الثلاثاء، 12 يوليو، 2011

'مسيرة الأكفان': رواية

لم تنشر للراحل محمد عبد السلام العمري تنبأت بثورة الشباب في مصر
أعدها للنشر ناجي هيكل


القاهرة ـ خاص لـ'القدس العربي': كان من المشاهد اللافتة خلال ثورة شباب مصر في ميدان التحرير بالقاهرة مشهد بعض المتظاهرين الذين ارتدوا أكفانا بيضاء، تعبيرا عن استعدادهم للاستشهاد فداء لقضية الوطن والحرية. وقد جسد ذلك المشهد الإصرار العظيم الذي شكل ولا يزال يشكل أحد العناصر الرئيسية والمهمة في مسيرة الثوار. كما أنه يشكل تعبيرا قويا عن كل العوامل التي دفعت إلى الوصول إلى اللحظة الثورية التي اندلعت شرارتها في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011. يشكل هذا المشهد محور عمل روائي عظيم لم ير النور، أبدعه الراحل محمد عبد السلام العمري، الذي وافته المنية في الرابع عشر من شهر تموز/يوليو 2010، قبل اندلاع شرارة الثورة ببضعة شهور، والذي بهرنا بعمله الرائع 'اهبطوا مصر' وغيره من الأعمال التي ركز فيها على قضية حرية الوطن والمواطن وعلى حقوق الإنسان المهدورة في أنحاء كثيرة من وطننا العربي.
العمل الذي أشير إليه هو رواية 'مسيرة الأكفان' التي كان قد انتهى من كتابتها كما هو موضح في مخطوط الرواية في 7 كانون الأول/ديسمبر 2009، وخلال الشهور الأولى من عام 2010، أمضى العمري وقتا طويلا في وضع المخطوط في صورته النهائية قبل أن يعرضه على بعض الناشرين، لكن الرواية بما انطوت عليه من كشف لكل ألوان الفساد دعت أحد هؤلاء المسؤولين إلى أن يطلب من المؤلف الحضور إلى دار النشر لاستعادة مخطوطته فورا، معلنا أنه لا يمكن نشرها بأي حال من الأحوال في الظروف الراهنة.
سجل محمد عبد السلام العمري تاريخا ناصعا في معارضة نظام ما قبل الخامس والعشرين من يناير 2011، وتصدي في مختلف أعماله لكل قضايا الفساد السياسي والاجتماعي، سواء داخل مصر أو على اتساع خريطة الوطن العربي. وإذا كانت بعض رواياته قد اتخذت من الممالك الخليجية مسرحا لشخوصها وأحداثها، فقد كان همه الأول هو الدفاع عن حرية الإنسان العربي عموما والتطلع إلى مستقبل ينعم بالحرية والتقدم الاجتماعي والتحرر من الهيمنة الأجنبية بكل صورها.
وقد تناول كاتب هذه السطور معظم أعمال العمري على هذه الصفحة، وأهمها: 'اهبطوا مصر، النخيل الملكي، صمت الرمل، قصر الأفراح، مأوى الروح'. وكل هذه الأعمال تنبض بفكر العمري المعارض واللصيق بتراب الوطن والمتطلع دائما إلى مستقبل أفضل لأبناء وطنه والوطن العربي عموما. وتصدى العمري بوجه خاص لفساد الثقافة العربية والمسؤولين عنها، وأصدر، على حسابه الخاص، دراسة بالغة الأهمية تحت عنوان 'ثقافة الهزيمة' كشف فيها عن كل موبقات السلطة الثقافية التي احتكرت مقاليد التحكم في الشأن الثقافي في مصر لسنوات عديدة.
وكان الراحل الكبير قد دعاني إلى كتابة تعريف قصير بروايته توطئة لنشرها، فكتبت تحت عنوان 'ميراث الخراب' مقدمة قصيرة جاء فيها: 'محمد عبد السلام العمري، مؤلف اهبطوا مصر والنخيل الملكي وغيرهما من الأعمال التي صدرت عن حسٍّ واع بهموم الوطن والدفاع عن وجوده وهويته، يعود هنا، في مسيرة الأكفان، بنفس الروح القلقة والغيورة على مصير أمته، حاملا عدسته الأنثروبولوجية التي تغوص في محنة الوطن المركَّبة، صارخا، منذرا، هادرا، متأملا حال الوطن وما آل إليه من خراب ألمَّ بالنفوس وأتى على الأخضر واليابس على مدى العقود التي تلت ذلك الانفتاح المريب إلى دروب مظلمة اختلطت فيها الرؤى وتاهت معالم الطريق. مسيرة الأكفان مسخٌ كافكاوي صادم ومقلق إلى أبعد الحدود، يشق الحجُب عن واقع عفن ومهترئ، لكنه يحمل الأمل بأن تحقق المسيرة هدفها في إنقاذ الوطن قبل فوات الأوان'.
مسيرة الأكفانبقلم: محمد عبد السلام العمرياحملوا الأكفان، شعار غير مسبوق، تجمعت حوله جماهير الشعب عن بكرة أبيها، مؤيدة، هل أجبروا الشعب على حمل كفنه، أو أن الموت تساوى مع الحياة عند الناس، فخرجوا رافعين أكفانهم؟ لبسوا ملابس الإحرام البيضاء، الشعب بكل فئاته، خرج إلى الشوارع منذ صباح اليوم، عارفـا أن يوم موتهم طويل، تداخل الليل بالنهار، يحمل كل واحد كفنه، صائحـا: احملوا الأكفان، يمد كل فرد يديه أمامه، في وضع أفقى متواز، واضعا كفنه عليهما.احتشادات متنوعة مجتاحة من كل اتجاه، سمة الحشود البياض، خرجت المظاهرات، معبرة عن التمرد على القهر، والأوضاع القائمة، وكان الجوع الدائم قد عض البطون، فوضح المتظاهرون هكذا، هياكل عظمية.بدأت أحداث شغب حاملي الأكفان بالهتافات المعادية، متقدمين إلى مناطق منع الأمن وجود المظاهرات فيها، معبرين تعبيرا دقيقا، عن رغبة مجنونة في الموت، اجتاحت الشعب، اشتعلت المظاهرات أخذت تطوف العاصمة، رأى البعض أنها جديرة بالتأييد، بالأسلوب نفسه، انضموا إليها، حاملين أكفانهم، التي بدت في الأوان الأخير ملازمة للشخصية المصرية أينما رحلت.رددت المظاهرات هتافات عدائية ضد الأجهزة والقائمين على أمور الوطن، بدت واضحة حتى هذه اللحظة سمة التحضر والتنوع على المتظاهرين؛ حتى لا يعطوا الأجهزة الأمنية فرصة التصادم معهم، لم يتلفوا المنشآت، لم يحرقوا السيارات، تجمعاتهم الكثيرة في أنحاء متفرقة من العاصمة، بعض المدن، عطلت المواصلات العامة والخاصة، استعانوا بالأشجار والأحجار؛ لحماية أنفسهم من هجمة الأمن الشرسة، المتوقعة، التحموا بالشوارع، وأشعلوها، هتافـا مقاومة، وقد انضمت المظاهرات إلى بعضها، والتحمت، فأضحت العاصمة هديرا جارفًا من الهتافات والعداءات للحكم، متماسكة الالتحام، الرؤوس بالنسبة إلى الناظر من أعلى شوارع أسفلتية أفقية.تنطلق الحجارة من أكفانهم، تأتى أصوات ميكروفونات التحذير من مناطق متفرقة، متفهمة، داعية، منذرة، متوعدة، تسللت إلى الصفوف شراذم من الغوغاء، ضعاف النفوس، المخربين، جابت الشوارع والميادين الفرعية، والرئيسة، وقد أصر المتظاهرون على استمرار الشغب المتواصل؛ إذ في لحظة إنارة أيقنوا أن الحياة والموت متساويان، وأن لا فرق، وقد نالت مباني أقسام الشرطة بالذات ورجالها القسط الأوفر من الهجوم.نتج عن ذلك وقوع حوادث حريق، وإتلاف وتعد، قاوموهم باستدعاء فريق استخدام طلقات الرش في الهواء، القنابل المسيلة للدموع.
تتطاير الأكفان في الهواء؛ جراء الاختناق، مستنجدة بمسامها التي تخترق قدرا من الهواء النقي والأكسجين، معترضة على طريقة الخنق المستحدثة هذه، تتساقط من عليائها، من أعلى شظايا طلقات الرش، لكنها الأكفان تأخذهم، تحرضهم، تساعدهم على اختراق جموع أبناء الوطن وحشوده، حاملي الأكفان.
استعدوا للموت استعدادا يليق بشعب عريق؛ فقام كل واحد بطريقته الخاصة، باختراع الوشم اللائق به، والمريح وتصميمه وتنفيذه، وشم أحدهم اسمه بين الكتفين، ثم أضاف إليه رقم قسيمة الزواج، آخر سهلت له إحدى شركات المحمول رقما متطابقا، مع رقم لوحة سيارته، منهم من وشم عضوه، آخر وشم باطن قدمه، تشابهت الوشمات كثيرا؛ حيث ملايين الشعب بدأت بنقش الأوشام؛ فتعددت عناوين المنازل على أجساد البعض، مفكرا في تلك اللحظة، التي تعاقبت فيها طلقات الرش، أن يضيف هواتف أخرى لعدد من الأصدقاء والأقارب، ربما على السواعد والأقدام.بثت ظاهرة الجثث مجهولة الهوية الرعب في أرجاء الوطن، دفعت الشعب إلى البحث عن وسائل تمكن ذويهم من التعرف على جثثهم. وقد أتقنوا نقش الوشم على الجسد عندما كانوا نزلاء سجون زاهي بدران مسؤول أمن الوطن، مارسوا النقش من باب الهواية، وتزجية الوقت، وخدمة الأصدقاء، وعندما انتشرت هواية نقش الأجساد، أصبحت هناك أيدٍ عاملة متخصصة، بعد أن كانت عاطلة، احترفت المهنة، تزاحموا، وقفوا طوابير طويلة، من دون أن يعرفوا الأسباب، كعادة المصريين، ارتعدوا من فرق الموت الخاطفة، ومن المصير الذي انتهى إليه البعض.
ترددت الأنباء عن الجثث المجهولة التي ملأت شوارع القاهرة، والمدن المصرية الأخرى، يتم العثور عليها يوميـا عقب صلاة الفجر، يجدونها مشوهة، ممثلاً بها؛ فلجأوا إلى النقش التعريفي. عارفين أن هذا النقش لن ينفع إذا أرادوا تشويه الجثة وإحراقها.استسلم المصريون للأمر الواقع مع حوادث الموت، مجهولة المصدر؛ باعتبارها أمرا محتوما، فظهرت موضة بين المتخصصين موازية لحوادث الموت، على مستويات اجتماعية متعددة، حكومية، دينية، قبلية نتجت عن تأثير موجات العنف والقتل، المتبادل على الهوية الوطنية.في أوان آخر، لاحظوا ارتفاع مستويات التشويه؛ نتيجة استحداث أجهزة التعذيب؛ إذ ظهرت جثث عليها آثار الحرق بحامض النتريك، على الوجوه تحديدا.وقف الشعب طوابير طويلة عديدة أمام مشارح المستشفيات العامة والخاصة، كأول خطوة تسبق البحث في مراكز الشرطة، فيما نجحت طريقة الوشم على الجسد، في تمييز بعض الأهالي لضحاياهم من بين مئات الجثث الملقاة في زوايا مشارح المستشفيات، قررت الحكومة تنفيذ مشروع توسعتها عدة مرات عن سعتها الحالية.اتخذت خطوات سياسية وأمنية لتحد من نفوذ فرق الموت الحكومية، غير المرصودة، غير المعروف مركزها، لم يكن أحد يعرف لمن تتبع؟ استعاروا أسلوب التعرف على الهوية من عصابات العالم المنظمة، المتخصصة، معاينة بعض الجثث أثبتت وجود نسق معين للوشم، سواء في اختيار المكان والخط، أو في الشكل المنقوش.الإبر والرماد والألوان الخضراء والحمراء حسب طلبات الشعب هي وسيلة الوشم وسمته، كما أن البعض وشم جسده ببرج حظه، فظهرت العقارب، العذراء، الجوزاء، الحملان، الأسود، وغيرها من الأوشام، مثل الطيور والنساء العاريات، والأخرى محجبات ومنتقبات.طلب البعض كتابة الرسائل الوشمية التي تفيد بأنه إنسان مسالم، ليس له في أي أحزاب سياسية، أو معتقدات دينية، غير مشاغب بالمرة، يرغب في المشي على الحائط، أو داخله إن أمكن، يرغب في سلام دائم.وهكذا بدت عدوى الموت في الانتشار، عندما تمشي في شارع ما أو تقود سيارتك في شارع آخر، تجد الجثث المشوهة الملقاة على جانبي الطريق، إلى الدرجة التي لاحظ فيها أحد أصحاب السيارات، جثثـا ممدة بالتوازي على الطريق الدائري، بدءا من المنيب حتى مسكنه عندما نزل في التجمع الأول بالقاهرة الجديدة ، وعندما ركن سيارته وجد جثثا في الجراج، وأخرى على باب فيلته، وأينما تكن تظهر الجثث، وقد انتشرت الروائح متنوعة الكراهة.
سمة الجثامين التشوه، في مكان ما من جسده، هناك مجزرة، تبدو أحيانا غير واضحة، وأخرى ظاهرة للعيان، كسحق الجماجم، وقطع الرقاب، الكلاب دائمة تنهش الجثث، تتناوبها واحدا إثر آخر، وبدا أن لكل جثة عدة كلاب، تتناطح، و'تهوهو'، وتقاتل في التمزيق، والنهب والقطع، تمزق الملابس والأجساد وتنهش، تسيل الدماء من أشلائها، وعندما تبدو أنها تناولت القدر الكافي، تتأنى ثم ترفع رأسها، تهزها شمالا ويمينـا، ثم تتقمص زئيرا، وعواء المنتصرين، مستعدة لنهش جديد.لقد تعددت الأسباب التي جعلت اجتماعات الحكومة من الأهمية بمكان، آخر من يعلم دائما، وآخر من يحضر، وآخر من يتفاعل، ثم تشكل اللجان عديمة الفائدة، وقد حملوا المواطنين تبعات الأخطاء المتعددة، والمتكررة.بدا أن الشعب لديه رغبة عنيفة في الموت، يتحين الفرص ليخلق جو الموت المناسب، يتحركون في كل مكان مستعدين له بحمل الأكفان، التي ظهرت واضحة أعلى قطارات السكك الحديد، بكثرة غير متعارف عليها، يتسلقون سطوح القطارات، يعبثون بأجهزة الربط، بسبب غلق الجزرة المتصلة بقوة الفرامل، من خلال كومبروسر الهواء، من الجرار إلى العربات، يؤدي إلى فصل الهواء بين الجرار والعربات، اندفاع رهيب، يخرج الجرار من مساره ، يرتطم بالأسوار، والمحلات والأسواق ، والعمارات، تأتي الأوناش، وعربات الإسعاف متأخرة، كتل الأهالي المتوجسة، الملتاثة، تحيط بالمكان، يعيقون حركة الإسعافات، مثل انهيار العمارات، سمتها تكدس الموتى والجرحى، تضيع هوية البعض، يدفنون بمدافن الصدقة التي امتلأت عن آخرها.
عجز الوطن عن التخلص من موتاه، أو الوصول إلى اتفاق معهم، يطاردهم ويطردهم؛ مما حفز الموتى على التضامن مع حملة الأكفان، خرجوا من مقابرهم، متبرعين بأكفانهم للموتى الذين ليس لديهم المقدرة على شرائها. أوقدوا شموعا في القبور لاستقبال القادمين، وقد عرفوا سر الموت، فما ان يرقد الإنسان ، حتى يبدأ التراب في احتوائه داخل الأرض من جديد؛ فمنذ لحظة ولادته من بطن أمه، تبدأ قوة الأرض وجذبها تعمل عملها فيه.والحال هكذا، تزايد بلا حدود إلى درجة الازدحام، الضرب والمضايقات، السحل والسحق، أعطى هذا معنى واحدا، فهمه كل من شارك في مسيرة الأكفان، هذه التي تتجه إلى قبلة الوطن، من كل اتجاه، خروج تلقائي هكذا بالفطرة، من دون أي تخطيط، مطالبهم تعددت، تمس عناصر الحياة كاملة، وكما كانت الأجساد موشومة بعلامات وأرقام ورموز، وشموا الأكفان بما هو متعارف عليه من مطالبهم، نقلتها الفضائيات، وبدا أن ليس لتلك الفضائيات من عمل إلا نقل مسيرة الأكفان هذه، غير المتعارف عليها في أي وطن من أوطان العالم، المعنى العميق لها، أنه ليس بعد الموت ذنب؛ إذ ان برامج كاملة ومتعددة، ومتنوعة، في قنوات فضائية عديدة خصصت أوقات بثها المباشر بالكامل لتصوير مسيرة الأكفان هذه، والنعوش المصاحبة لها، وصلاة الجناز، وسرادقات العزاء، وبدا أن جنازات النجوم، سرادقات عزائهم أصبحت مادة تلفزيونية، تسعى إليها برامج الكلام الممنظرة، اليومية كجزء من متابعاتها المستمرة للأحداث، وكتوثيق يهم الجماهير كافة.تطورت عملية النقل المباشر بتصوير لقطات من عملية الدفن الأخيرة، داخل المقابر من دون مراعاة لحرمة تلك اللحظات المؤلمة والخاصة، وحرمة المقابر بشكل عام، وقد أضاف إلى كل ذلك نوعـا جديدا من حلقات الجنازات، والبكاء على الراحلين، والعويل، والألم، يشاهدها الناس حصريـّا، كما يشاهدون الأفلام والمسرحيات، نقلت إحدى الفضائيات المتخصصة جنازة كتاب، تم تشييد ماكيت له، وتكفينه، ووضعه أمام إحدى دور النشر، وقد وضعت نشرة بجانبه توضح أنه بالإضافة إلى معاناة سوق الكتب من عدم إقبال القارئ المفترض، وفي سياق هذه المنظومة الاقتصادية المعرفية المتداخلة مع إيقاع سريع لعصر المعلومات، أدركت دور النشر عمق الأزمة، وشدة تعقيدها؛ ولذا تخيلنا الحال كما تشاهدون.انتشرت الصرخة، حتى في السجون، لقد قرر المسجونون في كل أنحاء سجون الوطن تقديم أكفانهم، وأكفان عائلاتهم إلى مكتب النائب العام، في ظاهرة احتجاجية على استمرار حبسهم، طلب أحدهم، قلدوه فيما بعد، من أفراد أسرته شراء كفن، وإيداعه داخل أمانات السجن المحبوس فيه حاليـًّا، على خلفية الأزمة الصحية التي تعرض لها خلال فترة سجنه؛ بما يشير إلى أن الزعيم ينتظر الموت على طريقة الأفيال.ôاستحدث الموتى صرخة مقاومة جديدة احتجاجا على ما آل إليه حال الوطن؛ ظهر منها أن الموتى يلفون الحواري، وداير الناحية في القرى، يلقون نظرة الوداع على الدنيا قبل مغادرتها، كأنهم يلوحون التلويحة الأخيرة للأحباء الحاملين أكفانهم، وبدا أن هناك أكثر من موجة أموات تقوم باللفة الأخيرة.جئ بالقرابين الذهبية، تتمايل النعوش، تقفز إلى الأمام، متقبلة الموت بصدور رحبة، ساعية جريًا إليه، فرحة به، من شدة جريها تسقط النعوش بقوة على الأرض، تنفتح، تتهادى الجثث متدحرجة إلى الخارج، جارية، طائرة، ثم تندفع في ألحادها، بسرعة صاروخية، مستقرة آمنة.فرض موت أبناء الوطن جماعيـّا طقوسـا جديدة للأعياد، جاعلة من زيارة القبور الاحتفال الأكبر؛ حيث استقبلت المقابر أعدادا قياسية هذا العام، ولم يتسع الوقت للأقارب والمعارف لوداعهم.القاهرة، مدينة نصر26 من إبريــــل 2003 فجر الاثنين 7 من ديسمبر 2009 الفصل الأخير من رواية 'مسيرة الأكفان' للمبدع الراحل محمد عبد السلام العمري. قيد الطبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق