز فيها الوجود الاسلامي، بهدف رعاية الأقلّيات دينياً واجتماعياً.
وأعيد هنا التأكيد على نقطة في غاية الأهمية، تتعلق بالتعددية المذهبية والقومية واللغوية والاجتماعية للأقليات. فهذه التعددية لابدّ أن تتحول الى نقطة قوة وتقارب ووحدة، بدلاً عن أن تكون نقطة اختلاف وافتراق. وعلى هذا الأساس، فإنّ كل التوصيات والبرامج والمشاريع التي تستوعب الجوانب التي مرّ ذكرها (التربوية والتعليمية والإجتماعية والحقوقية والثقافية والإعلامية والتبليغية) لابد أن تأخذ بنظر الاعتبار مراعاة موضوع التعددية، وتتجنب اثارة المشاكل والحساسيات التي لا طائل منها، بل وتحوّل هذه التعددية ـ كما ذكرنا ـ الى نقطة قوة.
واستثمر فرصة انعقاد مؤتمر الوحدة الإسلامية لأثمّن اهتمام دورته الحالية بموضوع الأقلّيات المسلمة، ولأُ قدم بعض المقترحات الخاصة، والتي يمكن لمجمع التقريب أو المؤتمر نفسه أو رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية والمجامع والمؤسسات الاخرى النظيرة، تنفيذها. فأقترح أن تبادر إحدى هذه المؤسسات الى عقد مؤتمر خاص بالأقلّيات المسلمة في الغرب، والأفضل انعقاده في دولة غربية، ويحضره ممثلون عن هذه الأقلّيات من مختلف المذاهب والقوميات والجنسيات، ومن السكان الاصليين والمهاجرين، لتدارس أوضاعهم. وأقترح أيضاً تشكيل أمانات دائمة أو مكاتب خاصة بالأقلّيات المسلمة، في كل من مجمع التقريب ومجمع أهل البيت ورابطة الثقافة وغيرها من المؤسسات النظيرة. وكذلك إصدار مجلة متخصصة بشؤون الأقلّيات المسلمة في الغرب، تصدر ابتداءً باللغتين العربية والانجليزية انني اري ان الاسلام هو الذي وضع قواعد العدل والمساواه في قلب اوروبا منذ اطثر من الف عام وسوف يظل هكذا الي ان يرث الله الارض ومن عليها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق