الخميس، 19 ديسمبر، 2013


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي (23 أكتوبر 1947- 17 أبريل 2004)
نحن اليوم في زمن الجهاد والإستشهاد، والثقافة التي يجب أن تحتل الحيّز الأكبر من عقولنا وقلوبنا وتوجهاتنا وسلوكياتنا، هي ثقافة المقاومة، وما ينبثق عنها من فكر جهادي يرى الشهادة أسمى الأماني في هذه الحياة، لأنها هي وحدها التي تقود العرب والمسلمين إلى تحرير بلادهم من الإحتلالات التي شملت الكثير من أرضهم بصورة علنية وفي وضح النهار، أما الاحتلالات المقنّعة، فشاملة، ولن ينجينا منها سوى النفير العام، خفافاً وثقالاً، جهاداً واستشهاداً، وليس من طريق للنجاة سواه، مهما تفلسف المنهزمون من الداخل والخارج.
والقائد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي واحد من مئات الألوف الذين ساروا على هذا النهج، إلى أن نال إحدى الحسنيين، وسوف ينال السائرون على دربه نصراً أو شهادة.

حياته


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي
هو عبد العزيز علي عبد الحفيظ الرنتيسي, ولد في 23/10/1947 في قرية يبنا الواقعة إلى الشرق من مدينة يافا، وقرب عسقلان في 23/10/1947 وبعد أقل من عام، طردت العصابات الصهيونية أسرته إلى قطاع غزة، واستقرت في مخيم خان يونس للاجئين وكان عمره وقتها ستة شهور ونشأ الرنتيسي بين تسعة إخوة وأختين التحق وهو في السادسة من عمره بمدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين واضطر للعمل أيضا وهو في هذا العمر ليساهم في إعالة أسرته الكبيرة التي كانت تمر بظروف صعبة وأنهى دراسته الثانوية عام 1965.
ويتذكر الرنتيسي طفولته فيقول:
"توفي والدي وأنا في نهاية المرحلة الإعدادية فاضطر أخي الأكبر للسفر إلى السعودية من أجل العمل".
ويردف:
"كنت في ذلك الوقت أعد نفسي لدخول المرحلة الثانوية، فاشتريت حذاء من الرابش، (البالة)، فلما أراد أخي السفر كان حافيا، فقالت لي أمي أعط حذاءك لأخيك فأعطيته إياه، وعدت إلى البيت حافيا... أما بالنسبة لحياتي في مرحلة الثانوية فلا أذكر كيف دبرت نفسي".
زار مرة واحدة قريته (يبنا) فوجد أسرة من اليهود تسكن بيته الذي ولد فيه، جاءت الوكالة اليهودية بها إلى قريته، وملكتها بيته وأرضه، وتجرع الشاب المرارات والحسرات، واختزنها في نفسه الثائرة، لتظهر بعد حين في حركة واعية منظمة تدرك رسالتها ووظيفتها في هذه الحياة.

تعليمه

كان عبد العزيز الرنتيسي من المتفوقين، وهو ما أهله للحصول على منحة دراسية في مصر على حساب وكالة غوث اللاجئين (أونروا) وهناك درس طب الأطفال في مصر لمدة 9 سنوات وتخرج في كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1972، ونال منها لاحقاً درجة الماجستير في طب الأطفال، ثم عمل طبيبا مقيما في مستشفى ناصر (المركز الطبي الرئيسي في خان يونس) عام 1976 شغل الدكتور الرنتيسي عدة مواقع في العمل العام منها: عضوية هيئة إدارية في المجمع الإسلامي والجمعية الطبية العربية بقطاع غزة والهلال الأحمر الفلسطيني وعمل في الجامعة الإسلامية في غزة منذ افتتاحها عام 1978 محاضرا يدرس مساقات في العلوم وعلم الوراثة وعلم الطفيليات.

في الإخوان المسلمين

وعن بداية مشواره مع الحركة الإسلامية يقول الرنتيسي إنه تأثر أثناء دراسته بمصر كثيرا بالشيخين محمود عيد وإبراهيم المحلاوي، وكانا يخطبان في مسجدي السلام وإبراهيم باشا في القاهرة ، وكلاهما من رجال الإخوان المسلمين.
ولما عاد إلى غزة ، كان يحمل في نفسه وقلبه وعقله تلك الأفكار الجريئة التي قادته إلى الحركة الإسلامية، ليصبح أحد أبرز رموزها، ليس في غزة أو فلسطينوحدها، بل على مستوى العالم، فقد غدا اسمه على ألسنة الناس التي انطلقت تتحدث عن آرائه ومواقفه
وأضاف الرنتيسي:
"كانت الخطب سياسية حماسية؛ فمحمود عيد كان يدعم القضية الفلسطينية، وكان يواجه السادات بعنف في ذلك الوقت؛ وهو ما ترك أثرا في نفسي، فلما عدت من دراسة الماجستير بدأت أتحسس طريقي في الحركة الإسلامية مقتديا بأسلوبه ونهجه"، موضحا أن أول مواجهة له مع الاحتلال الإسرائيلي كانت عام 1981 حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية ثم اعتقل على خلفية رفضه دفع الضرائب لسلطات الإحتلال.

من مؤسسي حماس


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي مع الشيخ أحمد ياسين
كان أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في "قطاع غزة" عندما حدثت حادثة المقطورة، تلك الحادثة التي صدمت فيها مقطورة صهيونية سيارة لعمال فلسطينيين، فقتلت وأصابت جميع من في السيارة، واعتبرت هذه الحادثة بأنها عمل متعمد بهدف القتل مما أثار الشارع الفلسطيني؛
خاصة أن الحادثة جاءت بعد سلسلة من الاستفزازات الإسرائيلية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني؛ خاصة طلاب الجامعات الذين كانوا دائما في حالة من الاستنفار والمواجهة شبه اليومية مع قوات الاحتلال.
وقد خرجت على إثر حادثة السير المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في (جباليا) أدت إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى، فاجتمع قادة الإخوان المسلمين في قطاع غزة وعلى رأسهم الرنتيسي على إثر ذلك، وتدارسوا الأمر، واتخذوا قرارا مهما يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد الإحتلال الصهيوني.
وتم اتخاذ ذلك القرار التاريخي في ليلة التاسع من ديسمبر 1987، وتقرر الإعلان عن "حركة المقاومة الإسلامية" كعنوان للعمل الإنتفاضي الذي يمثل الحركة الإسلامية في فلسطين، وصدر البيان الأول موقعا بـ "ح.م.س".
هذا البيان التاريخي الذي أعلن بداية الإنتفاضة والذي كتب لها أن تغير وجه التاريخ، وبدأت الانتفاضة وانطلقت من المساجد، واستجاب الناس، وبدأ الشعب الفلسطينيمرحلة من أفضل مراحل جهاده.
ويقول الرنتيسي عن قصة إنشاء الحركة:
"كنت مسئول منطقة خان يونس في حركة الإخوان المسلمين، وفي عام 1987 قررنا المشاركة بفاعلية في الإنتفاضة، وكنا سبعة.. الشيخ أحمد ياسين وعبدالفتاح دخان و محمد شمعة و إبراهيم اليازوري و صلاح شحادة و عيسى النشار، وقد اخترنا اسما للعمل الحركي هو حركة المقاومة الإسلامية ثم جاء الاختصار إلى حماس".
بعد استشهاد الشيخ أحمد ياسين، رحمه الله، اختير الرنتيسي قائداً لحركة حماس في غزة، في 23/3/2004 فقد كان مجمعاً عليه.
قال الرنتيسي لصحفي سأله عن (صراعات) داخل حماس، حول خلافة الشيخ الشهيد أحمد ياسين، رحمه الله: "نحن لا نتنافس على القيادة.. بل نتنافس على الشهادة".

زواجه

تزوج الدكتور عبد العزيز من فتاة ملتزمة ولا تقل عن زوجها فاعلية ونشاطاً في الحركة الإسلامية، وله منها ستة أولاد، ذكران (محمد وأحمد) وأربع بنات (إيناس، وسمر، وآسيا، وأسماء).
ويكفي أن نعرف أنها استقبلت نبأ استشهاد زوجها برباطة جأش، وقوة جنان، وقالت: الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله، ولم تقل إلا ما يرضي ربها، واستقبلت المهنئين باستشهاد زوجها في حزن كظيم.

شخصيته


الشهيد عبد العزيز الرنتيسي ومحمود الزهار وعزيز الدويك شبابا
كان زعيماً سياسياً فذاً، وقائداً شجاعاً، جريئاً في قول كلمة الحق، وفي التصدي للصهاينة اليهود وغير اليهود ، لم يخف من عمليات الغدر التي يقومون بها لاغتياله، ولم يخش الآلة العسكرية الجبانة التي يستخدمها الشوارين في ملاحقته وإخوانه.. كان يعد نفسه مشروع شهادة يتمنى تحقيقه، ويسعى إليها، ولولا ضرورات العمل، لما اختفى عن الأنظار، ولولا وجوب الحذر المأمور به شرعاً وتنظيماً، لبرز إلى أولئك الأفاقين وجهاً لوجه.
ومع ذلك، كان يستقبل الصحفيين في قاعة استقبال تقع في الطابق الأخير من مبنى صغير في شارع فلسطين، في حي الشيخ رضوان في غزة هاشم.
كانت له شخصيته الرزينة، ومنطقه الحكيم الذي يقنع به محاوره، ويعبئ به الجماهير، ويغيظ الصهاينة وعملاءهم.. شخصيته شخصية مواجهة دون مواربة، فقد كان يرى ويطالب بضرب أي إسرائيلي تقدر على ضربه في أي زمان ومكان، لأن الإسرائيلي محارب خسيس يتزيا للناس بأزياء مخادعة، وإذا تمكن منك غدر بك.
وشخصيته القوية العنيدة في مواقفها السياسية والجهادية، جعلت له سجلاً حافلاً بالكفاح في سائر الميادين، وعرضته للاعتقال، من اليهود ومن عناصر السلطة، مرات ومرات، وعرضته للإبعاد إلى مرج الزهور، وإلى التعذيب لدى كل من الأعداء والخصوم الذين كانوا يسعون للقضاء عليه بشتى السبل والأساليب.

من صفاته

أنه ذو قلب كبير، وصفه ابنه الكبير محمد بقوله:
"إن الصورة التي في أذهان الناس عن والدي، أنه الثوري الشديد وهذا صحيح لكنه داخل الأسرة، صاحب الحنان الكبير، والقلب الرؤوف الهادئ.. كنا إذا أصررنا على شيء ربما لا يريده، كان ينزل عند رغبتنا ويراضينا، خطابه المتشدد في الإعلام لم يكن في المنزل. وأكثر حنانه ومحبته كانت لأحفاده، فقد كان يحب الأطفال".
كان يربي أولاده على الرجولة بكل ما تعني من صفات الشجاعة والنجدة والكرم، وسواها من السجايا الحميدة.وهو قيادي متمرس، وصاحب مدرسة في التعبير عن مواقف لم يكن يراها تحتمل التهاون.
وهو نموذج للقيادي القريب من نبض شعبه، كان ديدنه، منذ كان طبيباً لخان يونس، تقديم ما يستطيع للفقراء من أبناء الشعب، ولم ينقطع عن معايشته المباشرة للمواطنين، فكان قريباً منهم في المعتقل، وفي السجن الكبير الذي يحمل اسم قطاع غزة.
وكان ربانياً يرى المقاومة دليلاً على صدق الإيمان، وأن الإيمان وقود المعركة.وكان قوي الأمل بنصر الله القريب، حتى وهو يعيش أقسى الظروف.
وأن هذه المرحلة القاسية التي تحتاج إلى الكثير من الصبر والتحمل، هي المرحلة الماهدة لمرحلة التمكين في الأرض إن شاء الله.
وكان مجاهداً ومشروع شهادة يسعى إليها ليظفر بالفردوس الأعلى.وهو مقاوم تسكنه روح المقاومة، ويرفض أي نوع من أنواع الاعتراف بالكيان المسخ.
وكان صاحب نخوة ومروءة ونجدة، يضني جسمه من أجل الآخرين، وخاصة الفقراء والمحتاجين.. كان في سبعينيات القرن الفائت يذهب إلى القرى النائية في البادية مشياً على قدميه، قاطعاً العديد من الكيلومترات، وهو يحمل حقيبته الطبية، من أجل تطبيب الفقراء، وختان أطفالهم مجاناً..
وكانت له أنشطة خيرية أخرى في القرى والأرياف التابعة لخان يونس، ضمن أنشطة جماعة الإخوان المسلمين.. والإيثار من السجايا التي صاحبته منذ صغره، وحتى لحظة استشهاده، فعندما كان صغيراً اشترى حذاء مستعملاً من المخيم، وعندما قرر أخوه الذي يكبره، الذهاب إلى السعودية للعمل، ولم يكن له حذاء، آثره عبد العزيز بحذائه، وبقي حافياً.

القائد المجاهد

كان الرنتيسي رجل السياسة والتربية والحرب معاً، حنكته التجارب المريرة، والمخاضات العسيرة التي خاضها إخوانه المجاهدون الذين سبقوه إلى الجهاد والشهادة في سبيل الله.
وهو صوت فلسطين الداوي الذي تتردد أصداء تصريحاته السديدة، وكلماته القوية، في أرجاء العالم العربي، بل والإسلامي، بل والعالمي.
كان يجاهد في سبيل الله، ويتطلع إلى تحرير بلاد المسلمين، من فلسطين، إلى العراق، فأفغانستان، وكشمير، والشيشان، والفلبين، وسواها من بلاد المسلمين، وكان يقاتل على عدة جبهات... يقاتل أعداء الله من الصهاينة، والأمريكان، والإنجليز، ومن يمشي في ركابهم، ويرضى أن يكون ذيلاً لهم.

صراعه مع الصهاينة

أول مواجهة له مع الإحتلال الصهيوني كان عام 1981 عندما فرضت عليه الإقامة الجبرية، تلاها اعتقاله، لأنه رفض دفع الضرائب للمحتلين الغاصبين، وقاد حملة توعية دعا الناس فيها إلى الامتناع عن دفع الضرائب للاحتلال ثم تتالت الاعتقالات التي بلغت خمس مرات، ومدة سبع سنين أمضاها الدكتور الرنتيسي في سجون المحتلين، وأمضى سنة في مرج الزهور عندما أبعدوه مع 417 أخاً عام 1992.
وهو أول قيادي في حماس تعتقله سلطات الاحتلال عام 1987 وقد منعوه من النوم ستة أيام متوالية، ووضعوه في ثلاجة مدة أربع وعشرين ساعة، إلى ألوان التعذيب الوحشي الأخرى التي استمرت مدة واحد وعشرين يوماً، من أجل الاعتراف ولو بتهمة واحدة من التهم الكثيرة التي وجهوها إليه، وكان يأبى ويصبر ويحتسب.
وكان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بمجرد ما يؤخذ إلى أقباء التحقيق يهاجم المحققين ويشتبك معهم باللكمات حتى يغمى عليه من شدة ما يلقى من أهوال التعذيب.ولم يأخذوا منه أي اعتراف، ولائحة الاتهامات ضده كانت تتم باعتراف الآخرين عليه، وليس باعترافه هو.

في المعتقل

وفجأة بعد منتصف ليلة الجمعة الخامس عشر من يناير 1988 أي بعد 37 يوما من اندلاع الإنتفاضة إذا بقوات كبيرة جدا من جنود الاحتلال تحاصر منزل الرنتيسي، وتسور بعض الجنود جدران فناء البيت، بينما قام عدد آخر منهم بتحطيم الباب الخارجي بعنف شديد محدثين أصواتا فزع بسببها أطفاله الصغار الذين كانوا ينامون كحَمَل وديع.
وجري أعتقاله لمدة 21 يوماً بعد عراكٍ بالأيدي بينه و بين جنود الإحتلال الذين أرادوا اقتحام غرفة نومه فاشتبك معهم لصدّهم عن الغرفة ، فاعتقلوه دون أن يتمكّنوا من دخول الغرفة وبعد شهرٍ من الإفراج عنه تم اعتقاله بتاريخ 4/3/1988 حيث ظلّ محتجزاً في سجون الإحتلال لمدة عامين و نصف حيث وجّهت له تهمة المشاركة في تأسيس و قيادة حماس و صياغة المنشور الأول للانتفاضة بينما لم يعترف في التحقيق بشيء من ذلك ، ليطلق سراحه في 4/9/1990 ، ثم عاود الاحتلال اعتقاله بعد مائة يومٍ فقط بتاريخ 14/12/1990 حيث اعتقل إدارياً لمدة عامٍ كامل.
كان ينظم الشباب في السجن، ويرفع معنوياتهم، وكان يخدمهم، ويعظهم، ويربيهم بسلوكه وأخلاقه العالية، ويدعوهم إلى الصبر، واحتساب الاعتقال في سبيل الله تعالى، ومرة دخل السجن فلم يقم فعاقبه السجان بأخذه إلى زنزانة انفرادية، ولم يأبه القائد بذلك، واستمر في التواصل مع إخوانه، يرسل إليهم رسائله من زنزانته، وفيها ما فيها من المعاني السامية التي توقد في نفوسهم شعلة الجهاد، فكانت كلماته النابعة من قلب معمور بالإيمان، ومن عقل كبير خبر الحياة والأحياء، ذلك الوقود الذي لا يدع لشعلة الجهاد تخبو.
وفي زنزانته حفظ كتاب الله العزيز خلال 27 شهراً في زنزانته الانفرادية، وقام به لياليه الطويلة، وكان إذا أغفى وجاءت البعوضة ولدغته، يهب إلى الصلاة، ويشكر البعوضة التي أيقظته، فما ينبغي للمجاهد أن يستهلك شيئاً من وقته في غير فائدة تعود عليه وعلى قضيته بالخير.
بلغ مجموع فترات الإعتقال التي قضاها الرنتيسي في سجون الإحتلال سبع سنوات بالإضافة إلى سنة قضاها مبعدا في مرج الزهور بأقصى جنوب لبنان عام 1992، وكان أول قيادي في حماس يعتقل بتاريخ 15-1-1988، وأمضى مدة ثلاثة أسابيع في المعتقل ثم أفرج عنه ليعاد اعتقاله بتاريخ 5-3-1988، ويقول مستذكرا تلك الأيام:
"منعت من النوم لمدة ستة أيام، كما وضعت في ثلاجة لمدة أربع وعشرين ساعة، لكن رغم ذلك لم أعترف بأي تهمة وجهت إلي بفضل الله".
اعتقل الرنتيسي في سجون السلطة الفلسطينية 4 مرات، وبلغ مجموع ما قضاه في زنازينها 27 شهرا معزولا عن بقية المعتقلين

في مرج الزهور

و في 17/12/1992 أبعد مع 416 مجاهدا من نشطاء و كوادر حركتي حماس و الجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان ، واستطاع من اليوم الأول للإبعاد، أن يجسد قضية فلسطين، وكان صوتها القوي الذي يؤمن بوحدة أرض فلسطين، فقد اختاره إخوانه ليكون على رأس اللجنة الإعلامية، والناطق الرسمي باسمهم باسم المبعدين الذين رابطوا في مخيم العودة في منطقة مرج الزهور لإرغام سلطات الاحتلال على إعادتهم و تعبيراً عن رفضهم لقرار الإبعاد الصهيوني ، و قد نجحوا في كسر قرار الإبعاد و العودة إلى الوطن و إغلاق باب الإبعاد إلى الأبد.
كان يعمل إلى ما بعد منتصف الليل، وإخوانه نائمون، فلم يكن ينام أكثر من ساعتين أو ثلاث فقط.

العودة

خرج الرنتيسي من المعتقل ليباشر دوره في قيادة حماس وأخذ يدافع بقوة عن ثوابت الشعب الفلسطيني و عن مواقف الحركة الخالدة ، و يشجّع على النهوض من جديد ، واعتقل الرنتيسي عدة مرات من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية وتمكّن الدكتور الرنتيسي من إتمام حفظ كتاب الله في المعتقل وذلك عام 1990 بينما كان في زنزانة واحدة مع الشيخ المجاهد أحمد ياسين ، و له قصائد شعرية تعبّر عن انغراس الوطن و الشعب الفلسطيني في أعماق فؤاده ، و هو كاتب مقالة سياسية تنشرها له عشرات الصحف وقد أمضى معظم أيام اعتقاله في سجون الاحتلال في عزل انفرادي.
وبعودة أحمد ياسين إلى قطاع غزة في أكتوبر 1997، عمل الرنتيسي جنباً إلى جنب مع أحمد ياسين لإعادة تنظيم صفوف حماس بعد فقدان صلاح شحادة. وقام الرنتيسي بعمل المتحدّث الرسمي لتنظيم حماس وكقائد سياسي للتنظيم.

محاولات اغتياله


القائد الشهيد عبدالعزيز الرنتيسي
يقول الدكتور عزيز دويك:
"كانت أولى محاولات اغتياله في مرج الزهور، في خيمة الإعلام، في اليوم الأول من شهر رمضان، يومها حضر شخص يتحدث العربية، ادعى أنه مترجم لصحفي ياباني، دخل الخيمة، وترك حقيبة فيها قنبلة موقوتة، انفجرت مع أذان المغرب بالضبط، وأحرقت الخيمة بأكملها.
ومن رحمة الله بنا كان الجميع خارج الخيمة على مائدة الإفطار.سمع الجميع صوت الانفجار، وهبوا لإطفاء الحريق، وبحثوا عن الصحفي ورفيقه، فلم يجدوا لهما أثراً."
وفي 10/6/2003 تعرض لمحاولة اغتيال، استشهد فيها اثنان من مرافقيه، وأصيب نجله أحمد بجروح خطيرة.وفي شهر أيلول 2003 تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة.
وتعرض لمحاولة اغتيال أخرى في اليوم الثالث لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين، نجا منها بأعجوبة، ولم تكشف عنهاحماس إلا بعد تأكيدها من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية.
سبق استشهاده أن أربع طائرات تجسس (بدون طيار) كانت تجوب سماء غزة طوال أسبوعين بحثاً عنه، وهذا يعني أنه اتخذ احتياطات أمنية كافية لتلافي جريمة الاغتيال، ولكن الصهاينة كانوا جندوا كامل طاقاتهم لرصده.

آراؤه

يرى أن الانتفاضة سوف تستمر لأنها متمكنة من أعماق الشعب الأبي، لأنها إسلامية القرار، ووقودها الشباب المسلم، وهي باقية ما بقي الاحتلال الذي لن يخرج بموجب هذه الاتفاقيات الهزيلة التي لا تعطي الشعب أيّ شيء ذي بال من حقوقه المشروعة.
وأن الوحدة الوطنية متينة، ولا يمكن أن تزعزعها فتنة يفتعلها عملاء وجواسيس وأصحاب مصالح شخصية لا يخافون الله في أوطانهم وشعبهم.ولأن الشرطةالفلسطينية تعرف العدو الحقيقي الذي يغتصب الأرض وينكل بالأهل، فإنها لا يمكن لها أن تحول بين حجر الطفل والجندي المحتل.
ولن تترك الحركة الإسلامية قطعان المستوطنين والأوباش المحتلين يعرفون الراحة والأمن والاطمئنان في بلاد العسل واللبن.كان يرفض التفاوض، ويؤكد أن خيار المقاومة هو السبيل الوحيد لتحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر.
من أقواله:
"أرض فلسطين جزء من الإيمان. وقد أعلنها الخليفة عمر بن الخطاب أرضاً للمسلمين قاطبة. ولهذا، لايحق لفرد أو جماعة بيعها أو إهداؤها"

موقفه من السلطة

عندما تواردت الأنباء إلى مرج الزهور، عن مجيء (السلطة) إلى غزة وأريحا، وأن هذه السلطة سوف تصطدم بمجاهدي حماس، رفع صوته بالآية الكريمة:
(لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) وبهذا جعل الاقتتال بين الفلسطينيين خطاً أحمر، وبقيت هذه سياسته، وهي سياسة حماس طبعاً، حتى آخر يوم له من حياة الكفاح الدامي، وقد آذته (السلطة) كثيراً، واعتقلته مراراً، لمواقفه الجريئة التي لا تعرف المهادنة وخاصة موقفه من العمليات الاستشهادية؛
وسعت إلى التخلص منه مرات ومرات، وبأساليب شتى، والشباب المتحمس يريد تحديها والردّ عليها، ولكنه كان يحتسب ذلك عند الله، ومن أجل القضية، فكان يهدئ الشباب، ويدعوهم إلى الصبر وكظم الغيظ، لأن مهمتهم في الحياة أكبر من أولئك الصغار أمام عدوهم، المتغطرسين على أبناء فلسطين الأحرار الأبرار، ولولا مواقفه الصارمة، لسالت الدماء الفلسطينية على شفرات الفلسطينيين، ولفرح العدو الصهيوني وعملاؤه، فهم جميعاً كانوا وما زالوا يسعون إلى ذلك.

جرأته

في صيف 1998 أصرّ على تحميل السلطة مسؤولية اغتيال الشهيد البطل محيي الدين الشريف أحد قادة حماس العسكريين في الضفة الغربية، مما جعل السلطة تعتقله.
وهو يحمّل السلطة مسؤولية ما وصل إليه الفلسطينيون من مآسٍ وويلات، وإذا حاولت السلطة منعنا من توجيه ضرباتنا للمحتل، فإننا لن نتصدى لها ونضربها، بل سنضرب ونضرب المحتل، ولن نوجه بنادقنا إلى أبناء شعبنا.
كانت حياته من اعتقال إلى آخر، ومن خيمة الإبعاد إلى زنزانة السجن، ومن تنكيل الاحتلال إلى ملاحقات حقبة أوسلو، ومن الانتفاضة الشعبية، إلى انتفاضة الأقصى، ومن ثورة الحجارة، إلى قوافل الاستشهاديين، كان الرنتيسي دوماً أحد أبرز صانعي الحدث، وفي بؤرته تماماً.

الإعلامي

الدكتور الرنتيسي متعدد المواهب، وذو طاقة جبارة جعلته يسد أي ثغرة تبدو له في مسيرة الدعوة، فهو، إلى جانب دراسته العلمية، وتخصصه في طب الأطفال، هو كاتب، وشاعر، وخطيب، ورجل إعلام، وداعية، وسياسي، وثائر، ومصلح اجتماعي.وقد برزت مواهبه هذه من شبابه، ثم نمت وتطورت حتى كان لنا منه هذه الشخصية المتكاملة.
وبرز جانبه الإعلامي عندما كان مبعداً في مرج الزهور، فقد اختاره إخوانه هناك ليكون الناطق الرسمي باسمهم، على رأس اللجنة الإعلامية، فكان يستقبل وفود الصحفيين طوال يومه وليله، يخاطب كلاً بلسانه، ويجيب على أسئلتهم، لا يكل كلاً ولا يمل، وكان مسدداً في تصريحاته، وإجاباته، والبيانات التي كان يكتبها.. وهكذا هو شأن الزعيم الذي تتولاه عناية الله وترعاه.

الكاتب

كان القائد الشهيد عبد العزيز الرنتيسي حتى آخر أيامه، وفي ظل أقسى ظروف الحصار والملاحقة، يتابع كتابة زاويته في جريدة (الأمان) وفي جريدة السبيل وجريدة البيان الإماراتية، والوطن القطرية وسواها من المنابر الإعلامية، حتى إذا آذنت حياته بالانتهاء، وأدركته صواريخ البغي الصهيوني، تحقق ما تحدث عنه الشهيد سيد قطب رحمه الله:
"ستظل كلماتنا عرائس من الشمع، حتى إذا متنا من أجلها، دبّت فيها الروح، وبعثت فيها الحياة".
كان يكتب في عدد من الصحف والمجلات، وفي موقعه النشط على الإنترنت الذي كان يتعرض لحرب إلكترونية ضارية من قبل الاحتلال الصهيوني وعملائه.
آخر مقال كتبه للسبيل الأردنية، دعا فيه شرفاء الأمة إلى التحرك، فقد مرغت الفلوجة أنف التنين الأمريكي في طمي العراق. وقال:
"لقد تنبأنا في مقالات سابقة، أن العراق سينتصر على الأشرار من الأمريكان، وربما تنبأ غيرنا نفس الشيء، ومثل هذه الرؤى لم تكن قطعاً وفق الحسابات المادية لموازين القوى، ولو جرت وفق هذه المعايير، لما تنبأ أحد بانتصار العراق، ولكنها كانت وفق فهم واعٍ للسنن الإلهية...
ولكن الذي لم نتنبأ به، هو ما يجري من إذلال لأمريكا فاق كل التصورات، والحسابات، رغم أنه أيضاً من سنن الله.. مما أفقدها هيبتها، ويجعلها غير قادرة بإذن الله على الاستمرار كمصدر إرهاب وابتزاز لشعوب العالم، فالأمر إذن أكبر من هزيمة."
وطالب الشرفاء أن يبذلوا جهد المستطاع، ليحطموا قيود الواقعية المهزومة.

الشاعر

كان شاعراً، وكان إخوانه وتلاميذه المجاهدون يحفظون الكثير من شعره الذي يتغنّى فيه بالحرية، وتحرير فلسطين من الاحتلال. وهو شعر خطابي حماسي في غالبه، وذو رسالة يريد أن يؤديها، ولم يكن شعر احتراف أو عبث، وقد نشر بعض شعره في الصحف والمجلات، وبقي قسم آخر لم ينشر، منتظراً أصحاب الهمة والغيرة لجمعه ودراسته وإصداره في ديوان.

آخر يوم في حياته


جثمان الرنتيسي
وصل الدكتور الرنتيسي إلى منزله في الساعة الثالثة قبل فجر يوم السبت 17/4/2004 في سرية تامة.
قال ابنه محمد:
"كانت زيارته لنا بعد أسبوع من الغياب لم نره فيه. طلبنا منه عدم الخروج، وقضاء ساعات معنا. وبعد إلحاحنا وافق. كان يأتي إلى المنزل بعد منتصف الليل، ويغادر قبل الفجر. وقضى ما بقي من الليل يتحدث مع العائلة المشتاقة إليه، والتي لا تراه إلا قليلاً..
جلس يتحدث عن زواج أخي أحمد الذي أصيب خلال محاولة الاغتيال، وذلك بعد أن حصل على مدخراته من الجامعة الإسلامية التي كان يحاضر فيها، وقد سدد ما عليه من ديون، واقتطع مبلغاً من المال لزواج أحمد (21 عاماً) وقال لنا:"الآن أقابل ربي نظيفاً: لا لي ولا عليّ".
استيقظ الرنتيسي صقر فلسطين واغتسل، وتعطر، وانطلق لسانه ينشد، على غير عادته، نشيداً إسلامياً مطلعه:
أن تدخلني ربي الجنة
هذا أقصى ما أتمنّى
وقال لرفيقة دربه: أم محمد:
"إنها من أكثر الكلمات التي أحببتها في حياتي".
وقال محمد: إن مرافق والدي، السيد أكرم نصار زارنا يوم السبت بعد العصر، وتحدث مع والدي قليلاً، واتفقا على الخروج.
وقبل أذان العشاء بقليل خرج الرنتيسي برفقة ابنه أحمد الذي كان يقود السيارة ذات النوافذ المعتمة، متنكراً بلباس معين، وأوصله إلى مكان محدد في مدينة غزة، وبعد دقائق وصلت إلى ذلك المكان سيارة يقودها أحمد الغرة، ومعه السيد أكرم نصار، وبهدوء انتقل الرنتيسي من سيارة نجله إلى السيارة الأخرى التي انطلقت بسرعة، لكن صاروخين من طائرات الأباتشي الأمريكية الصنع كانا أسرع من الجميع، وصعدت الأرواح الطاهرة إلى بارئها، لتستقر في حواصل طيور خضر، ترتع في الفراديس العلى بفضل الله وكرمه.

آخر تصريح له

قبيل استشهاده رحمه الله رحمة واسعة وجه مراسل خاص عدة أسئلة إليه، بعد تصريحات بوش الصغير الأخيرة، فأجاب الشهيد القائد بقوله:
"أولاً: لم تكن هناك أية مفاجأة لدينا لسماع هذا الموقف العدائي من قبل دولة فقدت كل القيم الإنسانية، حتى وصل بها الإسفاف أن تطالب صاحب الحق أن يتنازل عن حقه الإنساني في العودة إلى وطنه، لصالح المجرمين الذين أخرجوه من الوطن.
ثانياً: إن هذا الموقف الصهيوني من الجانب الأمريكي وضع حداً للرهان على سراب الحل السلمي، مما يحتم علينا أن نترجم هذا العدوان الأمريكي إلى وحدة وطنية في خندق المقاومة، وأن نتمسك بكامل حقوقنا، وعلى رأسها حق العودة إلى الوطن، لنحيل التآمر الأمريكي على شعبنا وقضيتنا العادلة، إلى مصلحة وطنية، ونقول لأمريكا: لا يوجد بيننا من يخون الوطن، فيتنازل عن حق العودة إلى الوطن.
ثالثاً: إن استمرار تمسك السلطة بهذا السراب، والتعلق بالأوهام، من شأنه أن يغري العدوّ الأمريكي بمزيد من التآمر على قضيتنا العادلة، وشعبنا المعتدى عليه.
رابعاً: لقد لعب الموقعون على وثيقة جنيف دوراً خطيراً بورقتهم تلك، حيث مهدوا الطريق أمام الوقاحة الأمريكية المتمثلة بهذه الدعوة العدوانية على الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا الفلسطيني.
خامساً: إن هذا الإعلان الأمريكي يأتي في إطار الحرب الأمريكية المعلنة على الإسلام، ومنسجمة مع الإرهاب الأمريكي ضد أهلنا في العراق. وهذا يدعونا جميعاً، كشعوب عربية وإسلامية، أن نعتبر مقاطعة البضائع الأمريكية واجباً شرعياً ووطنياً.".

قرار اغتياله

يبدو أن تحالفاً أمريكياً إسرائيلياً استراتيجياً قد تم بزيارة شارون الأخيرة لبوش الصغير المستعد للتضحية بأمريكا، وسمعتها، ومصالحها، وبكل شيء فيها، من أجل البقاء في البيت البيضاوي، عش الزنابير الصهيونية، ولا يريد أن يكرر خطأ أبيه الذي أحسّ بكرامته وكرامة وزير خارجيته، وبأن مصالح أمريكا وثرواتها وكل شيء فيها يجب أن توضع تحت المجهر حتى تراها تلك الزنابير، فأسقطوه وجاؤوا بكلينتون الضعيف ليحقق لهم ما أبى بوش الأب تحقيقه لهم، على الرغم من الخدمات الكبيرة والكثيرة التي قدمها لأمريكا، ثم للصهاينة..
إنهم يريدون من بوش الصغير أن يبقى صغيراً أمام الشارونات، يقدم مصالحهم على مصالح أمريكا، وأن يضحي بكل شيء من أجل البقاء في ذلك البيت الذي سيصير أوهن من بيت العنكبوت ما دام سيده في خدمة الكيان الملعون.
وقع شارون وبوش قرار اغتيال قادة المقاومة في واشنطن، وفي طليعتهم: الشيخ أحمد ياسين، والدكتور الرنتيسي.وجاءت جريمة الاغتيال بعد الوعد الذي أطلقه بوش في البيت الأبيض باغتيال القضية الفلسطينية، واغتيال الأمل والإرادة المقاومة.
اعتبر بوش اغتيال الشيخ الشهيد جزءاً من حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها يا ويله ويا ويلها من حساب قريب إن شاء الله واعتبر اغتيال طبيب الأطفال الدكتور الرنتيسي جزءاً من معركته ضد الإرهاب.
اجتمع مجلس الأمن لبحث قضية اغتياله، كما اجتمع قبل أيام لمناقشة اغتيال الشيخ الشهيد أحمد ياسين، واستخدمت أمريكا الفيتو ضد إدانة الكيان الصهيوني المجرم، لأنها شريكته في إجرامه، ولا يقل إجرامها عن إجرامه عبر العصور، منذ وطئت أقدامهم القذرة أرض أمريكا لتقتل عشرات الملايين من أهلها الأصليين، وكذلك الصهاينة...
وهكذا تمت تصفية القائد البطل بثلاثة صواريخ أطلقتها عليه طائرة الأباتشي التي قدمت الإدارة الأمريكية أسراباً منها إلى القتلة في تل أبيب، مساء السبت في 17/4/2004 وصعدت روحه الطاهرة إلى عليين، وهبطت أرواح أرعن البيت البيضاوي، ودب تل أبيب إلى حضيض الحضيض في عالم القيم.

جنازته


آلاف الفلسطينيون يشيعون جنازة الرنتيسيى
شارك أكثر من نصف مليون فلسطيني في تشييع الشهيد الرنتيسي ومرافقيه اللذين استشهدا معه، يوم الأحد 18/4/2004 في غزة وحدها.
انطلق الموكب الحزين الثائر من مستشفى الشفاء في غزة، يتقدمه عدد من قادة حماس وقيادات الفصائلالفلسطينية الأخرى، وآلاف المسلحين، في عروض عسكرية كبيرة، وتوجه الموكب إلى منزل الشهيد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ثم تابع إلى المسجد العمري الكبير، من أجل الصلاة عليه.
اكتظت الشوارع التي مر فيها الموكب بالمواطنين والتحمت المسيرات بعضها ببعض، مشكلة أمواجاً بشرية ضخمة، وأدى أكثر الناس صلاة الجنازة في الشوارع المزدحمة.
وانطلقت في بيروت مسيرة عفوية حاشدة، شارك فيها طلاب وطالبات من كل الاتجاهات والمشارب، محجبات وسافرات، فيهن واحدة مكشوفة الظهر والذراعين، تتحرك قلادة الصليب على صدرها، وهي تبكي وتردد الشعارات الوطنية والإسلامية.
وقامت مظاهرات حاشدة في سائر الدول العربية، والإسلامية والأجنبية.

أصداء استشهاده

كان لاستشهاده دوي لا يقل عن الدوي الذي أحدثه استشهاد الشيخ الجليل أحمد ياسين، وقد ترددت أصداء استشهادهما في سائر أنحاء المعمورة، ولاحقت هتافات الاستنكار واللعن لسائر الشارونات وذيولهم وعملائهم في كل مكان، أجل في كل مكان.. من أمريكا حتى الصين.. ولعل ما قاله النائب والزعيم اللبناني وليد جنبلاط أمام المؤتمر القومي العربي الذي انعقد في بيروت أثناء استشهاد الدكتور الرنتيسي، من أبرز الأدلة على تأثر سائر الأحرار في العالم.
وكان مما قال:
"لمواجهة الإرهاب الأمريكي الإسرائيلي في فلسطين والعراق، ينبغي تكثيف العمليات الاستشهادية، وحرب العصابات بشتى أنواعها وأشكالها، فهم لم يرحموا أطفالنا ونساءنا وشيوخنا، ولن يرحموهم، فلماذا نرحمهم نحن؟
إنها قواعد الحرب، وليست هناك حروب نظيفة وأخرى قذرة، فالحرب حرب ويا للأسف.. فلنعاملهم كما يعاملوننا، بأساليبنا البدائية الموجعة على أرضفلسطين والعراق وجنوب لبنان وفي كل موقع عربي يمكن الاستفادة منه. ومن قال: إن التنكيل بالمرتزقة غلط؟ فليرحلوا عنا.
ومن قال: إن الغرب أساساً متحضر، كي يعطينا دروساً؟بالأمس القريب فقط خرج الغرب من همجيته، وتاريخه في الحروب والاستعمار والاستبداد والاستغلال طويل جداً، وتاريخنا في الاستقلال لم تمض عليه عقود، وهاهم يحتلوننا من جديد، وها هو لقاء واشنطن بين بوش وشارون يؤكد وعد بلفور الأساس في إعدام شعب بأكمله، وتشريده واحتلال أرضه، فهل هذا مثل حضاري يُقتدى به، كي نرى حكامنا يتسكعون على أبواب البيت الأبيض، ويرددون كالببغاء ضرورة الحفاظ على السلام؟
السلام مع المستعمر مستحيل، فلنمحُ من قاموسنا كلمة سلام، ولنبحث عن شتى الوسائل لدعم المقاومة في فلسطين والعراق، ولنعزّز البندقية الوطنية والإسلامية في جنوب لبنان.
وبما أن إسرائيل ستنسحب من قطاع غزة، فلنفتح الترسانة العربية، وليعط المجاهدون في غزة الصواريخ المضادة للطائرات والدروع، بدلاً من إحياء دور المتآمرين أمثال الدحلان وغيره من الذين يتحملون مع اليهود، مسؤولية الاغتيالات لأشرف الرموز العربية والإسلامية".
وقد تميز رد الفعل اللبناني الرسمي على اغتيال الدكتور الرنتيسي عن غيره من ردود الفعل العربية الرسمية، وقد عبّر رئيس الجمهورية اميل لحود عن ذلك بنقطتين:
الأولى: دعوته الدول العربية إلى تحمّل مسؤولياتها في رفض الانصياع لسياسة التهديد الإسرائيلية.
والثانية: دعوته الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى إلى تحديد يوم بعنوان (يوم الغضب العربي) في كل الدول العربية لإطلاق صرخة مدوّية وموحّدة تدفع إسرائيل ومن يدعمها إلى إعادة النظر في حساباتها مرة واحدة، ونهائية، لأن الأمور قد تجاوزت كل الحدود المسموح بها".

المصادر

ألبوم صور

الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

 


الدويك-والرنتيسي-وطفلة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق