الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

ناجي هيكل--1- من علامات الساعة ظهور الفتن. 2- تحذير النبي  من الفتن

1- من علامات الساعة ظهور الفتن. 2- تحذير النبي  من الفتن. 3- الشرق هو مصدر الفتن. 4- مقتل عمر ومقدم الفتن. 5- بعض علامات الساعة والتأويل الصحيح لها.

أما بعد: ففي أول خطبة لي بعد الأحداث
وَعَدت بذكر بعض الفتن التي تأتي من المشرق، ومعلوم أن أحاديث الفتن كثيرة جدًا، وقد حذر رسولنا محمد  أمته من الفتن وأمر بالتعوذ منها، وأخبر أن هذه الأمة سيصيبها بلاء وفتن عظيمة، وليس هنالك عاصم منها إلا الإيمان بالله واليوم الآخر ولزوم جماعة المسلمين وهم أهل السنة والجماعة وإن قلّوا، والابتعاد عن الفتن والتعوذ منها, روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)). وقد أخبر رسول الله  وهو الصادق المصدوق عن علامات كثيرة تدل عن قرب وقوع القيامة، وذكر عليه الصلاة والسلام أشراطًا وعلامات للساعة، ومنها: ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان في القلوب حتى يصبح الرجل وهو مؤمن ويمسي كافرًا ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، وذلك لكثرة الفتن وحيرة الشخص المسلم فيها وخاصة من كان إيمانه ضعيفًا، وكلما ظهرت فتنة قال المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف ويظهر غيرها في الناس إلى أن تقوم الساعة
.

روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا؛ يبيع دينه بعرض من الدنيا)).، وعن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي  قالت: استيقظ رسول الله  ليلة فزعًا يقول: ((سبحان الله! ماذا أنزل الله من الخزائن؟! وماذا أنزل من الفتن؟! من يوقظ صواحب الحجرات ـ يريد أزواجه ـ لكي يصلين، رُبّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: نادى منادي رسول الله : الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله  فقال: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أنْ يدلّ أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرَهَا بلاء ٌوأمورٌ تنكرونها، وتجيء الفتن فيرقِّق بعضُها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يُزَحْزَحَ عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر)) رواه مسلم.

وأكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين منذ صدر الإسلام وحتى قيام الساعة منبعها من الشرق حيث يطلع قرن الشيطان، وقد أخبر بذلك رسول الهدى محمد  في أحاديث عدة، منها ما هو في المشرق عمومًا ومنها الخاص بالعراق، فأول الفتن كان منبعها من المشرق، وكانت سببًا للفرقة بين المسلمين، وانتشرت البدع وخرجت الفرق الضالة والمنحرفة من العراق حيث ظهر الخوارج والروافض والباطنية والقدرية والجهمية والمعتزلة وغيرهم من الفرق التي لا تلتزم بكتاب الله وصحيح سنة رسول الله . هذا الظهور لتلك الفرق في القديم، ولا زالت أيضًا في الحديث، وزيادة عليها في هذا العصر خرجت وظهرت على الساحة أحزاب كفرية منها الشيوعية والعلمانية والبعثية والقومية وغيرها من الديانات الأخرى، هذا في العراق خاصة وما جاورها ومن جهة المشرق عمومًا، ولقد ظهرت الفتن العظيمة مع المذاهب الهدامة في القديم والحديث ولا تزال إلى أن يخرج يأجوج ومأجوج من جهة الصين والمشرق عامة، ومناصرة سبعين ألفًا للدجال من يهود أصبهان. ومن المذاهب التي ظهرت من المشرق القاديانية والبهائية والزرادشتية والبوذية، وأخطرها الشيوعية التي مركزها روسيا والصين.

ومن أكبر ما حل بالمسلمين وديارهم من الدمار والقتل والشر العظيم كان على أيدي التَّتار الذين ظهروا من المشرق في القرن السابع الهجري، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمامان الجليلان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رسول الله  وهو مستقبل القبلة يقول: ((ألا إن الفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان))، وقرن الشيطان قيل: قوة الشيطان وأتباعه، وقيل: إن للشمس قرنًا على الحقيقة، وقيل: إن الشيطان يقرن اسمه بالشمس عند طلوعها ليقع سجود عبدتها له، ولعل هذا الأخير هو الأقرب حيث ورد النهي عن رسول الله  بعدم السجود والصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأنها تطلع وتغرب على قرن الشيطان؛ لئلا يسجدوا للشيطان مشابهة لمن يعبده ويعبد الشمس. قال رسول الله : ((رأس الكفر من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) يعني المشرق. رواه مسلم. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: دعا النبي : ((اللهم بارك لنا في صاعنا ومدِّنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا))، فقال رجل من القوم: وعراقنا؟ قال: ((إن بها قرن الشيطان وتَهَيُّج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق)) رواه الطبراني في الكبير ورواته ثقات، وفي رواية البخاري رحمه الله بنحوه إلاَّ أنه جاء بدل ((وعراقنا)) ((وفي نجدنا))، إلى أن قال: ((هناك الزلازل والفتن، وبها يطلع قرن الشيطان)).

وقد بدأت الفتن منذ قتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكُسِرَ الباب الذي دون الفتن، واستمرت ولا تزال إلى قيام الساعة، ومنشؤها من المشرق وخاصة العراق وإيران بلاد فارس وكل ما كان من دول الشرق أيًا كانت عربية أو غير عربية، سواء كان منشأ الفتنة وبدايتها من العرب أو الأعاجم من المسلمين أو الكفار في أيّ دولة ومنطقة شرقية عن المدينة النبوية من حيث أشار رسول الله  في ناحية المشرق، فالمهم أنها من المشرق وإن جاء قمع الفتنة وضرب رأسها من الغرب أو الشرق.

فكان مقتل عمر رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي من المشرق بلاد فارس، وكان ذلك في المسجد وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، ثم كان مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه على يد طائفة من دعاة الشر والضلالة الذين تألَّبُوا عليه من العراق وغيرها، وقتلوه وهو محاصر في داره رضي الله عنه.

ولنستمع إلى حديثين صحيحين عن كسر الباب المغلق دون الفتن وهو عمر رضي الله عنه وذلك بقتله، وكان يسأل الصحابة قبل القتل عمّن يحفظ ذلك الحديث، فهو يعرف أنه سيقتل ولكن لا يعرف من يقتله ومتى يقتل. أما علمه بذلك فمن هذا الحديث والحديث الآخر الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله . وكذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث أخبره بأنه سوف يصيبه البلاء، وقد حصل ما أخبر به رسول الله ، ثم تتابعت وتتالت الفتن في هذه الأمة من أجل الامتحان والابتلاء واختبار الصبر والمصابرة وتمحيص الإيمان وتخليصه من الدخن والنفاق وظهور المؤمنين والمنافقين كلّ على حقيقته، ولكي تقع الأحداث والوقائع والعلامات مطابقة وموافقة لما ورد عن رسولنا محمد  ليتضح صدقه وصدق رسالته وأنه لا ينطق عن الهوى، مع أن بينه وبين هذه العلامات التي أخبر عنها وتأتي بعده مئات السنين وعشرات القرون.

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيكم يحفظ قول رسول الله  في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال، قال: هات إنك لجريء، قال رسول الله : ((فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))، قال: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر، قال: يا أمير المؤمنين، لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: يُفتح الباب أو يُكسر؟ قال: لا بل يُكسر، قال: ذلك حَرِيٌّ أن لاّ يُغلق، قلنا: عَلِمَ الباب؟ قال: نعم كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأله ـ أي: هابوا أن يسألوا حذيفة عن الباب من هو ـ قالوا: فأمرنا مسروقًا يسأل حذيفة: من الباب؟ قال حذيفة: هو عمر. رواه مسلم.

فوقع خبر الصادق المصدوق  بكسر الباب، وذلك بقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وظهرت الفتن ووقع البلاء، وكانت أول فتنة بعد ذلك بقتل الخليفة الراشد أيضًا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد ذكر ذلك له رسول الله  بعدما بشره بالجنة وأنه سوف يصيبه بلاء، وكان يعلم ذلك تمامًا كما قال له أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وكما ورد في الحديث الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله حيث قال أبو موسى: خرج النبي  إلى حائط من حوائط المدينة، فذكر الحديث ومجيء أبي بكر وعمر، إلى أن قال: فجاء عثمان فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك، فقال النبي : ((ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه)). ثم تتابعت الفتن بموقعة الجمل وموقعة صفين وظهور الخوارج وموقعة الحرة وغيرها من الفتن التي حُفظت في كتب التاريخ والسير.

 

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليمًا.

أما بعد: فقد فسر بعض المسلمين أحاديث حسر الفرات وأحاديث تقع في آخر الزمان بعد وقوع الأحداث الأخيرة في منطقة الخليج وكذلك النار التي تخرج وتضيء لها أعناق الإبل ببصرى فسروها بآبار البترول التي فُجِّرت واحترقت في الحرب وارتفعت فيها النيران حتى شُوهدت أعناق الإبل في ضوء هذه النار من البصرة في العراق، وهذا في الحقيقة تعسّف في تفسير الحديث لأنه واضح لا يحتاج إلى هذا التأويل، وقد ظهرت النار فعلاً في الحرة في جانب المدينة المنورة بأرض الحجاز في القرن السابع الهجري، وبالتحديد في سنة 654 من الهجرة النبوية، وشاهد من كان في البصرة في ذلك الزمان ظلّ أعناق الإبل في ضوء تلك النار كما أخبر عنها الرسول محمد . عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى)) رواه البخاري ومسلم.

وأما عن تفسيرهم لانحسار نهر الفرات باختلاطه بالبترول فهذا تأويل في غير محلّه؛ لأن الحديث واضح لا لبس فيه، وأن الانحسار وعدم جريانه ووصوله إلى نهايته في الخليج بسبب ظهور جبل من ذهب ويقتتل الناس عنده مقتلة عظيمة لا ينجو من المائة إلا واحد فقط، وقد يكون خروج ذلك الجبل الحقيقي من الذهب كما هو معلوم ومشاهد من أن باطن الأرض نار تتأجج، وكل شيء بداخلها مُنْصَهِرٌ، فإذا أراد الله عز وجل والعلم عند الله عندما يريد ويشاء تفجير ما في باطن الأرض وإخراجه على الأرض يكون البركان المعروف حيث تقذف الأرض ما في باطنها وتتكون الجبال البركانية ثم تبرد بعد ذلك مكونة الجبال مثل التي نراها، فينحسر الفرات فعلاً عن وصوله إلى نهايته بسبب ذلك الجبل من الذهب كما أخبر رسول الله ، والله أعلم. روى البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: ((لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو)).

ويزيد الأمر وضوحًا بأنه ذهب حقيقي وليس النفط كما يزعمون ـ ويسمونه بالبترول ـ الحديث الذي نهى فيه الرسول  من حضره أن يأخذ منه شيئًا، ومعلوم أن الشخص لا يحمل إلا ما كان جامدًا وصلبًا لا ما كان سائلاً وخاصة الأفراد الذين يحضرونه ويقتتلون عليه، روى الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول: ((لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا)) إلى أن قال: ((يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئًا)).

وأما عن قتال المسلمين للروم وتفسيرهم بأنه هذه الحرب الآن التي وقعت في الخليج واستخدام المواد الكيميائية بحيث يخر الناس ميتين بسببها حتى الطير في الهواء، فهذا وإن كان الحديث صحيحًا ولكنه في آخر الزمان يقع في الشام قبل ظهور الدجال، وينتصر المسلمون على الروم، ويكون ذلك تهيئة لفتح القسطنطينية الفتح الثاني والأخير قبل خروج الدجال بمدة يسيرة جدًا، والحديث رواه الإمام مسلم، وأكتفي بذكر بعضه لطوله فقال: ((عدو يجمعون لأهل الإسلام))، قلت: الروم؟ قال: ((نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجر بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة)) وكرر ذلك ثلاث مرات ـ أي: ثلاثة أيام ـ ((فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم ـ أي: نهض وتقدم ـ بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم ـ أي: الهزيمة ـ، فيقتلون مقتلة لم يُرَ مثلها، حتى إن الطائر ليمرّ بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخرَّ ميتًا، فَيَتَعَادَّ بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يُفرح؟! أو أي ميراث يقاسم؟! فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة))، فقال رسول الله : ((إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)) أو: ((من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)) رواه مسلم.


والذي أقصده هنا هو عدم تسرّع طلبة العلم وغيرهم في تأويل الأحاديث من علامات الساعة والجزم بأنها كذا وكذا وأنها هي هي، خاصة في هذه الأيام والأيام القادمة وكلما ازدادت الفتن وظهرت، إلاَّ ما كان ظاهرًا وواضحًا ومطابقًا لنص الحديث النبوي فهذا لا إشكال فيه إذا لم يحتمل غيره أو يُعارَض بغيره. فواجب المسلمين عامة وطلبة العلم خاصة التّريث والتثبت وعدم التسرع في حياتهم كلها، فضلاً عن أيام الفتن والمحن، سواء تلك التي نعيشها الآن أو من يأتي بعدنا، فكم حصل من الفتن ومن العلامات الصغرى ومن الوسطى التي لم تكتمل حتى الآن مع مرور السنين منذ الفتنة الأولى في ثلث القرن الأول وحتى هذا القرن الخامس عشر الهجري، ولا زالت العلامات تقع حتى قيام الساعة، والله أعلم متى تكتمل الوسطى منها ثم يأتي تتابع الكبرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق