الأربعاء، 15 فبراير، 2012

رواية ثعبان النار








مقـــــــــدمــــة
الحقيقة ......... كلمة سعى إلى محوها وطمس معالمها الكثيرون ، لكن إلى متى ستظل هذه
المحاولات ؟ وهل ستبؤ كل هذه المحاولات بالفشل ؟ التاريخ والواقع يثبتان ذلك ، لكن أيدى العابثين لا تزال تحاول جاهدة طمس الحقائق وإعفاء آثارها ، لكن الأقلام لآبد أن تعمل وأن تحاول إزاحة اللثام عن الحقيقة الثمينة .
ثم أن الخيال قد يبلغ بالشخص مبلغاً يمكنه من قول ما لم يستطيع قوله فى الواقع ، ومن هنا فقد جعلت الخيال أسلوباً مستعيناً به مع بعض الظلال الواقعية لإظهار بعض الحقائق التى حاول - ويحاول – الطامسون إخفائها ، مع العلم أن ما اتخذته وما ذكرته بين سطور هذه الرواية وإن كان قريباً من الواقع إلا أن الخيال هو الذى طغى على أغلب أحداث الرواية لكن القارئ سيتمكن من معرفة الحقيقة التى أرمى إليها من بين السطور .
لكن ينبغى على قارئ الأدب أن يسبح مع خيال الكاتب ليتمكن من معرفة ما يرمى إليه الكاتب ومن التوصل إلى الحقيقة التى يرمى إليها ، وبهذا يتمكن القارئ من الحكم على الكاتب وعلى أسلوبه من حيث المنهجية والدقة والذوق الأدبى الرفيع .
وأخيراً ينبغى أن يدرك القارئ أن علاقة الخيال بالواقع فى هذه الرواية هى علاقة ترابط ذوقى وأدبى فقط لا ترابط واقعى يهدف منه ومن خلاله الكاتب إلى إيصال حقيقة مرماها :
العلاقة الأبدية بين حضارة الشرق والغرب أخذاً وعطاءاً والعرفان بالجميل من ِقبلِ الآخر علي مر الأزمان والعصور .
وذلك هو المرمى والهدف الرئيسى من وراء الرحلة الخيالية : ئعبان النار . ضمن مجموعة رحلات بين الواقع والخيال .............


الفصل الأول
غريب فى وطنه :-
تردت الأحوال من سيء إلى أسوء وبدا التشاؤم على نفس مرقص الشاب الريفى المتطلع
الى العلم والحضارة والمدنية ، والتي لم يرى فى قريته بمحافظة الفيوم اى أثر يذكر لها .
ولد مرقص بعد مرور أكثر من قرنين ونصف من دخول الرومان مصر ، ولم تستطع مصر أن تنفك عن القيود والأغلال الرومانية حتى تلك الفترة .
فالحياة بائسة ، والنهب والسلب لطاقات البلاد وموارده فى الأرياف والقرى المصرية ، والنظرة الدونية الى المصريين من ِقبل جنود الرومان عند سداد الضرائب التى فرضها الرومان على المصريين منذ دخولهم لبلادهم مما دفع الريفيين الى هجر القرى منتقلين الى حياة المدنية فراراً من تلك الحياة البائسة .
وفى بلدة مرقص أنتقل أكثر بلدته الى المدن ليعيشوا حياة مترفة ناعمة هناك بعيداً عن حياة البؤس والشقاء اللذين عانى المصريون منهما كثيراً فى حياتهم بالقرية .
لكن مرقص رفض ذلك بشدة رغم كونه وحيداً ، فقد مات أبواه وهو صغير ، وقد ترك له متجراً وبعض الأموال والأرض مما جعله مطمعاً للكثير من الغرباء بعد أن هجر بقية أهله القرية لينتقلوا إلى حياة المدنية .
كان مرقص فى سن الشباب قد تعلم الكثير من العلوم ، فقد تعلم الطب فى سن مبكرة عن بعض العلماء بالإسكندرية ، حيث تعلم هناك وكون صداقات كثيرة ، وكان محط أعجاب أساتذته وأصدقائه .
وفى يوم من الأيام أتاه صديقه إلياس ( وهو من سكان الإسكندرية ) فقال له بعد أن صافحه:
كيف حالك يا صديقى ؟
قال : كما هو لم يتغير ، الناس يتركون القرية وأبقى أنا هنا وحيداً .
قال : فلمَِِِ البقاء أذن فى هذه القرية البائسه ؟
قال : والى أين أذهب ؟
قال لتأتِ معى إلى الإسكندرية ، فهناك الحضارة والمدنية ، والعلم ، والفن الذى تحبه ، وبنات الإغريق والرومان يا صديقي ، ولا أخبرك عن سحر بنات الإغريق الحسان الفاتنات
قال مرقص : دع عنك هذا الهراء لن أترك قريتي وأعيش خارجها .
قال : إنك لن تتركها مطلقاً يا صديقي بل ستعود إليها يوم ما بعد أن تحقق ما تتمناه لك ولبلدتك ، وكفاك ما تلاقيه من عناء ومشقة فى سفرك من هنا إلى الإسكندرية لتتعلم .
قال : لكن هنا أموالى فكيف أتركها ؟
قال : بع المتجر والأرض ، وابقٍِ المنزل حتى إذا رجعت تجده وتشترى أرضاً أخرى وقتما تريد ، وستبقى عندى فى المنزل حتى أجد لك منزلا خاصاً بك أن عزمت على البقاء هناك.
قال : حقاً ، أن هذه البلدة لا تغرى أحداً على البقاء بها ، سأذهب لكن دعنى أرتب أمورى أولا .
قال إلياس : ماذا تريد أن تفعل ويحيرك أمره ؟
قال : أخشى أن أبيع المتجر والأرض بثمن بخسٍٍِ بسبب ذلك .
قال : ألم تخبرني أن أحدهم كان يلح عليك أن يشتريهما منك منذ فترة طويله ، لكنك أبيت ذلك؟
قال مرقص : نعم ، لكن هذا الرجل يبخس الثمن إذا علم بحاجتك إلى المال .
قال : إذن لتأتِ معى لنذهب إليه .
قال : ماذا تريد أن تفعل ؟
قال : سأذهب إليه واخبره بأنى عازم على شراء المتجر والأرض ، وسترى ماذا سيفعل هذا الأحمق ؟
وذهبا إليه واخبره إلياس بما ينوى فعله ، فقال : لا ، بل أنا أحق بهما ، لك ما تشاء يا مرقص مقابل أن تترك المتجر والأرض ، وأعطاه ثمنا لم يكن يحلم به من قبل .
وعاد الصديقان من منزل الرجل إلى منزل مرقص قبل أن يرحلا باكر ، وقال مرقص لصديقة إلياس : حقاً أنك لماكر ، إن هذا الرجل أنطونيوس ثعلب ماكر يستولى على الأرض بسعر زهيد قبل أن يهجرها أصحابها فيستغل حاجتهم للمال ويلعب لعبته فى ذلك.
قال : إذن لم نعامله إلا بما يستحق ، هيا يا صديقي لنسترح قليلاً لنرحل غداً ، هيا .
وفى الصباح استعد الصديقان للرحيل ، واستقبل مرقص بوجهه حضارة الإسكندرية ومدنيتها ، مودعاً للقرية وشقائها متمنياً أن يأتي يوم يعود فيه إلى قريته حينما تصبح عامرة بعد أن صارت مستقطعه لمالك شبه وحيد .
وصل الصاحبان الى الإسكندرية ، وفى طريقهما إلى منزل إلياس قابلا فتاة فائقة الجمال بيضاء الوجه كأنه اللبن فى الصفاء ، والورد فى حمرة الخدين ، خضراء العينين ، شعرها لولبي ملفوف ، ترتدى ثياباً توحى بأنها إغريقيه ، وأنها من الأثرياء أو النبلاء .
همس إلياس لمرقص قائلاً : أنظر إلى جمال الاغريق أيها الفتى .
قال : وكيف عرفت أنها إغريقية أيها الحكيم ؟
قال : حسان الاغريق يعرفن من بين كل الحسان ، كذلك ثيابها ، لقد تعرفت على عادات الكثيرين وأوصاف ثيابهم ، واظنها من الأثرياء ، أنظر أنها تتجه نحونا .
تقدمت الفتاة نحوهما ثم قالت : هل يمكن أن تدلانى على دار البحث العلمى هنا ؟
قال إلياس : نعم يا سيدتى نحن ذاهبون إلى هناك .
همس مرقص لإلياس قائلاً : يا كاذب ، لماذا سنذهب إليه الآن ونحن مجهدون ؟
جذبه إلياس من ردائه- أن أسكت – ثم قال : تعالى يا سيدتى لنوصلكِ إلى حيث تريدين.
وسارت معهما وفى الطريق قال إلياس : سيدتى ، هل أنتِ إغريقية ؟
قالت : نعم ، وكيف عرفت ذلك ؟
قال : ملامحك واضحه ، لكن ما أسمك يا سيدتى ؟
قالت : مريم .
قال : إنه اسم العذراء ، أنتِ تشبهينها فى الحسن والرقة .
قالت : لا تبالغ فانا لن أصل إلى درجة العذراء فى ذلك ، ثم قالت :
لكن ما بال صديقك لا يتحدث مثلما تتحدث أنت بطلاقه ؟ ! ونظرت إلى مرقص نظرة .
إعجاب وتأمل .
عندها تبسم مرقص قائلاً : إننى لا أحب الكلام أكثر من حبى للسماع لغيرى .
قالت : أنت تشبهنى تماماً ، تبدو عليك أمارات الثقافه .
قال إلياس : وكيف عرفتِ ذلك ؟
قالت : المثقفون لا يحبون التحدث أكثر مما يحبون السماع ، ولا يتحدثون إلا بما يفيد .
قال : أنتِ بارعة حقاً ، لقد درس مرقص الطب ، وعلم التحنيط ، والموسيقى ، إضافة إلى أنه يهوى عمل التماثيل ، ولقد قرأ لأرسطو الاغريقى أيضاً .
قالت أحقا ؟ وما الذى أعجبك فيما قرأت لأرسطو ؟
قال مرقص : حبه للسلام واعترافه بالله .
قالت : يبدو أننا سنحتاج ان نتعرف على بعضنا البعض حتى نكتسب خبرات لم يكن يعرفها أحدنا فيأخذها عن الآخر ، لكن هل أسمك مرقص حقاً يا سيدى ؟
قال : نعم سماني والدى كذلك على اسم القديس مرقص الذى أرسله المسيح ينشر المسيحية بمصر ، ثم ما لبث الوثنيون أن قتلوه غدراً عام 68 م .
قال الياس : دع عنك هذا يا صديقى ، ثم مال اليها بوجهه المبتسم دائماً وقال : وأنا الياس
قالت : يبدو أن مرقص ثائرٌ على الواقع وساخطَ عليه
قال : ومن يرضه هذا الواقع المؤلم ؟
قالت : ها قد وصلنا إلى المجمع وآمل أن نتقابل مرة ثانية لكن أين ؟
قال الياس على الفور : هنا أن أردت ذلك .
فتبسما على ذلك ( مرقص ومريم ) وقالت مريم : لا بأس ، سعدت بلقائك يا مرقص ، وشكراً لك ولصديقك على إيصالى إلى هنا .
إنصرف الصديقان وفى الطريق قال الياس لمرقص :
ألم تجد شيئاً غريباً فى نظرات تلك الفتاة ؟
قال : نعم يبدو أنها ذكية إلى حد كبير ، لقد علمت ما يدور فى عقلك الضيق قبل أن تخوض معها فى نقاش طويل ممل .
قال الياس : أهٍ يا صديقي ، أنا لا أقصد ذلك بل أقصد نظراتها إليك لقد كانت الفتاة تنظر إليك طيلة الوقت بنظرات إعجابِِ وتتحدث إليك وكأنها تقرض فيك المديح أو الوصف .
قال : لا تبالغ يا صديقى .
قال : لم أبالغ ، أنها الحقيقة ، وسأنسحب من اللقاء القادم لتنفرد بها يا صديقى حتى تتأكد من ذلك بنفسك .
قال مرقص : لكن أنت صديقى ، ولا تفكر فى ذلك كما أننى لا أفكر فيه .
قال : لقد رأيت تعلق الفتاة بك ، كما رأيت تعلقك بها ، هنيئاً لك يا صديقى ...هنيئاً لك ، الفتاة رائعة وانت شاب رائع تبهر الفتيات الحسان بعقلك وفطنتك .
قال : دع عنك هذا ، ألم نصل إلى المنزل بعد ؟
قال : ها قد اقتربنا ، لكن ما رأيك فى الاسكندرية ؟ فأنت لم ترَ بها إلا كل ما يمت للعلم بصلة ، أما الجمال ومظاهر الترف فليس لرؤيتك لها نصيب كبير .
قال : أنها رائعة ، ومظاهر الحضارة والترف واضحة ، فالقصور الزاهية ، والحدائق الغناء ، والحياة المترفة الناعمة تميز هذه المدينة عن قريتى ، لكأنى كنت غريباً فى وطنى يا صديقى .
قال الياس متعجباً : غريبٌ فى وطنك ؟ ! لا تقل ذلك يا صديقى ها قد وصلنا إلى المنزل أيها الشاب العجيب .
طرق الياس الباب ففتحت امه الباب قائلة : الياس ... ها انت يا حبيبى ، حمداً لله على سلامتك يا بنى ، لكن من هذا الذى معك ؟ أظنه صديقك مرقص الذى كنت قد حدثتنى عنه كثيراً قبل ذلك هيا أدخلا .
قال : نعم يا أماه إنه هو ، وسيبقى هنا حتى أجد له منزلاَ آخر خاصاً به .
قالت : لماذا يا بنى ؟ فنحن هنا وحيدان ، وليس لدى غيرك من الأولاد ، فلماذا لا يعيش هنا معنا ؟
قال مرقص : لكن يا سيدتى .......
قالت : لكن ماذا يا بنى ؟
قال : اخشى أن أضايقكم او أثقل عليكم .
قالت : يا للفتى الرقيق ! لماذا لا تتعلم من صديقك أيها الفتى الثرثار تلك الرقة ؟ اجلس يا مرقص .. اجلس يا بنى .
قال الياس : آهِِ يا أماه ، الم اطلب منك إلا تقولى تلك الكلمه مرة اخرى ؟
تبسمت الام قائلة : اننى امك ولى ان احدثك بما اشاء ايها الفتى الثرثار . فاحنى الياس رأسه لامه قائلاً : لك ما تشاءين يا اماه . فاحتضنته امه ثم قالت : اذهب انت وصديقك الى غرفتك حتى اعد لكما الطعام ، علكما تريدان ان تستريحا من عناء السفر يا بنى .
قال : سمعاً وطاعة يا اماه ، هيا يا مرقص ، هيا يا صديقى .
وبعد ان دخلا الغرفة قال الياس لمرقص : ما رايك يا صديقى فى منزلنا هذا ؟
قال وهو يدور بعينيه حول الغرفة : انه منزل يعد تحفة فى البناء ، ومن بناه يعد مفخرة فى البناء والهندسة ، من هذا الذى بناه يا صديقى ؟ اتعرفه ؟
قال : وكيف لا اعرفه انه والدى رحمه الله لقد كان يعمل فى مجال الهندسة ، ولقد مات وهو يشيد قصراً لأحد النبلاء الرومان ، سقط عليه حجر كبير فمات صريعاً ، وبدت على الياس ملامح الحزن ، وزرفت عيناه بالدموع .
قال مرقص : لا تؤاخذني يا صديقى ، لقد ذكرتك بما مضى .
قال الياس بعد ان مسح عينيه : لا عليك يا صديقى ، وسنصير من اليوم اخوين بدلا من صديقين .
قال : الحمد لله لقد أصبحت وسط عائله بعد ان كنت وحيداً ، لكن شعورى بالغربة لا يزال عالقاً براسى .
قال الياس متبسماً ومتعجباً : الغربه ؟ ! أتحس أنك غريب فى بلادك ؟ كيف ذلك ؟ !
قال : ان قيود الرومان لم تنفك بعد ، وأنا لا أطيق القيود يا صديقى ، لذا فأنا احس بالغربه فى بلادى ، ولطالما بقى الرومان مقيدين لبلادنا وناهبين لثرواتها ، وهذا هو سبب بؤسى وشقاءى يا اخى وصديقى العزيز .
قال : حقا يا صديقى ، لكن دع عنك ذلك فسيأتى اليوم الذى تنفك فيه القيود وتنكسر فيه الأغلال سواء أحدث ذلك فى حباتنا أم فى حياة من سيأتى بعدنا ؟
دخلت الأم وقالت : هيا يا ابنائى لقد اعددت الطعام ، تعالا لتتناولاه معى ثم عودا لتكملا حديثكما .
قال الياس : سمعا وطاعه يا اماه .
وبينما يتناولون الطعام قالت الأم : ماذا بك يا مرقص ؟ تبدو عليك ملامح الحزن ، ماذا بك يا بنى ؟
قال الياس : انه يشعر بالغربه يا اماه وهو هنا فى وطنه .
قالت الأم : غربة ؟ ! كيف ذلك يا بنى ؟ أى غربة تلك التى تتحدث عنها وأنت هنا فى وطنك ولست بعيداً عنه ؟
قال الياس : الأغلال يا أماه ....... أغلال الرومان التى قيدونا بها .
قالت : الأغلال تنكسر يا بنى ، والقيود تنفك ، والإنسان لا يجدر به أن يشعر بالغربة وهو فى وطنه مهما حدث ، إن الغربة التى يتحدث عنها مرقص إنما هى داخل نفسه ، وهو الذى صنعها بعزلته عمن حوله ولم يصنعها احد غيره .
قال مرقص : صدقت يا سيدتى .... صدقت .
قالت : بل قل يا أماه ، فانت من اليوم ابن لى مثل الياس ولدى هذا ، واظن ان هذا هو ما كان ينقصك يا بنى .
قال : نعم صدقتى يا أماه..... صدقت ، لقد داويت بحديثك جراحى والتئمت بعد ان احسست انها لن تلتئم ابدا .
قالت : اظنك قد اقتنعت الأن يا بنى ؟
قال : نعم يا اماه ..... نعم .
وذهب مرقص مع صديقه الياس الى فراشهما بعد أن تناولا الطعام ٍ ليستريحا من عناء
السفر ومشقته ، وبعد ان اقتنع مرقص بما قالته والدة الياس تمام الاقتناع .



الفصل الثاني

رحلة الإغتراب :
بات مرقص وهو يحلم بالغد وكيف سيقابل الفتاه التى قابلها للمرة الأولى وانجذب نحوها ؟ وماذا سيقول لها ؟
وفى الصباح اعد نفسه وذهب الى دار البحث العلمى ، وفى نفس الوقت الذى وصل فيه الى هناك وصلت مريم فتبسما ، وطلب منها ان يتجولا فى المكان قليلاً .
قالت : لنمشى قليلاً ثم نعود فلدى ما أريد أن اتمه فى هذا اليوم ا لجميل .
قال : لك ما تشاءين .
وبينما يسيران قالت له : ألا تحدثنى عن نفسك .
قال : إن حياتى ليس بها اكثر مما عرفتى بالأمس إلا اننى لم اخبرك اننى يتيم الأبوين ، وقد قدمت الى الاسكندريه لأعيش بها البارحه فقط . لكن لتحدثينى انتِ عن نفسك .
قالت : أنا اغريقية الأصل من كريت ، سمعت عن مصر وما بها من مظاهر الحضارة والرقى ، فاحببت أن أحضر إليها لأتعرف عليها عن قرب واتعلم بها ، وقد اتيت البارحة ايضاً .
قال : فماذا تعرفين عن مصر إذن ؟
قالت : سمعت أنها سحر الشرق ، ومهد الحضارات ، وأريد أن أعرف الكثير عنها وعن تقدمها فى الطب ، والكيمياء ، والتحنيط .
قال : انك لا تضيعين وقتك هباءً .
قالت : ولماذا اهدر الوقت ؟ لكن هل سمعت شيئاً عن كريت ؟
قال : سمعت عنها القليل ، لكن سمعت انها كانت مركزاً من مراكز الاشعاع الحضارى عند الغرب ، وانها جزيرة تضم جزر بحر ايجه وغيرها من بلاد الإغريق .
قالت : كانت كذلك قبل الفتنه .
قال : أى فتنه تتحدثين عنها ؟
قالت : اننا بعد موت الاسكندر المقدونى تمزقت بلادنا ( اليونان ) وسيطر علينا الرومان ، واصبحت كريت مدينة صغيرة بالجزيرة يحكمها ملك طيب يدعى ( باندرياس ) وبجوارنا مملكه صغيرة تابعة لبلاد الرومان تسمى ( هومو ) يحكمها احد الحكام الرومان بعد ان دخل الروم بلادنا واستوطنوها بعد موت الاسكندر الاكبر .
قال : كيف ذلك ؟ ظننت ان بلادنا وحدها هى التى تعانى من قيود الرومان وسطوتهم .
قالت : دع عنك ذلك ، وماذا تعرف عن كريت أيضاً ؟
قال : سمعت عن حضارتها وانها اساس حضارة الاغريق ، وانها اخذت الكثير عن الشرق ومصر ، وهى ترجع فى حضارتها الى حاكم يدعى ( مينوس ) حكم جزيرتكم قديماً .
قالت : انك حقاً رائع ، لكن لنذهب الى المجمع الان حتى اتم ما ابحث عنه .
وسارا الى المجمع عائدين ، وما لبثا ان بحث كل منهما عما يحتاج اليه فى عمله حتى انتهى يومهما ، وافترقا بعد ان تواعدا باللقاء فى اليوم التالى .
ومضت الايام ، وتتابعت اللقاءات حتى اشتد تعلقه بها وتعلقها به ، وفى يوم من الايام قال مرقص لمريم : آهِ يا حبيبتى ، انا لا استطيع العيش دون ان اراك كل يوم الا تتزوجينى ؟
قالت : ومن تلك التى ترفض رجل مثلك يا حبيبى ؟ وقبلته على خده .
قال متبسماً : انت توافقين على عرضى إذن ؟
قالت : انه اليوم الذى احلم به .
ذهب مرقص مسرعاً الى منزل صديقه الياس يعلوه الفرح والسرور بعد ان فارق صديقته ، واخبر الياس بما حدث ، فقال الياس : لكن يا صديقى لا تنسى انها ليست من بلادنا ولا من جنسنا ، وحينما عرفناها لم يكن يخطر بذهنى أن الامر سيصل بك الى هذا الحد ، لكن اذا كان فى ذلك سعادتك فلن امانع قطعاً ....لن امانع .
قال : نعم يا صديقى ، انها السعاده كلها ، لقد اتقنت لغتها لأجل ذلك ، واتقنت هى لغتنا ،لقد قرأت تاريخهم ، وكتبهم ، لقد قرأت الالياذة والاوديسا ، لقد قرأت تراجيديا
( ميو فوكليس ) ، وكوميديا ( اريستوفانس ) كل ذلك الأ يخبرك ذلك بشىء يا صديقى ؟
قال : لكن هل تاكدت من شعورها نحوك يا صديقى ؟
قال : لقد فعلت مثلما فعلت ُ ، فى لغتنا ، وآدابنا ، وعلومنا ، وعرفت عاداتنا ، ثم انها اخبرتنى بذلك صراحة .
قال الياس : إذن هنيئاً لك يا صديقى ....... هنيئا لك .
قال : لتبحث لى عن منزل يليق بزوجتى الاغريقية ايهاالفتى الجميل .
قال : سمعاً وطاعه يا مولاى المبجل ، واحتضنه .
دخلت الام وهم يحتضنان ، وسمعت قول ابنها الياس – المبجل ، فقالت :
ماذا تقول يا بنى ؟ أسيزورنا الحاكم ؟
فتبسما وقال الياس وهو يبتسم : لا يا أماه لكن مرقص سيتزوج .
قالت مسرورة : ومن تلك سعيدة الحظ التى سترتبط بك ايها الفتى الرقيق ؟
أجاب مرقص : إنها مريم ، الفتاة الإغريقية يا أماه .
قالت : تلك التى حدثتنى عنها من قبل ، واخبرتنى انها فائقه الجمال ... هنيئا لك يا بنى .... هنيئا لك ، هيا لتناول الطعام وهو ساخن ، هيا .
بات مرقص تلك الليلة وهو يحلم باليوم الذى سيجمعه بفتاة حلمه الجميل ( على حد ظنه ) .
وفى الصباح ذهب مرقص الى صديقته مبتسماً مشتاقاً اليها ، مبتهجا بيومه الجميل المشرق،
يشعر وكأنه يطير مع الطيور ، ويغرد مع البلابل اعلاناً لفرحه وسروره ، وقال لها :
حبيبتى لقد بت احلم بك طيلة الليل ، أما آن أن نتزوج ؟
قالت : نعم يا حبيب القلب ، لكن لى شرطاً ، بل هو طلب إن أردت تلبيته لى ، وإلا فكما شئت يا حبيبى .
قال : وما هو يا عزيزتى ؟
قالت : أن نذهب الى كريت ، فوالدى رجل كبير تقدمت به السن ، وليس لديه غيرى ، وأنا أخشى عليه أن يعيش وحيداً ولا يجد من يقوم بشأنه ورعايته .
قال : ليأت الى هنا ليعيش بيننا .
قالت : إن والدى لديه تجارته ومنازله هناك ،ولا يمكنه أن يترك مدينتنا فلتأت معى الى هناك ولتعد وقتما شئت ، ولن يمنعك أحد إن لم تسعد هناك .
قال وقد تغير وجهه : دعينى لأفكر فى ألامر .
قالت : لن تندم على ذلك ، ولن تخسر شيئا ، فهناك منزل كبير يسعنا ، ولن نتكبد عناء البحث عن المنزل أو العمل .
قال : دعينى افكر ، ولنذهب الآن حتى آتى غذاً واخبرك بما فكرت به وقررته .
وافترقا ، ثم ذهب مرقص الى صديقه الياس واخبره بما حدث ، وبما دار بينه وبين مريم، فقال الياس : لقد خشيت عليك من ذلك يا صديقى ، لا تندفع نحو قلبك واوهامك .
قال مرقص ، وكأن قلبه هو الذى يتحدث لا عقله : لكن مريم ستعطينى كل شىء ولا تنتظر منى شيئا تأخذه ، أليس ذلك كافياً لإثبات حبها يا صديقى ؟
قال الياس : ثم ماذا ؟ !
قال : أتسخر منى يا صديقى ؟ ماذا سأعطى لها ؟ ماذا أملكه كى أمنحها إياه ؟ أخبرنى يا صديقى ، لتخبرنى إن كنت تستطيع .
قال : نعم تملك ، تملك عقلك يا مرقص فهو كاللؤلؤ المكنون يا صديقى الحميم .
قال : دعك من ذلك حتى نناقش الأمر فى الصباح ، ولا تبالغ فى هذا الأمر يا صديقى .
وأصبح الصباح وتناقشا فى نفس الأمر ووصلا الى نفس النتيجة من الخلاف ، والتى كانا قد وصلا اليها من قبل ، ولم يذهب مرقص للقاء مريم .
ومرت الايام ومريم تذهب الى دار البحث العلمى ، وتنتظر قدوم مرقص لكنه لا يأتى ، حتى ذلك اليوم الذى لم يستطع فيه مرقص ان يصبر على فراقها فجمع اغراضه قبل ان ينشق نور الصباح ، وذهب الى المجمع فوجد مريم فى انتظاره ، فقال لها :
آهٍ يا حبيبتى لم استطع أن أبتعد عنك .
قالت : لقد انتظرتك كثيرا ، لكنى كنت واثقه من أنك ستأتى لأنك لا تستطيع العيش بدونى ، كما لا استطيع البعد عنك بعد ان تعلقت أرواحنا وامتزجت دماءنا ، وصرنا كروح واحده فى جسدين ، واحتضنته .
فى ذلك الوقت كان الياس قد استيقظ من نومه ، فلم يجد مرقص فى فراشه ، فخرج يبحث عنه فى المنزل ، فلم يجده ، ففتش عن اغراضه فلم يجدها ، فاحس ان مرقص قد عزم على الزواج من مريم والرحيل معها الى بلادها ، فذهب مسرعاً الى الشاطئ – حيث مرسى السفن – فوجدهما واقفين ينتظران ان يغادرا البلاد ، فلم يملك الياس إلا أن ذهب اليهما قائلاً : مرحباً يا صديقى ، هل عزمت إذن على الرحيل ؟
قال مرقص : نعم ، لقد تزوجنا تواً انا ومريم .
قال : هنيئاً لك يا مرقص ......... هنيئا لكى يا مريم .
قالت مريم : اشكرك يا الياس .
قال : الى اللقاء يا صديقى ........ الى اللقاء ، واحتضنه ، وصافح زوجته مريم ، ثم تركهما ليركبا السفينه ، وحتى لا يدركا حزنه على فراق صاحبه ، فتركهما وكاد قلبه يتمزق على فراق صديقه الحميم .
ركب مرقص السفينه مع زوجته ، وما ان غادرت السفينه الشاطئ حتى قال مرقص :
الى اللقاء يا مصر ....... الى اللقاء يا مصر ......... الى اللقاء يا مصر ، آمل ان أراك افضل مما تركتك عليه ان عدت اليك ثانيه .
وكأن صديقه كان يسمعه فقال وعيناه تزرفان بالدموع : الى اللقاء يا صديقى .... الى اللقاء.
وصلت السفينه الى جزيرة كريت ، واستقبل أهل الجزيرة القادمين من السفر وكان على راسهم الملك باندرياس حاكم مدينه كريت ، والذى استقبل القادمين من الرحله محتفياً بهم
غاية احتفاء .
كان والد مريم – جوليان – مقرباً من الملك ، وكانت لديهم الحرية المطلقه فى هذه البلاد حتى فى الاسماء فلم يتقيدو بأسماء اليونان او الرومان نظراً لاختلاطهم بغيرهم من الامم ، حتى فى الزواج فلم يتعجب الرجل ( جوليان ) ولم يتغير وجهه حينما وجد ابنته الوحيدة مع زوجها مرقص ولم تخبره بما حدث ، بل رحب بمرقص وجلس معه فى منزله ووعده بعد ان اطلع على مواهبه وعلومه ان يجد له عملا مناسبا ، وان يقربه من الملك ، ( وهذا بالطبع غير عاداتنا الشرقيه التى تعنى بالدقه والتمحيص فى اختيار الزوج والزوجه فى إطار تقاليد وقيم شرعية واخلاقيه ثابته ، وعاداتنا بالطبع افضل من تلك العادات والتقاليد ).
مكث مرقص فى المدينه وتعرف على كثيراً من العلماء بها ، ونال إعجاب الكثيرين منهم بعقليته الفائقة ، واثبت جدارته ومهارته البارعه حينما نحت تمثالاً للملك وتقدم به فى المسابقة التى اعدها الملك للفنون ، وحينما رأى الحاضرون التمثال اخذهم الانبهار والتعجب ، اذ كيف يصل هذا الشرقى الى تلك الدرجة من الاتقان والروعة ؟ وكأنهم نسو أنه سليل الفراعنة أهل المجد والفنون !
قال الملك : ليوضع هذا التمثال بالقصر ، ولتمنح الجائزة لهذا الفنان البارع ، ما اسمك ايها الشاب ؟
قال : مرقص يا مولاى .
قال جوليان : هو زوج ابنتى مريم يا مولاى .
قال الملك : إذن انت الفتى المصرى ؟
قال مرقص : نعم يا مولاى .
قال : فلتحدثنى عن مصر إذن .
قال : مصر يا مولاى قلب مرهف الحس تحركه المشاعر الدافئه والطيف الرقيق والنسيم الهادئ ، ويضجعه الظلم ، والبغى ، والفحش من القول ، وسوء المعاملة بانواعها .
مولاى : مصر هبة النيل ، وأهلها أعقل البشر ، وأكثرهم صبرا ، هم أول من عرف الطب ، والتحنيط ، والسنة الشمسية ، وهم أكثر من أحس بالظلم فصبر ، وبالمظلوم فرحم . تلك هى مصر يا مولاى وهؤلاء هم ابنائها .
قال الملك مبتسماً : يا لحسن بلادك! إنها حقاً أهل لما كتبه عنها هيرودوت ، فى اى مجال من العلوم تتخصص أيها الشاب ؟
قال جوليان والد مريم : انه متعدد المواهب يا مولاى ، لقد درس الطب ، والكيمياء ، وقرأ لأرسطو ، وهو ايضاً نحات بارع كما رأيت يا مولاى .
قال الملك : أحقا ذلك ؟ أقرأت لأرسطو شيئاً يا مرقص ؟
قال مرقص : قليلا يا مولاى .
قال : فماذا أعجبك فيما قرأت له ؟
قال : إن الرجل قد دعى الى إعمال العقل يا مولاى ، والعقل أدعى به ان يعمل فى كل وقت إلا عند الخلود للنوم أو الموت ، لكن الرجل أحسن فى حبه للسلام ومعرفته الإله الخالق .
قال : وما هو معنى السلام فى بلادكم ؟
قال : السلام يا مولاى هو ان لا يخشى الانسان على نفسه وسط من يعيش بينهم من البشر ومن لا يعيش بينهم ، وتلك ايضاً نتيجه السلام يا مولاى .
قال الملك : أنت حكيم إذن . لكن تلك اوصاف المدينة الفاضلة يا بنى .
قال : وأنى هى يا مولاى !
قال : حقاً وأنى هى . لتداوم على مجلسى ، فأنا أرى فيك فطنة وعقلا راجحاً ، أيها الوزير جاكوب : ليمنح هذا الشاب بيتاً وعملاً فيما يتخصص به من علم ، و اعطوه ما يكفيه من اموال حتى يكتسب اجره من عمله بالمدينة .
قال مرقص : حمى الله الملك ، شكراً يا مولاى ، لتأذن لى بالانصراف .
وانصرف مرقص مع الوزير جاكوب ليخبره انه يرغب ان يعمل فى مجال الطب والكيمياء ، فقال الوزير : إذن ستذهب الى معمل المدينه حيث يعمل ابنوس ، ابن عم الملك ، وستعمل معه .... ايها الحارس خذ سيدك مرقص لتوصله الى معمل المدينه .
ومضى مرقص مع الحارس وفى الطريق لم يَر ما كان يتخيله عن كريت وجمالها وحضارتها ، وانها فى الحقيقه لم تبلغ مبلغ مصر فى الجمال والرقى والحضارة ، فلم يرَ الا ارضاً تشبه الصحراء بشكل كبير وبها بعض الآثار القديمه ، فسال الحارس قائلاً له :
أهذه هى مدينتكم التى سمعت عنها أيها الحارس ؟
قال فى حزن : لقد تحولت بلا دنا الى هذه الحال بفعل الحرب والفتنه يا سيدى .
قال : آهٍ اللعنه للحرب وللفتنه التى تمزق كل شئ حتى الجمال والحضارة .
وصل مرقص الى المعمل فلم يجده الا بيتاً مهجوراً ، لكنه حينما دخله وجد به بعض المظاهر التى توحى بالعلم والتقدم .
وحينما اقترب أكثر مما بالداخل وجد آثاراً لتجارب كيميائيه ، فقال للحارس : أظن ان احداً كان يعمل هنا اليوم . عندها خرج ابنوس قائلا : مرحبا ايها الشاب الشرقى فى معملنا البسيط .
قال مرقص : وكيف عرفت اننى شرقى يا سيدى ؟
قال : لقد ذاع صيتك منذ ان قدمت المدنيه ، فعلمت أنك ستاتى الى هنا لأنك تعمل فى مجال الطب ، كما ان ملامح الشرقيين لا تخفى .
قال : اتشرف بالعمل معك يا سيدى .
قال ابنوس : لتتفحص المعمل اليوم ، ولتذهب ، وتحضر فى الغد حتى نبدأ العمل .
تفحص مرقص المعمل فوجد أنه يحتاج إلى الكثير ليتحول إلى الصورة التى رسمها فى خياله ثم مضى الى زوجته فى منزل والدها قبل أن يتحولا الى المنزل الجديد ، وأخبرها بما حدث وبما يحسه من قلق تجاه أبنوس هذا فقالت :
إنه رجل يحب الكيمياء ، والعزلة عن الناس ، ويكره الفلسفة والعمل بها ، ويميل الى استخدام القوةأكثر من السلام ، فحذارِأن تقع فى صدام معه حول ذلك الامر .
قال : وماذا افعل لأتجنب ذلك ؟
قالت : لا تبنْ له اختلافك معه فهو رجل أحمق شرير .
قال : سيتطلب ذلك منى الكثير من الحذر ..... الحذر يا حبيبتى ..... الحذر .




لفصل الثالث

تصارع الأفكار :-
ذهب مرقص الى المعمل فى صباح اليوم التالى ، ولما وصل الى هناك وبدأ عمله وصل حارس من قصر الملك يخبره أن زوجة الملك – باندرياس – أصيبت بحمى شديدة ، وكانت فى ذلك الوقت حاملاً فى ولى عهد الملك ، فاسرع مرقص ومعه الدواء وحينما دخل القصر وجد الملك قلقاً متوترا ، فقال : مولاى ، لتأذن لى برؤية مولاتى الملكة .
قال الملك : هيا بسرعة ، أيتها الوصيفه خذى الطبيب إلى جناح مولاتك الملكه .
وذهب مرقص ومعه الدواء الى زوجة الملك ، وقال للوصيفة :
لتعطى هذا الدواء كاملاً لمولاتك الملكه .
قالت :ألا يضر هذا الدواء بحمل مولاتى يا سيدى الطبيب ، فهى توشك على الوضع ؟
قال : لا فهو من الأعشاب التى لا تضر بالحمل بل تعطى الجنين القوة داخل بطن أمه ، لكن الملكه ستحس ببعض الهدوء فتنام حتى الصباح ، شفاك الله يا مولاتى .
قالت الملكة فى فتور شديد : من انت ؟
قال : أنا الطبيب يا مولاتى ، أتمنى لك الشفاء ، لتأخذى هذا الدواء كاملاً وستشفين بإذن الله .
قالت :إننى اتمنى أن يعيش المولود ليحمل لقب ابيه الملك وبدت عليها ملامح الفتور ،
واسترخاء الأعصاب ، وانصباب العرق ، وجسدها كأنه يغلى من أثر تلك الحمى اللعينة .

قال مرقص : خذى هذا الدواء يا مولاتى ، وستشفين بإذن الله ، وسآتي للإطمئنان عليك فى الصباح الباكر غداً .
خرج الطبيب بعد ان أخذت الملكه الدواء كاملاً ، وذهب ليطمئن الملك بأن حالة الملكة
ستستقر إن شاء الله ، ليخفف عنه من قلقه وتوتره .
اتى الصباح وتيقظت الملكه ، وقد احست بتحسن فى صحتها ، وقد زالت عنها آثار الحمى ، فطلبت ان يحضر زوجها الملك ، فما لبث حين رآها الملك - وقد زال عنها المرض –
أن صاح قائلاً فى فرح : حمداً لله على سلامتك يا زوجتى الحبيبه .
قالت : الحمد لله يا جلالة الملك ، أين ذلك الطبيب الرائع ؟
قال : أتعنين مرقص ؟
قالت : أأسمه كذلك ؟
قال : نعم . حينها دخلت الوصيفه قائلة : مولاى ، الطبيب بالخارج ، اتأذن له بالدخول؟
قال : ليدخل على الفور .
دخل الطبيب ، ولاحظ تحسن صحة الملكه ، فقال : حمداً لله على سلامتكِ يا مولاتى .
قالت : شكراً أيها الطبيب لتمنحه أيها الملك جائزة كبيرة جزاء لما فعل ، فهو حقاً طبيب بارع .
قال الملك : اطلب ما شئت أيها الطبيب ، فإن لك فى قلبنا مسرة وموقعاً حسناً .
قالت الملكة : لإن انجبت ولداً ذكراً لأسمينه على اسمك .
قال مرقص : لتسميه ( رينيه) يا مولاتى ، فهو اسم جميل يسهل تعلقه بالذهن ، ويصلح لأن يكون اسم ملك .
قال الملك : سلْ شيئا نعطك اياه اذن .
قال : لا اريد سوى أن يرضى عنى مولاى ، وأن اشرف بالانضمام الى مجلسك ، وأن يجعل مولاى الملك مجلساً للعلماء تلتقى فيه بهم ، وتعرف كيف يفكرون ؟ وبماذا يحلمون من اجل هذه البلاد ومستقبلها ؟
قال الملك : أحسنت إنها فكرة رائعه ، أيها الوزير : ادع كل علماء المدينة للاجتماع كل شهر فى مجلس ساعقده لهم ليتعرف كل عالم على خبرات غيره فيتزود بها .
قال الوزير : سمعاً وطاعه يا مولاى .
قال : لتعلمهم أن اللقاء الاول سيكون بعد غدٍ ، ليستعد كل واحد منهم ، وليفرغ نفسه لذلك اليوم فى موعده من كل شهر .
قال الوزير : سمعاً وطاعة يا مولاى الملك ، وحمداً لله على سلامة مولاتى الملكة .
واتى موعد المجلس ، وحضر العلماء من كل ارجاء المدينة ، فعلماء الطب ، والفلسفة ، والكيمياء ، والهندسة ، والرياضيات ، والفنون ، وغيرها .
كان الملك قد طلب من مرقص أن ينظم هذه اللقاءات ، بالاضافه الى عمله ليزداد قربه من الملك أكثر واكثر ، ولتزداد ايضاً خبراته فى كل المجالات العلميه .
اللقاء الأول : -
ففى اللقاء الأول لم يزد حديثهم عن التعرف على بعض الخبرات ومفاتيح العلوم ، واستحوذت سيرة الشرق ، وخاصة مصر على أغلب ما قيل فى اللقاء .
وفى اللقاء الثانى :-
تدارس العلماء علم الطب ، وكيف عرف المصريون الطب قبل العالم أجمع منذ سالف ألازمان والسنين .
قال مرقص : إن طبيعة مصر بها الدواء من كل داء وفيها دواء كل عليل : فى نهرها ، وفى جوها ، وتربتها تنبت أفضل الأعشاب التى يتداوى بها من ليس من اهلها ، أما أهلها فحياتهم بمصر بعيدة عن كل داء ، فلم يحتاجو كثيراً
إلى الدواء ، ولكنهم عرفو الطب من باب الفضول ، وليسهل عليهم جلب الدواء عند الحاجة النادرة اليه .
قال الملك : ما أعظم الشرق ! وما أعظم مصر !
قال أحد ألعلماء : سمعنا أنك تعرف التحنيط يا مرقص ، فما هو سره فى بلدكم ؟ ذلك السر الذي شغل الأرض كلها وكان من فنون المصريين التى لم يستطع أحد غيرهم أتقانها،
فما السر فى ذلك ؟
قال مرقص : ليؤاخذنى الملك ، فأنا لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال ، فقد أخذ على معلموى عهداً ألا أفشى هذا السر لأحد حتى لابنائى .
قال الملك : لماذا ؟ !
قال : إنما هى أسباب تتعلق بهم هم ، لكنى لا أستطيع أن أنقض عهدهم ، ولا أظن أن الملك يقبل أن ينقض أحد عهداً فى حضرته ليجيب عن سؤال ، فهل يقبل الملك ذلك ؟
قال الملك : لا ، لنجد حديثاً آخر .
وحينها دخل ابنوس – ابن عم الملك وزميل مرقص– قائلاً : فما رأى صديقنا فى الحكمة ؟
قال مرقص وكأنه نسى ما حذرته منه زوجته : الحكمة عقل ، وقلة العمل بها نقص به .
قال ابنوس : فما رأيك فى السلام ؟ وما رأيك فى الاستظهار بالقوة ؟
قال : السلام مفتاح النصر لكلا المتنازعين ، اما الاستظهار بالقوة فباب الهزيمة ، والخذلان لكلا الطرفين .
قال : لكن السلام والحكمة قد لا بنفعان فى وقت لا يصلح فيه إلا القوة .
قال الملك وقد أحمر وجهه : ليست كل قوة تنفع يا بن العم ، وان من القوة ما يضر صاحبه وأهله ، ألا ترى أن الأسد أقوى من الإنسان ، ومع ذلك يهزمه الإنسان بعقله وحكمته ؟
قال الحاضرون : حقاً صدق الملك .
قال ابنوس : لكن السلام غيرُ مجدٍ مع اعدائنا يا مولاى .
قال الملك : ومن تقصد بأعدائنا ؟ أتقصد الرومان ؟ أم تقصد بنى جلدتنا ممن يجاوروننا ؟
من تقصد يا بن العم ؟ من تقصد إذن ؟
قال : بل أقصد الرومان يا مولاى ، فهم قوم لا تنفع معهم الحكمة ولا السلام .
قال الملك ، وقد عاد وجهه الى الاحمرار : لنقم الآن فإنى لا أريد أن أكمل حديثاً تطرق اليه اللغو والمراء .
قال أبنوس : أتصف كلامى باللغو والمراء يا بن العم ؟ أنت هكذا دائماً لن تتغير ، وانصرف عاضباً ، بعد أن عزم على ألا يجلس فى مجلس الملك أبدا .
لم يكتف أبنوس بمقاطعة مجلس الملك بل قاطع أيضاً المعمل الذى يعمل فيه مرقص ، وصار يؤلب الناس على الملك ويدعوهم الى القيام بثورة ضده ، متهماً الملك بأنه يسير خلف أوهام فتى شرقى أحمق لم يفقه شيئاً عن حياة الغرب ولا عاداتهم .
شاع بين الناس ما يبثه أبنوس من تجاوزات وأكاذيب حول الملك ومرقص ، لكن حب الناس للملك غلب عليهم فلم ينصتو الى كلام ذلك الأبله المعتوه .
وصل الأمر الى الملك ، فأشار على مرقص ، فقال : مولاى ، لو أنك أصبته بمكروه لشاع أنه على حق وأن الملك يخشى من ابن عمه ، ولتأكد للناس صدق ما يقول من شائعات، فينصتو اليه بعد ان كانو يتجاهلون أقاويله وأكاذيبه .
قال الملك : فماذا نفعل إذن ؟
قال : لتصبر يا مولاى ، فهو من أهلك والصبر عليه أفضل .
قال : صدقت ، سنصبر حتى نرى أيرجع عن غيَه أم لا ؟
ومضى الرجل فى غيَه ، واخذ يؤلب الناس ضد الملك ، لكن حب الملك كان قد تمكن من قلوب الناس فلم ينصت أحد لقوله ، بل ورموه بالخبل وبالجنون .
أحس أبنوس بالفشل ، ودخل الى نفسه التشاؤم واليأس فآثر أن يعتزل الناس فى كهفه المهجور بالجزيرة ومعه ابنه رومانس – والذى شرب مشرب والده أيضا – وسار يفكر فى شيء يضجع به منام الملك وبزحزحه به ، فاستعان بالسحر والتشعوذ اللذين قرأ عنهما فى كتب الكهان والتى قد تؤدى الى الكفر – والعياذ بالله – واستطاع الإتصال بأحد الشياطين ليعاونه فيما يرمى اليه من شر يريده للناس وحقد يكنه لهم .
وما لبث شيطانه اللعين أن وسوس اليه أن يصنع مركباً مدمراً يهدد به الملك حتى يرغمه على فعل ما يريده ،ووقتما يشاء .
وبالفعل صنع اللعين ذلك المركب ، ثم ما لبث أن ذهب الى الملك قائلاً :
مولاى : أريد أن أحدثك بأمر فيه خير لنا ولبلادنا .
قال الملك فى خنق منه : وما هو ذلك الامر ؟
قال : إن الرومان دخلو بلا دنا وأشاعو الفتنة بيننا ، فينبغى أن نرد عليهم بما هو أقوى منهم
قال : وكيف ذلك ؟ ماذا تقصد ؟
قال : الحرب يا مولاى هى السبيل لإذلالهم وإخضاعهم وإعادة مجدنا الذى مزقه هؤلاء الحمقى ، ولقد أعددت ما نتمكن به من هزيمتهم .
قال الملك : أظنك تريد المركب الذى تحدثت عنه من قبل واختلفنا كثيراً بسببه .
قال : نعم يا مولاى ، فما رأيك ؟
قال : لا . لا أريد حرباً ، كفانا ما راح من جراء الحروب والفتن من أرواحنا ، بل نسعى أولاً لأن نتوحد ، ثم نسعى بعد ذلك لفك قيودهم عنا .
قال أبنوس : الوحدة ! أين هى يا مولاى ؟ أغلب الملوك فى بلادنا حمقى لا يدركون خطورة الموقف .
قال الملك فى سخرية : أذن أنت من يدرك ذلك يا أبنوس ! أنسيت ما فعلته وما أشعته بين الناس ؟ أنسيت ما نختلف دوماً من أجله ؟ ألم تقاطع مجلسى بسسب ذلك ؟ كيف تريد أن تفرض رأيك على الآخرين ؟ ما هذه الحماقات يا رجل ؟
قال : أتتهمنى بالحماقة ايها الملك ؟ إننى أحذرك من الا تنصت لكلامى ، ففى ذلك خطر عليك وعلى قومك .
قال : أهو تهديد منك إذن ؟ لترجع عن غيَك وعنادك يا ابن العم .
قال أبنوس : أتسمى ذلك غيَا ؟ لتفهم ما شئت أيها الاحمق المتخاذل .
صاح الملك غاضباً : أغرب عن وجهى قبل أن آمر بقتلك ، أغرب فلا أريد أن أراك ثانية ايها الأحمق الشرير ، أغرب عن وجهى .
فرَ الأحمق وهو يقول : سنلتقى قريباً أيها المتخاذل .... سنلتقى ، وذهب الى كهفه وطلب من ابنه رومانس أن يذهب ليحضر لهما طعاماً ، فقد نسى أن يحضره .
قال الشاب : سمعاً وطاعة يا ابى ، ومضى الى المدينة ليحضر الطعام .
وفى الوقت الذى غاب فيه الابن عن والده أخذ الوالد اللعين يعيد النظرات الى مركبه اللعين، وغوت له نفسه أن يدمر قصر الملك باندرياس ، ونوى أن يستعين باحد اللصوص ليقوم بتلك المهمة اللعينة القذرة .
وفى وقت انتظاره لولده دفعه الفضول الى أن يفك أجزاء المركب ليتأكد منها ثانية ، ظناً منه أنها قد لا تؤدى الهدف المقصود منها على الصورة التى رسمها فى عقله اللعين .
وبدأ فى فك المركب الى اجزاءه الصغيرة ، لكنه كان قد نسى الطريقة التى ركبه بها ، فانفجر المركب فيه فاحترق جزاء حمقه وعناده ، وليخلص البشرية من شره بيده .
وبعدها بقليل وصل الابن ومعه الطعام فوجد والده ملقى على الارض محروقاً ومشوهاً يلتقط أنفاسه الاخيره ، وقبل موته لم يؤثر أن يترك خيراً حتى بعد مماته ، فقال لابنه :
بنى : لقد قتلنى الملك يا بنى ، لا تدعه يفلت بفعلته مهما كلفك ذلك ، الزم الاحمق مرقص وتعلم منه ، ولا تفصح له عما فى نفسك ، ولا تدع الملك يهنأ بما فعله ، ثم مات .
سمع الابن هذه الكلمات ( وهى بالطبع نصائح غالية لمثله ! ) نصائح مشوهه للحقائق الواضحة ، حتى عند التقاط الأنفاس الأخيرة أبت نفسه إلا أن تشوه الواقع ، وتطمس الحقائق لتملئ نفس الفتى وعقله الذى ما لبث يخطو مرحلة الشباب حتى وجد افكاراً مشوهة عن الواقع تملئ عقله وتلفق له الأكاذيب وتصورها وكأنها حقائق ، فأخذ على نفسه أن يشرب مشرب والده من الخسة والخداع ، وأن يكون عدواً لدوداً للبشرية يوماً ما ، وأن يكون من طامسى الحقائق مهما كان مصيره ، ومها كانت العواقب الوخيمة التى تنتظره جراء ذلك .
صاح الفتى : آهٍ يا أبتاه .... آهٍ يا أبتاه ، لمن تتركنى ، لن أدع قاتليك يفلتو بفعلتهم أبدا مهما حدث ، لن أدعهم أبدا يا أبى . ومضى فى أحزانه وغيَه لينفذ ما أوصاه به والده اللعين قبل موته .
وهكذا تتصارع الافكار دوماً ، فمن مؤيد للخير ومنطق العقل ، الى فكر لا يتحدث إلا من منطلق القوة والاستظهار بها ، وبين الاسلوبين بالطبع فرق كبير . وبين الأسلوبين صراع كبير منذ الأزل ، وسيبقى الصراع بينهما ، حتى يأتى اليوم الذى تقف فيه السنة طامسي الحقائق عن الكلام وتظهر الحقيقه أمام الأعين واضحة مشرقة لا يقدر أحد على أن يخفيها،
لأن الأحوال تكون قد تبدلت الى حال لا تظهر فيه سوى الحقائق ، ويندثر ما عداها من أكاذيب واختلا قات ، ولا يبقى حينها سوى الحساب والجزاء ...... الحساب والجزاء .


================================================

الفصل الرابع

عشق الأفاعى : -
كان رومانس أبنوس فاسيليدس شاباً ماكراً مراوغاً ، شرب مشرب ابيه أبنوس ، ما لبث بعد أن مات والده أن ذهب الى الملك – الذى أخبره والده الأفاق أنه قاتله – وأخبره بموت ابيه ، وانه أوصاه قبل موته – حيث سقطت عليه صخرة من الكهف الذى كانا يعيشان به
( سبب ملفق ) وأوصاه أن يذهب الى الملك ويعلن ولاءه له وطاعته ، وأن يطلب من الملك
أن يجعله كابنه الصغير رينيه ، وأن يشرفه بالعمل مع أستاذه مرقص .
عندها قال الملك وقد ارتسم على وجهه الحزن : آهِ يا ابن العم ..... آهِ يا أبنوس ، لقد كان عنادك سبب موتك ، تعال يا بنى فأنت من اليوم مثل رينيه ولدى . حينها دخل مرقص قائلاً : مولاى : لقد ولد لى اليوم مولود جميل يجمع بين عقل الشرق وحكمة الغرب .
قال الملك فى حزن : هنيئاً يا مرقص ، ماذا أسميته ؟
قال : أرادت أمه أن تسميه إبرام . لكن ما بال مولاى أراك حزيناً ؟
قال : لقد مات أبنوس يا مرقص ، وهذا هو ابنه رومانس .
قال وقد تحولت ملامح وجهه من الفرح إلى الحزن : كيف حدث ذلك يا مولاى ؟
قال رومانس : سقطت عليه صخرة من الكهف يا سيدى .
نظر مرقص إلى الفتى فإذا به يجد شاباً نحيلاً ، أحمر الوجه ، حاد الأنف ، عيناه غائرتان تطل منهما ملامح الكره والدهاء والحزن المصطنع ، والتى لا يتمكن من معرفتها إلا كل ذى عقلِ حكيم . ثم قال : كيف حالك يا بنى ؟ كان والدك صديقاً لى .
قال الشاب فى نفسه : آهِ اللعنة ، ما أجملكم ! وما أبهى صوركم فى ثياب الفضيلة المصطنعة ! لكن كيف ؟ كيف يكونون قاتلى أبى ؟ فحينما عدت الى هناك لم أجد أثراً لأحد ، أظن أن أبى كان يضللنى ليشحن نفسى وروحى ضد هذا الطبيب المعتوه وذاك الملك الأحمق ، لا تخشى شيئاً ولا تقلق يا أبى سأستغل حلم الملك وعدله أفضل منك ، وهنيئاً لك فى نار الخلد ........ هنيئاً لك ...!
بدت تقلبات الفكر على وجه رومانس ، فقال الملك : رومانس .... رومانس ، ألست معنا؟
قال : بل أنا معكم دائماً يا مولاى ، معك دائماً .
قال : إذن ستعمل من اليوم مع أستاذك مرقص فقد كان صديقاً لوالدك ، وسنعد لك منزلاً تسكن به حتى تكون على حريتك ، أو أن تسكن القصر هنا معنا .
قال : مولاى ، أما العمل مع أستاذى مرقص فيشرفنى ذلك ، أما أن أبقى هنا فى المدينة فليؤاخذنى مولاى ، فلا أستطيع أن أبتعد عن كهف والدى .
قال الملك : لكن كيف ستبقى وحدك فى مثل هذا الكهف المهجور البائس يا بنى ؟ ألا تخشى على نفسك ؟
قال : دعنى وما أحب يا مولاى .
قال : لك ما تشاء ، لكن سيكون لك منزل هنا بالمدينة تنزل به وقتما تريد وتحب .
قال : أطال الله عمر مولاى الملك .... أطال الله عمر الملك ، لتأذن لى بالانصراف يا مولاى . وأنصرف الشاب ، وبعد أن خرج قال مرقص : آهِ يا مولاى لم يكن أحد يتوقع ما حدث لأبنوس هذا .
قال الملك : نعم ، ولكنها الرذيلة ، أنها تودى بصاحبها فى أى وقت وفجأة حينما لا يستطيع أصحابها ردها عن أنفسهم .
قال : صدقت يا مولاى ، لتأذن لى بالانصراف .
قال : لتذهب ، لكن أوصيك أن تهتم بشأن هذا الشاب وان تعلمه قدر المستطاع من حكمتك وعلمك ، فإنى أريد أن أرى فيه رجلاً أفضل من أبيه .
قال : سأفعل ما تشاء ، وسيكون بإذن الله يا مولاى . ثم خرج عائداً إلى بيته ليحتفل بمولوده الجديد .
وفى صباح اليوم التالي ذهب مرقص الى المعمل فوجد رومانس هناك فتعجب قائلاً :
مرحباً رومانس ، ألم تزل فى حزنك على والدك يا بنى ؟ ! إذهب حتى تسيطر على أحزانك وآلامك ، ثم لتأت للعمل بعد أن تتحسن حالتك .
قال : الحزن لن يعيد ما ذهب يا سيدى وها قد تحسنت ، فلنعمل أفضل من العكوف على ألآلام والأحزان ، فالعمل ينسى من لا يستطيع النسيان .
قال : يعجبنى هذا الحماس أيها الشاب الجاد ، هيا لنعمل إذن .
وعمل رومانس مع مرقص فى معمله ومضت الأيام ، وتعلم رومانس من أستاذه الكثير ، لكن مرقص كان يلحظ عليه ميوله الى المركبات الكيماوية القوية بدلا من الأعشاب فى إستحضار الأدوية ، وبدت عليه بعد صفات والده الى جانب نشاطه الفائق فى العمل ، فتذكر مرقص أبنوس قائلاً فى نفسه : الولد مثل أبيه ، فهو يشبهه كثيراً ، أخشى أن يصبح مثله فى يوم من الأيام ، آهِ أيها الفتى الذكى ، أخشى عليك أن تصبح مثل أبيك فى يوم من الأيام . ولم يبن مرقص للشاب عما فى نفسه خشية أن يؤذى مشاعره ، وحتى يتأكد من ظنه .
وفى جلسة من جلسات الملك باندرياس إنضم رومانس الى المجلس ، وأخذ يسمع لحديث العلماء ولم يتفوه بكلمة واحده حتى لاحظ الملك ذلك فقال له : لمٍِ لا تشارك فى الحوار يا رومانس ؟
قال : أود أن أسمع الى هؤلاء العلماء يا مولاى وأزيد خبراتى بما لديهم ، فأنا لم أبلغ مبلغهم من العلم فكيف أتحدث فى وجودهم ؟
تبسم الملك قائلاً : أحسنت ايها الفتى الذكى ............أحسنت .
ومضت الايام ، ورومانس يداوم على مجلس الملك ، وفى يوم من الايام طلب الملك من رومانس أنْ يبقى بعد المجلس لأنه يريده فى امرهام .
وبعد أن انتهى المجلس وخرج الجميع قال الملك : لتجلس يا رومانس حتى أحدثك .
قال بعد أن جلس : ما الأمر ؟ أطال الله عمر مولاى الملك .
قال : ألا تريد أن تتزوج يا بنى ؟ ألم تنو أن تتزوج بعد ؟
قال : ليس الآن يا مولاى ، وحينما أريد سأخبر مولاى قطعاً ، فقد صرت والدى منذ أنْ مات أبى أبنوس .
قال : أحقاً يا بنى ؟
قال :نعم يا مولاى ، اليس شرفاً لى أنْ أصبح ابناً لمولانا الملك ؟
تبسم الملك قائلاً : آهٍ أيها الفتى الشقى لتذهب ، ولتطمأننى عليك فى كل وقتٍ ، وسأعلم من استاذك ما إذا كنت تتعلم أم لا .
قال : أطال الله عمر الملك ، لتأذن لى بالانصراف يا مولاى .
وانصرف الشاب وبينما هو يخرج من باب القصر إذا به يجد جارية جميلة فائقة الجمال تدخل من باب القصر ، بيضاء فائقة البياض ، حمراء الخدين ، سوداء العينين ( والقلب ) يطل منها المكر والدهاء ، والشعر الاسود الداكن مثل ظلمة الليل الحالك ، ملفوفة القوام ، فقال :
من انت ايتها الجارية ؟
قالت مشمئزة : وما شأنك أنت ؟
قال لها الحارس : لتتحدثى معه برفقٍ فهو ابن ابن عم الملك .
تحولت نبرةً صوتها إلى اللين قائلة : إذن فالملك عمك ؟
قال رومانس : نعم أيتها الجارية الحسناء ، ونظر لها نظرات شوقٍ ، وإمعان فى وجهها الجميل فقالت : أنا احدى وصيفات الملك .
قال : أحقاً ؟ فهل ترغبين أن تكونى وصيفةً لى بل قد تكونين زوجة فى يوم ما ؟
قالت ، وكانت تتطلع الى أن تفارق القصر : نعم لكن على أن أكون سيدة لا جارية .
قال : آهٍ أيتها الحسناء الماكره ، لتذهبى لكن ما اسمك لكى أطلبك من عمى الملك ؟
قالت : جوليانا .
قال : اسم جميل ، سأذهب الى الملك واخبره بأننى أريد أن يهدينى إياك .
قالت : بل يزوجنى اياك .
قال : لن بسمح الملك بذلك ، سنتدبر الأمر بعد أن تكونين لى ، ولك ما تشاءين حينها أيتها الحسناء الماكره .
وعاد اللعين إلى الملك قائلاً : مولاى ، لقد وجدت وأنا خارج من باب القصر إحدى الوصيفات ، فأرجو من مولاى أن يهدينى اياها ، حتى تقوم على خدمتى ، فأنا وحيد كما يعلم مولاى ، وليس لدى من يخدمني .
قال : ومن تلك ؟
قال ـ تلك التي اسمها جوليانا يا مولاى ، اريدها لكى تقوم بخدمتى .
قال : لكنها وثنيه يا بنى ، وأنا لا آمن عليك معها ، وهل تريدها لخدمتك فقط أم أنها أعجبتك ايها الشاب ، وأغرتك بجمالها الخلاب ؟
قال : لا يا مولاى بل ستكون مجرد جارية ووصيفة فحسب ، واطمع فى كرم الملك وعطفه فى أن يهدينى اياها .
قال : لتأخذ غيرها فأنا لا آمن لها .
قال : لتهدينى اياها يا مولاى فلعلى اجعلها تثوب إلى رشدها ، وتعود عن غيها ، وهى بعيدة عن القصر .
قال : آمل ذلك ، هى لك ، ايها الحارس احضر تلك الجارية له ، لكن لتكن فى حذر منها يا بنى .
قال :السمع والطاعة يا مولاى الملك .
وأتت الفتاة ، وذهبت معه إلى المنزل بالمدينه ، والذى أعده له الملك ، وقضيا معاً ليلة ساهرة يتبادلان فيها الأشواق كالأفاعي الناعمه فى جلدها ، كالحرير ملمسها ، لكنها تخفى تحت هذا الجلد الناعم الموت ، والشر الوبيل .
وبعد أن تبادلا الأشواق ، وقبل أن يفضى منها وطره قال لها : ستكونين رهن اشارتى فى كل وقت ، فلقد علمت انك وثنيه ، فلا تخالفي أمرى ، أو تفشى سرى ابداً ، لأن الملك لا يميل اليك قط ، ولولا ذلك لما أهدانى اياك .
قالت : سمعاً وطاعة يا مولاى الحبيب ، وأخذت تتمايل بجسدها كالأفعى ، وعيناها تبرقان كبريق زجاجات الخمر ، وامسك اللعين بشعرها الناعم ، وانقضَ عليها كالنمر الذي ينقض على فريسته اللينة الناعمة ، ( والتى فى الحقيقة ما هىالا من سلالات الافاعى ، وربيبة الشياطين ) وبعد ما قضى منها وطره قالت له :
آهٍ يا سيدى لقد عشقتك حين وقعت عليك عيناى ، ووقعت بقلبى موقع السحر ، ومع أننى أسأت أليك ، لكن ما لبثت أنْ أحتضنتك داخل قلبى وعقلى ، ولن أكون الأ كما تريد يا سيدى الحبيب .
قال رومانس : آهٍ ايتها اللعينه يا لسحرك الخلاب ! أنت من أنتظرتها طيلة حياتى وستكونين كاتمة أسرارى إلى الأبد .
وبينما هذان اللعينان يتبادلان الأشواق اللعينه كان مرقص يجلس بجوار زوجته مريم والتى اوشكت أن تضع وليداً ثانياً أخاً أو أختاً لابنه إبرام ، وكاد القلق يقتله على صحة زوجته الحبيبه ، وولدها القادم ، حتى أحس أن موعد الوضع قد حان ، وأزف ، فأسرع ليحضر طبيبة القصر لتعين زوجته على الوضع ( ومع أنه طبيب بل صار أشهر وأفضل الاطباء منذ قدومه الى المدينه إلا أنه لم يستطع فعل ذلك ، خاصة مع زوجته ) وبسرعة خاطفة أحضر الطبيبة ، وهو فى شدة القلق والخوف على زوجته ووليده الجديد .
وإذا به وسط الليل ، والناس نيام يسمع أصوات صرخات تشق ظلام الليل تبشر بقدوم وليده الجديد ، فشكر الله ، ثم ما لبث بعد أنْ خرجت الطبيبة حتىدخل الى زوجته ليطمئن عليها قائلاً لها : حمداً لله على سلامتك يا حبيبتى ...... حمداً لله
قالت حمداً لله يا زوجى العزيز، انظر الى صغيرك الجميل ، فنظر إلى الفتى قائلاً : وماذا سنسميه يا حبيبتى الغاليه ؟
قالت : فلتسمه أنت ، فأنت ابوه .
قال : بل تسمه أنت كما تشاءين .
قالت : لقد اسميت أنا إبرام ولدنا فلتسم أنت هذا المولود الجميل .
قال : إذن لنسمه ( خوسيه ) فهو أسم جميلُ يسهل تعلقه بالذهن .
قالت : خوسيه ..... أسم جميل . ليكن اسمه خوسيه يا زوجى الحبيب .
ثم ما لبث أن طرق طارق ، فذهب مرقص ليفتح الباب متعجباً من هذا الذى يأتيهم فى هذا الوقت المتأخر ؟ ثم ما لبث بعد أن فتح الباب أن وجد والد مريم ( جوليان ) وقد اتى ليطمأن على أبنته ، فأسرع ليدخله من ذلك البرد القارص متعجباً من قدومه فى مثل هذا الوقت المتأخر .
دخل الوالد على ابنته مسرعاً قائلاً : حمداً لله على سلامتك يا ابنتى .
قالت : حمداً لله يا أبى ، لماذا اتيت فى هذا الجو القارص ؟ الا تخشى على نفسك ، وقد تقدمت بك السن ؟
قال : كاد يقتلنى القلق يا ابنتى ، وليس لى غيركم أقلق عليه ، فما لبثت أن رأيتُ مرقص وقد أحضر الطبيبه حتى ألتففت فى ثيابى ، وأتيت اطمأن عليك يا حبيبتى ، لكن أين حفيدى الجميل ؟
قالت : ها هو يا أبى العزيز ينام مثل الملائكة .
قال : وماذا ستسميا هذا المولود الجميل ؟
قالت : لقد سماه والده : خوسيه .
قال : خوسيه .... أسم جميل اتمنى أن يصبح الفتى فى رقة والده ، وأن يصير مثله فى كل شيء .
قال مرقص : أشكرك يا عمى العزيز .
قالت مريم : ولمن سيكون غير أبيه يا والدى .
وظل الجميع فى فرح وسرور حتى أصبح الصباح ، وذهب مرقص إلى قصر الملك ، وأخبره بقدوم مولوده الجديد ، وأنه أسماه خوسيه فقال الملك بوجه مشرق :
مبارك لك يا مرقص ..... مبارك لك وسيكون فتى عظيماً كوالده ، ايها الوزير جاكوب :
لتمنح الطبيب مرقص هدايا وليده الجديد خوسيه ، ولتصدر مرسوماً بتولية مرقص وزيراً ثانياً لك مكافأة له على جهوده فى بلادنا .
قال الوزير وكان رجلاً مطيعاً صالحاً : لكنى أخشى أن يثور علينا أحد بسبب ذلك يا مولاى .
قال : لقد أحب الناس مرقص فلا أظن أن أحداً يكره ذلك ، وهيا لتفعل ما أمــــــــرتك بــــــه
وحسب ، هيا أيها الوزير الطيب .
قال مرقص : أنا مع الوزير جاكوب يا مولاى .
قال الملك : لا شأن لك بذلك وإنما يكون ذلك مصلحة لنا ولبلادنا قبل أن يكون لك ، والزمان كفيل بتأكيد ما أقوله – وستفصح الايام عن صواب ما رميت اليه .


الفصل الخامس
الدواء القاتل :-
شعر الناس بالسعاده حينما علمو أن مرقص أصبح وزيراً للملك باندرياس رغم إنه ليس من جنسهم ، لكن عقليته الفائقه ، وحكمته هى ما جذب قلوب الناس نحوه ، ليثبت صحة ما رمى اليه الملك ، وخطأ ما توقعه كل من الوزيرين جاكوب ومرقص .
وحينما علم رومانس بن أبنوس بما حدث اشتد خنقه على الملك وحقده على مرقص ، فأوغر نفسه ضد الملك وصار يفكر ويقول : ماذا أفعل ؟ لقد جعل هذا الملك الاحمق ذلك الفتى الشرقى المعتوه سيداً علينا ، لابد أن أتخلص من هذا الملك الاحمق ، لكن كيف ؟ كيف ؟ اللعنة عليك يا باندرياس ..... اللعنة عليك يا مرقص .
ومضى رومانس فى حقده وكراهيته للملك وهو يحلم باليوم الذى يجد فيه فرصة ليتخلص من الملك ، لكنه لم يبن للملك ولا لمرقص شيئاً مما بداخل نفسه كما فعل والده ، بل داوم على العمل مع مرقص ونفسه تضج بالحقد والكراهية عليه وعلى ملكه باندرياس .
ومرت الايام ولم يمنع ذلك اللعين عن تفكيره وعما فى نفسه شئ ، حتى بعد أن ولدت ابنته مارسيليا ( ابنة جوليانا ) لم ترده عن غيه ، أملاً فى أن يعيش حياة آمنة مع زوجته وابنته الصغيرة .
وتمضى الايام ولم تتغير نفس رومانس ولم تغير منه الايام شيئاً ، وبعد مضى أربع سنوات من ميلاد ابنته مارسيليا وسبع سنوات من وزارة مرقص وصل الحقد داخل نفسه مبلغاً لم يستطع أن يحتمله ، وفى ليلة ما وهو مع جاريته اللعينة جوليانا - وام ابنته مارسيليا -
قال لها : لقد قلتِ يا حبيبتى أنكِ ستكونين رهن إشارتى ، اليس كذلك ؟
قالت : نعم يا سيدى الحبيب ، ولن أتأخر عن فعل أى شئ تطلبه منى مهما كان ذلك .
قال : لا يا حبيبتى فأنت لا تتأخرين عن تلبية نداء المال الذى سيناديك بعدما تنفذين ما أريده منك .
قالت : وماذا تريد يا حبيبى ؟
قال وقد أخرج السم من جيبه : هذا سم فتاك ، لو وضع فى طعام أحدهم لمات على الفور ، وأستطيع أن أقتلك به إن شئت يا حبيبتى .
قالت فى تدلل : وهل تستطيع فعل ذلك مع حبيبتك جوليانا ؟
قال : بالطبع لا يا حبيبتى ، انما هو الملك اللعين باندرياس ، أريد أن يمزق هذا السم أحشاءه .
قالت فى هلع ، ووضعت يدها على فمها : الملك ؟ لماذا تريد قتله ؟
قال : لأنه سلب حق والدي فى حكم هذه الجزيرة ( وهو بالطبع سبب ملفق ) ، واريد أن أسترد حقى وتصبحين أنتِ زوجة الملك ، وامنحك من الجواهر والذهب ما تريدين إضافة الى الخدم والوصيفات .
قالت اللعينة : لكن أيمكن أن يتحقق هذا الحلم الجميل ؟
قال : نعم إذا فعلت ما أطلبه منك بدقة .
قالت ، وكأنها نست أمر ابنتها الصغيرة : إذن ما هى خطتك ؟
قال : ان هذا السم فتاك لكنه لا ينتشر فى الطعام إلا إذا وضع فيه وهو ساخن ثم يبرد الطعام ، وبذلك ينتشر السم ولا يستطيع أحد أن يوقف تحركه ، لأنه حينئذٍ سيسرى فى دماء الملك ويتلفها ، وبذلك ينتهى أمره .
قالت : وكيف يكون ذلك ؟
قال : لقد كنت فى القصر وبالطبع تعرفين الكثير عن الوصيفات والجوارى وخاصة الجشعات منهن العاشقات للمال اللاتى تتصفن بالدهاء والمكر .
قالت : نعم يا زوجى الحبيب ، انها تلك اللعينة أنجيل ، بها كل ما نريد من صفات فهى مقدمة الطعام للملك ، وستتمكن من تنفيذ خطتنا ، فهى ذكية بل هى داهيه تعبد المال ، لا أدرى كيف يأمن الملك لتلك اللعينة الماكرة ؟
قال : هل تعرفينها ؟
قالت : إنها صديقتى .
قال : إذن فأنا واثق من أنها ستفعل ما نريد لأنها مثلك يا حبيبتى . وقضى اللعينان الليلة يحلمان بالمجد الكاذب ، ويتبادلان الأشواق اللعينة .
وفى الصباح ذهبت اللعينة الى صديقتها الخائنة ، واتفقت معها على الخطه بعد أن اشترتها بالمال ووعدتها بالكثير منه . وحانت لحظة التنفيذ :
ترقبت الجارية اللعينة خروج الطاهي قليلاً وهو يعد طعام الملك ، ووضعت السم فى صحفة الملك التى اعتاد أن يأكل منها ثم خرجت بسرعة قبل قدوم الطاهى ، الذى ما لبث أن حضر ونادى عليها لتذهب بالطعام الى الملك .
أخذت اللعينة الطعام من الطاهى ، وطلبت منه أن ينصرف وستذهب هى بالطعام الى الملك .
ما لبثت اللعينه بعد أن انصرف الطاهى أن تباطئت حتى تأكدت من مغادرة الطاهى القصر تماماً ، وحتى يبرد الطعام ، ثم ذهبت به الى الملك بعد أن صار الطعام بارداً .
كان الملك قد طلب من الوزير مرقص أن يشاركه الطعام فى ذلك اليوم ، وما لبثت اللعينة أن دخلت بالطعام ووجدت الوزير يجلس بجوار الملك على المائدة حتى ارتبكت ، لكنها حاولت إخفاء ذلك قبل أن يلحظ الملك شيئاً ، لكن الوزير أحس بشئ من القلق تجاه تلك الجارية .
وضعت الجارية الطعام امام الملك ، ثم طلبت من الملك أن يأذن لها بالانصراف .
وقبل تنصرف لمس الملك الطعام بيده ، وقال : ما هذا أيتها الجارية ؟ !
قالت اللعينة وقد زاد ارتباكها : ما بال مولاى ؟
قال : إن الطعام بارد اليوم ، اذهبى به الى الطاهى حتى يسخنه وعودى به بعد أن يصبح ساخناً .
قالت : لقد انصرف الطاهى يا مولاى .

قال : ولماذا تباطئت فى احضار الطعام أيتها الحمقاء ؟
قالت متلجلجة : لأنى ...... لأنى ...... لأنى كنت نسيت الملح يا مولاى فعدت لإحضاره .
ازداد شك الوزير بعد أن نظر الى الطعام فوجده من الأصناف التى لا تبرد بسرعة ،
فقال : لتسمح لى بشئ يا مولاى .
قال : وما هو أيها الوزير ؟
قال : تعالى يا جارية وكلى من هذا الطعام .
قال الملك : لماذا ايها الوزير ؟
قال : لتأمرها أن تفعل يا مولاى .
قال الملك : تعالى ايتها الجارية وكلى كما أمر الوزير .
ارتعدت الفتاة خائفة ، وقالت : أعف عنى يا مولاى ..... أعف عنى .
قال الملك : ما الامر أيتها اللعينة ؟
قال الوزير : هذا الطعام مسموم يا مولاى .
قال : مسموم ؟ ! أحقاً ايتها اللعينة ؟ وبدا الغضب على وجهه .
قال الوزير : رفقاً بنفسك يا مولاى ، إنها مؤامرة حيكت لقتلك ، ولقد أحسست بشئ غريب حينما دخلت هذه الفتاة ، لكنى لم أتوقع أن يصل الأمر الى هذا الحد ، لكن من الذى يريد قتلك يا مولاى ؟ من هذا اللعين ؟
قال الملك فى عضب : لتأتونى بكلب ليأكل هذا الطعام .
وأتى الحراس بالكلب ، وأكل من الصحفة التى بها السم فمات على الفور ، وعندها إزداد عضب الملك وأحمر وجهه ، وقال للجارية : من حرضك على ذلك ايتها الخائنة ؟ تحدثى وإلا أمرت بقتلك .
قالت فى هلع : أعف عنى يا مولاى ...... أعف عنى .
قال : أخبرينى ايتها اللعينة ، تحدثى ، وصاح بصوت عال : من ذلك اللعين الذى يود قتلى ؟ هيا تحدثى أيتها الخائنة .
قالت ، وهى ترتع من شدة الخوف : إنها جوليانا زوجة مولاى رومانس .
قال : كذبت ، لقد منحت رومانس كل شئ ، أيكون جزائى أن يحيك ضدى المؤامرات وأن يحاول قتلى ؟
قالت : لا يا مولاى ، ليس هو من أمرنى بذلك ، انما هى جوليانا ، لأنها أخبرتنى أنها تكرهك أنت وبلادك لأنها من أصل رومى ، وأهلك هم السبب فى أنها أصبحت جارية بعد أن كانت سيدة ( وكأنها بذلك تنقذ رومانس من أن يدفع ثمن مؤامرته القذرة ! ) .
سمع الملك ذلك ، فقال : خذو هذه اللعينة والقو بها فى السجن حتى نرى ما يحدث لها جزاء خيانتها ، واطلبو لنا رومانس بن أبنوس ليحضر على الفور .
ذهب جندى من القصر الى المعمل فوجد رومانس هناك – حتى يبعد الشكوك عن نفسه -
فقال : سيدى رومانس : مولاى الملك يريدك على الفور .
أسرع اللعين ومعه الدواء ظاناً فى نفسه أن الملك قد أصابه السم وبعثو اليه ليعالجه ، فذهب مسرعاً ، وحينما دخل القصر ووجد الملك جالساً على كرسيه يطل من عينيه الغضب أصيب اللعين بالإحباط ، ثم ما لبث أن قال : ما بال مولاى ؟ حماك الله يا مولاى ، علمت أنك تريدنى ، ما الأمر ؟
قال وما زال الغضب مرتسماً على وجهه : ألم أحذرك يا رومانس ؟ ألم أحذرك من تلك الجارية اللعينة ؟ لقد تآمرت علىِ وحاولت قتلى ، أكنت تعلم بذلك ؟
نظر اللعين اليه كالثعلب الماكر ، ورسم على وجهه الغضب المصطنع قائلاً : اللعنة لها .... كيف تفعل ذلك تلك اللعينة ؟ كيف أتآمر عليك يا مولاى وقد منحتنى كل شئ ؟ أأكون ناكراً للجميل ؟
قال الملك وقد هدأ : لا تؤاخذنى يا رومانس ، لقد أخبرتنا الجارية اللعينة التىدبرت معها المؤامرة بالحقيقة ، وانك برئ من ذلك ، فلتسامحنى يا بنى ،إنها ثورة العضب .
قال اللعين : بل لن أسامح نفسى ، ولن أسامح تلك اللعينة على ما فعلت يا مولاى ، أتريد قتل أبى ؟ لكن كيف عرفتم ذلك يا مولاى ؟
قال : لقد اكتشف وزيرنا الأمر ، ولولا حماية الله ووجودالوزير لاتتهى أمرى .
قال اللعين فى نفسه : مرقص ؟ لعنك الله ايها الشرقى المعتوه الأحمق ، ثم رفع صوته قائلاً : حماك الله يا مولاى ، نفسى فدائك ، لألقنن تلك اللعينة درساً لن تنساه أبدا .
قال الملك : ماذا ستفعل يا بنى ؟
قال : ليأذن لىمولاى بالإنصراف .
وانصرف اللعين مسرعاً ، وقد ارتسم على وجهه الحزن والكآبة وهو يقول فى نفسه :
ايتها الحمقاء يا جوليانا ، ماذا افعل ؟ ماذا أفعل ؟
وذهب اللعين الى كهفه ، فوجد اللعينة فى انتظاره وهى تبتسم وتظن أن خطتها قد أفلحت ، عندها قال رومانس فى غضب : آهً أيتها الحمقاء ، كيف اتفقت مع وصيفة حمقاء مثلك ؟
ماذا لو اننى لم آمرك أن تحضرى الى هنا ( الكهف ) بعدما تتفقين مع تلك اللعينة ؟ لولا ذلك لبعث الملك من يقتلك ، لتجمعى أغراضك وترحلى من هنا قبل أن يبعث الملك من يأخذك.
قالت اللعينه مذعورة : هل أنكشف أمرنا ؟
قال : بل أمرك أيتها الحمقاء اللعينة .
قالت : ماذا تقصد ؟ ألن تغادر معى إذن ؟
قال : لا بل ستذهبين أنت فقط ، احملى ما تشائين ولا أريد أن أرك ثايتة بعد اليوم ايتها اللعينة الحمقاء .
أحست جوليانا بأنه يتخلى عنها ، فقالت : وابنتى ألن تأتى معى ؟
قال بعد أن جذبها من ردائها لتخرج : لا بل ستغادرين أنتِ فقط ، ولتذهبى قبل أن يأتى من يأخذك أو أقتلك أنا .
صاحت اللعينة قائلة : الآن ايها اللعين الخائن ...... الآن اتضحت الرؤية ، لن اغادر قبل أن آخذ ابنتى .
قال : لا بل ستذهبين ، هيا ، أخشى أن يكون الملك قد بعث أحداً خلفى .
قالت : فليأتو إذن ، حتى اخبرهم باتفاقنا ايها اللعين الخائن .
قال : لقد تطاولت كثيراً ايتها اللعينة ، وعلا صوتك . وأخرج خنجره وطعنها طعنات متكررة صرعتها ، وسالت دماءها النتنة الحقيرة بالمكان ، وقبل موتها قالت : اللعنة للخيانة .... اللعنة لك يا رومانس ، آمل الا تخرج أبنتنا مثلنا ..... اللعنة على الشر ، ثم ماتت .
وما لبث اللعين أن خرج من كهفه حتى وجد جنود الملك قد أتو خلفه ، فقال – وكان ممسكاً بخنجره تقطر منه دماء الخائنة - : هيا لقد قتلت الخائنة ..... هيا الى الملك .
وذهب اللعين الى الملك ، وحينما رآه الملك ممسكاً بخنجره تقطر منه الدماء صاح قائلاً :
لماذا يا رومانس ؟ لقد خشيت عليك من ذلك .
قال رافعا صوته ومسكا بخنجره : لقد قتلت الخائنة يا مولاى ..... لقد قتلتها .
قال الملك فى حزن : لكنها ام ابنتك يا رومانس .
قال : لئن تحيا أبنتى بلا ام خير لها من أن تشب فتجد أمامها أماً خائنة ، فموتها أفضل من حياتها يا مولاى ، حتى لا تعلم ابنتها الرذيلة .
قال الملك : آهٍ ايتها الفتاة المسكينه ،إنها لم تبلغ الخامسة بعد من عمرها ، لتعتن بها يا رومانس ، وقد جعلت لها راتباً تنفق عليها منه حتى تشب ، ولا أريدك أن تؤذيها أبداً ، ولتلبى لها كل ما تريد فكفاها موت أمها وهى ما زالت ناعمة الأظافر يا بنى .
قال : اطال الله عمر مولاى ....... أطال الله عمر الملك . ثم أنصرف ونفسه تقول :
( ليقصر عمر الملك ، ليقصر عمر الملك )
ومضت السنين ورومانس يعمل مع الوزير مرقص ، ونفسه تكن له كل الحقد والبغض ، وفى يوم من الايام أصاب مرقص بعض التعب والاجهاد ، فطلب من رومانس أن يقوم مكانه فى العمل بالمعمل حتى يذهب ليستريح ، فقال اللعين على الفور : سمعاً وطاعة يا سيدى الوزير ، ونفسه تتمنى أن تكون هذه هى آخر مرة يرى فيها مرقص .
ذهب مرقص الى منزله وكانت أمارات المرض قد بدت عليه ، وحينما طرق الباب وكاد يسقط من التعب فتح ابنه إبرام الباب ورأى والده فجرى عليه ونادى على أخيه خوسيه ، وحملا والداهما الى الفراش ، وعندها قال إبرام – والذى كان حينها قد بلغ الحادية والعشرين من عمره - : ماذا حدث يا أبى ؟
قال الأب : لا تقلق يا بنى إنه إجهاد بسيط وسيزول بعدما أستريح .
قال خوسيه - والذى كان قد بلغ التاسعة عشرة من عمره : لتسترح يا أبتاه ، وسأذهب أنا الى المعمل لأتابع العمل مع سيدى رومانس حتى تصح ، فقد تعلمت منك الكثير .
قال الوالد : أحسنت يا بنى ، فأنا لا آمن على المعمل من نفس هذا الرجل خاصة بعد محاولة زوجته قتل الملك .
قال خوسيه : ألم يبرئ من ذلك يا أبى ؟
قال : دعك من ذلك يا بنى ولتذهب إلى المعمل حتى أطمأن إلى ان كل شئ يسير على ما يرام . وبينما هم يتحدثون إذا بالملك يطرق الباب ، فذهب إبرام وفتح الباب قائلاً :
مولاى الملك : لتتفضل . ودخل الملك قائلاً : أين غرفت أبيك ؟
قال : ها هى يا مولاى . ودخل الملك الغرفة ، فحاول الوزير أن يقوم ليرحب بالملك لكن الملك منعه من ذلك ، ومازحه بقوله : ما هذا ايها الرجل العجوز الكسول ؟ ماذا حل بك؟
قال : إنما هو إرهاق يا مولاى .
قال : إذن ستعود إلى العمل فى الغد ؟
قال : أتمنى ذلك يا مولاى .
قال : سأتركك تستريح ، وأتمنى لك الشفاء العاجل .
قال الوزير : أشكرك على كرمك يا مولاى ، ثم مضى الملك إلى قصره ليتدبر أمور مدينته.
ومضت الأيام وأزداد المرض على الوزير مرقص ، وما زال خوسيه يعمل مع رومانس مكان أبيه ، والذي اثبت إنه تلميذ نجيب ، ومرت الأيام ولم يقم الوزير من فراشه ، حتى حانت اللحظة التى نفذ فيها اللعين رومانس حلمه تجاه الملك :
حضر حارس من القصر الى المعمل ذات يوم قائلاً : سيدى رومانس ، لقد اصابت مولاى الملك وعكة شديده لتحضر معى ألان لتراه .
ذهب اللعين مسرعا الى الملك ، وقال : نفسى فداك يا مولاى ، ماذا حل بك ؟
فقال الملك وهو طريح الفراش يتألم : لا أدرى يا رومانس ، لقد أصابتنى وعكة شديدة اليوم ، ولا أدرى ما سببها ؟
قال رومانس بعد أن فحصه : مولاى ساعطيك الآن عقاراً يجعلك تنام ، وفى الصباح سآتيك بالدواء الذى يقضى على تلك الوعكة تماماً .
قال : أثمة شئ خطير يا رومانس ؟
قال : لا تقلق يا مولاى ستبرئ بإذن الله ، لتأذن لى بالانصراف .
وذهب اللعين الى معمله وأعد العقار اللازم لمرض الملك ، وأعد سماً من نفس جنس ذلك العقار – بحيث لا يمكن إكتشافه - ومزج السم بالدواء ، وقال حينها :
الآن حانت اللحظة التى ساقضى عليك فيها ايها العجوز الملعون باندرياس ، ثم نادى على خوسيه بعد أن أصبح الصباح قائلاً له : خوسيه : لتذهب بالدواء الى الملك فلدى عمل أريد أن أتمه .
كان اللعين يدرك ان السم لن يحدث مفعولاً إلا بعد مرور يوم كامل عليه ، وبعدما ينتهى أثر العقار الشافى ومفعول الدواء ، فبعث بخوسيه ليبعد الشبهة عن نفسه .
ذهب خوسيه بالدواء واعطى الملك إياه ، وعندما تناوله الملك أحس ببعض الراحة التى أحدثتها نسبة الدواء التى بالعقار كما رتب الملعون رومانس لذلك .

ثم ما لبث الملك فى المساء أن أحس باسترخاء تام ، وفتور فى الأعصاب ، فصاح رينيه
( ابن الملك ) قائلاً : يا حراس ..... يا حراس ، أحضرو الطبيب .
أتى خوسيه ورومانس مسرعين ومعهما الكثير من الاطباء وتحسسو الملك ، وعندها قال الاطباء لرينيه : إنه الموت يا سيدى ، لكنهم لم يستطيعو أن يحددو السبب ، فقد كان اللعين رومانس قد حبك خطته ، وقد كان طبيباً بارعاً ، فلم يتمكن الاطباء من إكتشاف سمه اللعين . حينها قال رومانس : لقد توقفت أعضاء الملك عن العمل بسبب تلف الكبد ، وهى التى أحدثت تلك الوعكه الشديدة ، وما صنعته من دواء وارسلت به مع خوسيه إنما هو مسكن وقتى فقط ، لكن القضاء حتم ، والموت أزف ، ولا يمكن لأى انسان ان يعيش بدون كبد يا سيدى ( قال اللعين ذلك وهو يدرك أن سمه لا يمكن إكتشافه مهما فعل الاطباء ومهما بلغو من الإتفان ، ولا يمكنهم إنقاذ الملك من الموت ،إذ كيف يجدون الدواء وهم لا يدكون حقيقة الداء ؟ ! لقد صنع اللعين الدواء من مادة تدخل الكبد وتمزقه دون أن يدرك
الأطباء مفعولها اللعين ، وكان ذلك العقار اللعين هو الدواء القاتل ) .
طلب رومانس من الأمير أن يصرف الجميع عن الملك ، وألا يخبره أحد بحقيقة الأمر ، فعسى أن لا تتحقق توقعاتهم . ( لكن اللعين واثق من أن الموت واقع لا محالة ) .
وفى الصباح وقع المحتوم الذى لا مفر منه ، ومات الملك باندرياس قتيلاً وشهيداً ، ضحية للغدر وللخيانة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق