الخميس، 19 ديسمبر 2013

عدت الملف:ايمان بدر
 حينما اختار الملك رمسيس الثانى مكانا لتمثاله قرر عباقرة الفلك والعمارة فى مصر الفرعونية أن يضعوه فى موقع تتعامد عليه الشمس مرتين كل عام الأولى يوم ميلاد الملك والثانية يوم جلوسه على العرش فى إشارة رمزية إلى أن شمس الحضارة والرقى أشرقت على البلاد يوم ولد الملك ويوم جلس على كرسى الحكم.. وهذا هو قدر الدولة صانعة الحضارة وصانعة الفراعنة أن ترفع شعار ولدت البلاد يوم ولد الإله الحاكم ولكن لأن مصر قبل 25 يناير 2011 غيرها بعد هذا التاريخ يحتفل الثوار بالعيد الأول لجلوس الرئيس مرسى على الكرسى بطباعة وتوزيع ما أسموه الكتاب الأسود لمرسى فى حين يطفئ المهللون والطبالون الشمعة الأولى بفيلم وثائقى يحمل عنوان عام من الإنجازات وبعيدا عن الإعلام المضلل حسبما يصفه أنصار الرئيس والإعلام المطبل حسبما يراه المعارضون له فإن التقييم والتحليل الموضوعى له مستويان الأول أن يتم تقييم أداء الرئيس فى ضوء وعوده وبناء على كلامه هو نفسه والثانى أن تطرح التساؤلات على الجماهير فيأتى ردهم وفقا لما شعروا به من تغييرات فى حياتهم اليومية سلبا أو إيجابا وبعيدا أيضا عن دهاليز السياسة والاقتصاد ومصطلحات الخبراء المعقدة نجد أن الرئيس مرسى نفسه حدد لنفسه منذ اليوم الأول أو من بداية حملته الانتخابية ملفات خمسة قال إنه قادر على حل مشاكلها خلال المائة يوم الأولى هى الأمن والمرور والنظافة والوقود والخبز ومن هنا يجب أن يكون التقييم من زاوية مدى قيامه ليس بحل هذه المشاكل ككل لكن على الأقل مدى قيامه بوضع أسس علمية لاتخاذ إجراءات وتدابير التعامل مع هذه المشكلات وإذا كان مرسى فى خطاب ستاد القاهرة احتفالا بذكرى 6 أكتوبر قد أكد أن هذه المشاكل قد تم إنجاز حلول جذرية لها بنسب تتجاوز الـ50٪ خلال المائة يوما الأولى فمن الطبيعى هنا أن نسأل وإلى أى حد وصلت الأمور خلال العام الأول لأن من ينجز 50٪ خلال مائة يوم يتجاوز الـ100٪ خلال أكثر من 350 يومًا حتى الآن وبالعودة إلى كلام مرسى فى خطاباته الأولى نجده يحرص على تحية «كل الناس الحلوة اللى بيحبونا» على طريقة الأفراح حيث يرسل الحب والأحضان والقبلات للعمال والفلاحين وسواقين التاكسى والميكروباص والتوك توك والمدرسين والقضاة والمحامين وإن كان نسى الصحفيين والمبدعين فى خطابه الأول لكنه عاد ليذكرهم فى خطاب ميدان التحرير حينما فتح صدره وحيا أهل الفكر والفن والابداع والصحافة والمفارقة أنه فى خطاباته الأخيرة اعتاد أن يكشر عن أنيابه لهؤلاء وبعدما بدأ بعبارة فى عهدى لن تغلق جريدة أو قناة ولن يقصف قلم أصبح كلامه الموجه للصحفيين والإعلاميين من نوعية «أنا عارف مين بيقول إيه وإزاى وعشان إيه» وبين الخطبتين إغلاق قناة «الفراعين» ووقف بث قناتى «دريم» من استوديوهاتها رغم حصولها على أحكام قضائية نهائية وعزل جمال عبدالرحيم رئيس تحرير جريدة الجمهورية من منصبه رغم حصوله على أحكام قضائية نهائية هو الآخر ووصل الأمر إلى صفع الصحفيات على الوجوه أمام مكتب الإرشاد بل وقتل الحسينى أبوضيف أمام الاتحادية ولم يتم إدانة أحد حتى الآن تلك الانتهاكات والاعتداءات على صاحبة الجلالة تحمل فى طياتها إهدارا لأحكام القضاء والتفافا على سلطة النيابة العامة بتعيين نائب عام ملاكى بالمخالفة لقانون السلطة القضائية بل ولحكم محكمة استئناف القاهرة دائرة رجال القضاء ومن محاصرة الدستورية العليا إلى إهانة المنصة تحت قبة برلمان الكتاتنى وصولا لإصرار مجلس أحمد فهمى على إصدار قانون السلطة القضائية بالعند فى نادى القضاة ورغم أن مرسى وقتما كان مرشحا للرئاسة امتدح النادى ورئيسه المستشار الزند وقال إنه شخصية مقدرة ومحترمة وأن نادى القضاة هو الحصن المنيع الذى تصدى لتزوير الانتخابات ومجلس الدولة هو الذى حكم الأحكام الكثيرة التى أعادت الحقوق وقال مرسى نصا: إحنا مانسيناش ولكنه على ما يبدو نسى وأمعن فى إهانة القضاة وتجاهل مطالبهم وقال عن الشخصية المحترمة المقدرة: أنا مش فاهم الزند عايز إيه ناهيك عن اتهام حكيم الجماعة مهدى عاكف للقضاة بالفساد والذراع اليمنى للإخوان عصام سلطان الذى دخل فى معركة لصالح الجماعة مع الزند ونادى القضاة ليكون مرسى هو صاحب مذبحة القضاة الأكبر فى عامه الأول ويكون هو الرئيس الوحيد الذى يهدد بالإطاحة بأكثر من 3500 قاض وهو أيضا أكثر رئيس قدم بلاغات ضد الصحفيين والإعلاميين تجاوزت 120 بلاغا فى عامه الأول حسب تصريح جمال فهمى وكيل نقابة الصحفيين الذى قدمت الرئاسة بلاغا ضده هو نفسه بتهمة إهانة الرئيس، ومن إهدار استقلال القضاء وانتهاك حرية وكرامة الصحافة يؤكد العام الأول لمرسى أن الحقوق السياسية والمدنية لا تنفصل عن الاقتصادية والاجتماعية، حيث أكد محمد فرج نائب رئيس اتحاد الفلاحين أن العام الأول للإخوان هو أسود عام عاشه الفلاح المصرى فى تاريخه الممتد لسبعة آلاف سنة وأن أزمات نقص الأسمدة والوقود اللازم لماكينات الرى والحصاد والدراس ولنقل المحاصيل بالإضافة لارتفاع أسعار التقاوى وكارثة قلة مياه الرى كلها أدت بالفلاح إلى التجويع وخراب البيوت وهو نفس المصطلح الذى استخدمه القيادى العمالى كمال أبوعيطة رئيس اتحاد النقابات العمالية المستقلة والذى قال فى عيد العمال الماضى المفترض أن يكون شعار جماعة الإخوان نحمل الخراب لمصر والتشريد لعمال مصر، حيث أغلقت المصانع وتم تشريد العمال ورفضت حكومة هشام قنديل تنفيذ أحكام القضاء باستعادة الشركات الصادر أحكام بإعادتها حتى صدر حكم بعزل قنديل نفسه من منصبه وحبسه لامتناعه عن تنفيذ حكم عودة شركة غزل شبين ولم تنفذ الحكومة بل اكتفت باعتقال أكثر من ألف ناشط عمالى وتحرشت بمدينة المحلة التى وصل الإخوان للحكم على دماء وأكتاف عمالها الثائرون فى 6 أبريل 2008 ولم تقدم حكومة الإخوان للعمال سوى قانون النقابات العمالية الكفيل بتدمير العمل النقابى العمالى وهو القانون سيئ السمعة المعروف بقانون خالد الأزهرى وعلى ذكر القوانين رصد الناشط الحقوقى والمحامى السياسى حافظ أبوسعدة عدم دستورية وبطلان معظم أو بالأدق كل القوانين والقرارات التى أصدرها الرئيس أو التى أقرتها البرلمانات ذات الأغلبية الإخوانية بدءا من قانون العزل الذى أصدره مجلس الكتاتنى وقضت الدستورية العليا بإسقاطه وصولا لقانون السلطة القضائية الذى يصر مجلس الشورى الباطل على أن يتحدى به القضاة وقبله قانون بيع مصر بالصكوك الذى اعترض عليه الاقتصاديون والخبراء والأزهر الشريف وقانون الجمعيات الأهلية الذى رفضته المجتمعات المدنية المحلية والدولية وحتى مشروع قانون قناة السويس الكارثى الذى يأتى بالتزامن مع إصدار قانون الصكوك لتتمكن قطر حليفة الإخوان من شراء القناة أو بالأدق استطاعت الدوحة أن تحول ودائعها إلى سندات بضمان أصول الدولة وأهمها قناة السويس وليس غريبا على جماعة قال كبيرهم طظ فى مصر ولا مانع من التنازل للإخوان فى السودان عن مثلث حلايب وشلاتين ليس غريبا أن نجدهم يسلمون قناة السويس لقطر مثلما تركوا سيناء مرتعا لـ3 آلاف إرهابى تكفيرى عفا عنهم مرسى رغم أن بعضهم محكوم عليه بالإعدام وفتح الباب أمامهم للعودة من أفغانستان وباكستان والشيشان وتركهم يعيثون فسادا فى سيناء مقابل أن يصرح محمد الظواهرى قائلا: إنه لو تم إسقاط مرسى ووصل للحكم رئيس من العلمانيين سيحمل الجهاديون السلاح ضده حتى لو كان وصوله بالصناديق وبما أننا فى زمن العجائب ليس مستغربا أن نجد ابن خالة الظواهرى يعين رئيسا لديوان رئيس الجمهورية وهو السفير محمد رفاعة الطهطاوى الذى اتهمه النشطاء وشباب الثورة بالاشراف والضلوع فى تعذيبهم على أسوار قصر الاتحادية ليلة موقعة الاتحادية الأولى وإذا كان مرسى هو أكثر رئيس اتهم الصحفيين والإعلاميين بتهمة إهانة الرئيس وتنازل عن بلاغاته بضغوط أمريكية فإن الصحفى والكاتب بلال فضل استبق الجميع باتهام مرسى نفسه بتهمة إهانة مصر ومرت الأيام لتثبت نظرية فضل ليس فقط فى تورط مرسى وجماعته بإهانة أم الدنيا ولكن ظهرت آراء قانونية تتهم حكم الإخوان بالخيانة العظمى لأن النظام الذى يحول مصر إلى تابعة لدولة قزمة مثل قطر يتهمها صحفى تعلم فى القاهرة بأنها لم تنجز للبشرية سوى أقراص الطعمية والنظام الذى يسافر رئيسه ليتسول من روسيا فيخرج لاستقباله عمدة إحدى المدن ويذهب ليستجدى عطف إثيوبيا فلا يستقبله إلا وزيرة التعدين ويتبعه قرار تحويل مجرى النيل والنظام الذى يغرق البلد فى الديون ويرهن فى مقابلها أصول الدولة والنظام الذى يخضع ويركع ويتحالف أو يحتمى بجماعات من الارهابيين هذا النظام ألا يستحق المحاكمة بتهمة إهانة وخيانة مصر؟
بالأرقام: خسائر السياحة تجاوزت 13 مليار دولار وضياع استثمارات بـ8 مليارات دولار وإغلاق 4500 مصنع فى سنة أولى إخوان
استطاع مرسى أن يدير الملف الاقتصادى بأسلوب حوله من أول رئيس مدنى منتخب إلى أول متسول مدنى منتخب وبالأرقام بلغت ديونه خلال العشرة شهور الأولى من حكمه 20 مليار جنيه بمعدل 2 مليار كل شهر بمعنى أن كل طفل يولد الآن يأتى للدنيا مديونا بـ25 ألف جنيه وهى أموال لن يسددها مرسى وجماعته ولكن ستتحمل أعباء ديونها وفوائدها الأجيال القائمة مثلما نسدد الآن ديون نظام المخلوع مبارك والتى لم تتجاوز 35 مليار جنيه على مدار أكثر من ثلاثين عاما وبالعودة إلى الماضى شهورا قليلة نجد برنامج النهضة الإخوانى الذى انتخب على أساسه الدكتور مرسى يعد المصريين بجلب استثمارات تتجاوز 200 مليار دولار خلال السنوات الأربعة الأولى وبالفعل فى بداية عهده عاد رقم الـ200 مليار دولار ليطل علينا ليس من خلال استثمارات ولكن فى سياق عرض تقدمت به دولة قطر لتأجير آثار مصر الفرعونية بحق الانتفاع مقابل الـ200 مليار وحينما نشرت الصحف وثيقة تثبت تلقى وزارة مالية المرسى حجازى وزير المالية الإخوانى السابق هذا العرض وأخذه مأخذ الجد وقامت الدنيا ولم تقعد فى الإعلام والصحف تم إلغاء المشروع وفى المقابل تجرى على قدم وساق عمليات تخريب المزارات السياحية وتحويل منطقة خليج نعمة إلى مصرف لمجارى شرم الشيخ ومطلع الهرم إلى موقف لعربات الكارو ومقلب قمامة بل وتجرى عمليات حرق ممنهج لفنادق الخمس نجوم والمولات السياحية وطرد وتطفيش مستثمرين بحجم الشربتلى والوليد بن طلال وغيرهم بهدف إحلال أثرياء الإخوان بقيادة الشاطر ومالك محل طبقة رجال الأعمال المنتمين للجنة السياسات والمقربين لنظام مبارك وأعلن الخبراء صراحة أن ما يحدث فى مصر يعد هوانا سياسىا وخرابا اقتصادىا حسب تعبير المفكر السياسى الكبير دكتور يحيى الجمل وقال الدكتور على لطفى رئيس الوزراء الأسبق أن العام الماضى شهد هروب استثمارات تجاوزت 8 مليارات دولار وتراجع إيرادات السياحة التى كانت تتجاوز 13 مليار دولار سنويا فى حين ارتفعت نسبة التضخم لتصل إلى أعلى معدلاتها 15٪ وكانت من قبل الثورة لا تتجاوز 8٪ وهى فى الدول المتقدمة 4٪ علما بأن ارتفاع التضخم يساوى دخول البلد فى مرحلة المجاعة لعدم القدرة على استيراد الاحتياجات الأساسية وفى مقدمتها الغذاء والوقود لانهيار قيمة العملة المحلية مقابل الصعود السريع للدولار وعلى ذكر المجاعة وثورة الجياع باتت المجاعة المائية أمرا واقعا بعد بدء إثيوبيا فى بناء سد النهضة وتحويل مجرى النيل الأزرق بما يعنى فقدان مصر 18 مليار متر مكعب من المياه و35٪ من الكهرباء وبوار 2 مليون فدان لتعيد كلمة النهضة ورقم 2 مليون فدان للأذهان مشروع النهضة الإخوانى الذى كان يتضمن استصلاح 2 مليون فدان جديدة ولم يقدم لنا عهد مرسى سوى فقدان 122 ألف فدان فى العام الأول بسبب التعديات على الأراضى الزراعية حسب تصريح د.أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادى
من أزمة البوتاجاز إلى مأساة السولار وانقطاع الكهرباء.. مصر تغرق فى الظلام والوزير يؤكد أنها أزمة نفسية
فى بداية عهد مرسى شهدت البلاد أزمة حادة فى أنابيب البوتاجاز ووقتها طالبه الجميع بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل ومنع تهريبه إلى غزة ليحل الغاز الطبيعى محل البوتاجاز كوقود أرخص وأنظف ومنتج محلى أو هكذا كان وقتها بدلا من البوتاجاز المستورد من الجزائر والسولار المستورد من السعودية وكلا الدولتين كانتا تصدرا الوقود لمصر فى العهد البائد والدفع مؤجل أما الآن وفى ظل الأزمة الاقتصادية ونقص الدولار وتراجع الجنيه فأصبح الدفع كاش والسفن لا تنزل حمولتها قبل سداد الثمن بالكامل وبدلا من أن يستجيب مرسى للمطالبة بالتصدى لتهريب الوقود المصرى سواء إلى الأهل والعشيرة فى غزة أو إلى السوق السوداء فى مصر وجدنا وسائل الإعلام تنشر صور محطات البنزين فى غزة والمواطن الحمساوى يختار بين الغاز المصرى والغاز الإسرائيلى بل ووجدنا وزير بترول سابق يعلن صراحة أن بعض نواب الإخوان السابقين والحاليين لديهم شركات بترول ومحطات بنزين متورطة فى الاستيلاء على الوقود المدعم وبيعه فى السوق السوداء ومن هنا يصبح حلم التحول من البوتاجاز والسولار المستورد إلى الغاز الطبيعى والبترول المصرى مستحيلا خاصة مع نشر تقارير رسمية تؤكد أن مخزون مصر من الغاز الطبيعى فى طريقه للنضوب بأسرع مما يتصور أحد وفى ظل استمرار الشركات العالمية التى تنقب فى مصر عن البترول وتحصل عليه برخص التراب وفقا لاتفاقيات جائرة وجاهلة ثم تعود لتبيعه للحكومة المصرية بالسعر العالمى وبأضعاف أضعاف الثمن الذى بعناه به وحتى حينما كشف الخبراء عن حقول بترول وغاز واقعة فى المياه الإقليمية المصرية ومع ذلك تستولى على إنتاجها دول مثل إسرائيل وقبرص لم تتخذ حكومة الإخوان أى موقف وتوالت أزمات نقص الوقود من البوتاجاز إلى بنزين 80 و90 واختفاء السولار وانقطاع الكهرباء وغرق البلاد فى ظلام دامس وفى ظل نقص المازوت والسولار تتوقف المخابز والمصانع خاصة مصانع الأسمنت والأسمدة التى لجأت حكومة مرسى مؤخرا إلى سحب حصتها من السولار لتوجيهها لمحطات الكهرباء حتى تتوقف مؤقتا ظاهرة تكرار انقطاع الكهرباء فى معظم المحافظات بعدما تجاوزت فترات تخفيف الأحمال 8 ساعات يوميا وفى المقابل هددت شركات الأسمنت والأسمدة بمضاعفة الأسعار وهو ما يهدد الفلاح بمزيد من الكوارث ويصيب سوق المقاولات والعقارات بحالة شلل تضاهى شلل وسائل المواصلات وطوابير السيارات التى تغلق الطرق حول محطات البنزين ناهيك عن ارتفاع أسعار إيجار ماكينات الرى والحصاد والدراس وحرمان المحاصيل من دفعات السماد ومياه الرى بسبب عدم توافر السولار اللازم للماكينات بل وتعرض المحاصيل للتلف والارتفاع الجنونى فى أسعار جميع السلع بسبب تضاعف تكلفة النقل وتعرض السيارات التى تنقل البضائع من الحقول والمصانع إلى الأسواق لمشاكل بسبب البنزين والسولار، أما عن موقف الرئيس محمد مرسى من الأزمة التى جعلت مصر تحترق بدون وقود فنجده قد عين وزير تموين عبقرى هو المهندس باسم عودة الذى حقق انجازا منبهرا حينما وصل عدد متابعى صفحته على الفيس بوك إلى 100 ألف واحتفل الوزير بذلك والتقطت له صور تذكارية مع أنبوبة البوتاجاز المكتوب عليها حلم كل مصرى ثم صرح عودة على هامش الاحتفال بأن أزمة السولار فى مصر نفسية
لأول مرة فى تاريخ مصر أصحاب المخابز أعلنوا الإضراب وأوقفوا الأفران بسبب منظومة الخبز التى أقرها مرسى
فى تصريح سابق أدلى به القيادى الإخوانى المهندس إبراهيم أبوعوف لـ«صوت الملايين» بمناسبة مرور المائة يوم الأولى على حكم مرسى قال أبوعوف إنه من بين إنجازات الرئيس أنه لا يوجد مواطن مصرى لا يستطيع أن يحصل على الخبز الذى يحتاجه وكلمة يحتاجه هنا ربما كانت تحتاج هى نفسها إلى تفسير خاصة مع تحديد الوزير الإخوانى باسم عودة لحجم احتياج المواطن المصرى من الخبز وألا يتجاوز 3 أرغفة فى اليوم يعنى رغيف فى الوجبة وبعيدا عن ريجيم الدكتور باسم عودة الذى قرر على ما يبدو أن يترك تخصصه فى الهندسة ويعمل فى مجال طب التخسيس والرشاقة يؤكد الواقع أن الدكتور مرسى دخل تاريخ الخبز من أوسع أبوابه بوصفه أول رئيس جمهورية يعلن فى عهده أصحاب المخابز الاضراب عن العمل وتوقف الأفران وإغلقها بل أغلق بعضهم طريق تلا شبين الزراعى احتجاجا على منظومة الخبز التى أقرها مرسى ووضعها له العبقرى عودة والتى بمقتضاها يتضاعف سعر توريد المازوت للأفران ويرتفع سعر جوال الدقيق المدعم من 80 جنيها إلى 120 جنيها ورغم تراجع مرسى كعادته عن قراره فإن الدكتور نادر نور الدين الخبير الزراعى يؤكد أن ارتفاع أسعار القمح المستورد بسبب الجفاف وارتفاع سعر الدولار وزيادة كمية الواردات من الأقماح حسب بورصة شيكاغو الدولية يهدد مصر بأزمة حادة خاصة فى المعروض من الدقيق الفينو والخبز الفينو والبلدى علما بأن أزمة الوقود وتحديدا المازوت تلقى بظلالها على سوق المخبوزات وتسبب ارتفاعا جنونىا فى الأسعار
قطار أسيوط فرم «50» طفلا تحت عجلاته ولا الرئيس زارهم ولا رئيس وزرائه تبرع لهم بدمائه مثلما فعل مع أطفال غزة
فى برمان 2005 وقع حادث قطار العياط الشهير ووقف وقتها النائب د.محمد مرسى تحت القبة كالأسد يقول إنه لا يجب الاكتفاء بمعاقبة الكمسارية وحتى المهندسين ولكن حياة مواطن تساوى إقالة الحكومة بأكملها من وزير المواصلات وصولا لرئيس الوزراء ومحاكمتهم، وسبحان مغير الأحوال أو سبحان مغير مرسى من قبل الكرسى إلى ما بعد الكرسى حيث يحصل الرئيس على أعلى أصوات فى محافظة أسيوط الصعيدية ويختبر القدر مواقفه حينما يختار 50 طفلا من تلاميذ أحد المعاهد الأزهرية الابتدائية بمنفلوط ليستشهدوا تحت عجلات القطار ولم يكلف الرئيس خاطره ليذهب إلى الصعايدة ويقدم واجب العزاء ولم يقبل رئيس وزرائه هشام قنديل الذى ذهب خلال أيام الحادث السوداء إلى غزة وتبرع بدمه لأحد أبناء الأهل والعشيرة من أطفال حماس ويصرخ الصعايدة قائلين إحنا اللى جبنا مرسى وإحنا اللى هنشيله وما هى إلا ساعات ويقع حادث مشابه هو حادث القطار الحربى حاملا جنود الأمن المركزى فى البدرشين وبعدها بساعات حادث قطار أرض اللواء وترتفع الصرخات مطالبة بإقالة الحكومة النحس ليجند الإخوان شيوخهم وقنواتهم ليحرموا ويكفروا من يتهم الحكومة بالنحس على اعتبار أنه يعترض على القضاء والقدر وكأننا فى دولة كهنوتية كنسية تحرم العلاج والتداوى من المرض لأنه ابتلاء من السماء وعملا بنظرية الصبر على البلاء ذهب محللو وسياسيو الإخوان لأننا لو أقلنا الحكومة أو حتى وزير المواصلات مع كل حادثة قطار مش هيعيش لنا وزير ولا رئيس حكومة وليموت كل المصريين مفرومين ومدهوسين وليبقى السادة الوزراء والحكام سالمين.



اللواء أ. ح متقاعد/ حسام سويلم يكتب:
ما لا يعرفه الإخوان عن حسن البنا (2) علاقات "البنا" بالمخابرات الأجنبية والتقية والنفاق في منهج الجماعة
نشر في الوفد يوم 18 - 00 - 2013

وكما كان حسن البنا، وسيد قطب عميلين للماسونية العالمية، تمت زراعتهما في مصر لتحقيق أهدافها في تخريب الإسلام من داخله بضرب أهله بعضهم ببعض، فقد كان الاثنان أيضاً بالتوازي عميلين لأجهزة مخابرات دول أجنبية عملت في مصر وتعمل لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية لهذه الدول، وأبرز هذه الأهداف إسقاط الدولة المصرية في الداخل 
لأنها اذا سقطت - لاقدر الله - ستسقط بالتالي باقي الدول العربية والإسلامية فريسة مخططات الشرق الأوسط الكبير القائم على أساس تقسيم الدول العربية والإسلامية على أسس عرقية وطائفية، وأسلوب ذلك إثارة الصراعات المسلحة والحروب الأهلية بين أبنائها، أما وسيلة تحقيق ذلك فهى جماعة الإخوان وحلفاؤها، وقد نجحت القوى الغربية في تحقيق أهدافها هذه في العراق والسودان ولبنان واليمن والصومال، وجرى تنفيذ مخططاتها بهمة عالية في سوريا وليبيا، ويتبقى أمامها ما أطلقت عليه «الجائزة الكبرى في مصر» وهو ما تسعى الى تحقيقه بواسطة جماعة الإخوان التي أعلنت مشروعها لقيام «دولة صعيد مصر العليا» في محافظات بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج.. ولذلك يسعى الإخوان بعد سقوط نظام حكمهم في ثورة 30 يونية الى اثارة التظاهرات وممارسة أعمال العنف في هذه المحافظات، بدعم وتمويل وتسليح التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وكان ذلك أبرز توصيات مؤتمراته الأخيرة في استانبول في 14 يوليو الماضي، وفي جنوب تركيا في 16 أغسطس.. وفي ذلك نجد قيادات الإخوان تكرر نفس أخطاء قياداتهم القديمة، وإن وضعتها في آنية جديدة، وأبرز هذه الأخطاء وأخطرها على مصر اصرار قيادات الإخوان على تعاملها مع الدول الأجنبية كسبيل لتحقيق أهداف الجماعة في بسط سيطرتها وهيمنتها على الدول المصرية ومؤسساتها وهيئاتها، لذلك لم يكن غريباً، وكما تعاون حسن البنا مع الانجليز، وأيضاً مع ألمانيا النازية، وكذلك الولايات المتحدة نجد قادة الإخوان اليوم يمارسون نفس الأسلوب في التعامل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل عودتهم الى حكم مصر بعد أن لفظهم الشعب المصري في ثورة 30 يونية، بل وتحريض الدول الأجنبية ضد النظام الجديد في مصر والضغط على جيشها وقياداته العسكرية، ولكنها نفس اللعبة القديمة التي تصور حسن البنا أنه يتقنها، وهى اللعب بأوراق عدة ومتناقضة ليتلاعب بالجميع ضد الجميع مستفيداً من الجميع، لكن الحصاد كان مريراً، حيث اكتشف البنا قبل اغتياله وفي اللحظة الحاسمة أن الجميع يتلاعبون به، إلا أنه رغم مرارة الدرس تعود قيادات الجماعة اليوم لتكرار نفس الأخطاء.
علاقات البنا مع بريطانيا وألمانيا النازية
لم يغفل حسن البنا قوة ونفوذ سلطة الاحتلال البريطاني، كما لم يستطع أن يتجاهل قوة ألمانيا النازية التي كان يحكمها هتلر إبان فترة الأربعينات من القرن الماضي، وهو ما كشف عنه المؤرخ البريطاني «جورج كيرك» في كتابه «موجز تاريخ الشرق» حيث ذكر أنه بجانب حصول حسن البنا على حوالي 2000 جنيه عدة مرات من ألمانيا النازية عن طريق بنك درسون، وهو ما أكدته البرقيات التي كانت في مكتب البعثة الألمانية في القاهرة، ومؤرخة في 16، 18 أغسطس 1938 «لأن جماعة الإخوان صاروا مفيدين لسياسة برلين»، وأن محادثات «الهرولهلم ستليوجن» الشخصية مع حسن البنا كانت مفيدة جداً، وأن هؤلاء الناس «يقصد الإخوان» يمكنهم فعل أشياء كثيرة»، كما تلقى حسن البنا أيضاً اعانات مالية من ايطاليا الفاشية حليفة ألمانيا النازية آنذاك، كشف عنها وزير الداخلية حسن رفعت باشا في حديثه مع «سير والتر سميث» مستشار السفارة البريطانية، ثم كانت الاشاعة الكبرى التي أطلقها الإخوان في انحاء مصر عن إشهار هتلر اسلامه، وأنه تسمى ب «الحاج هتلر» وهذه الاكذوبة انما تعكس نموذجاً للمدى الذي يمكن أن تصل إليه عملية تسييس الدين، وطلاء المواقف السياسية المناهضة لمصالح الوطن بطلاء ديني زائف، حتى تكتسي الخيانة ببريق ديني.
وفي نفس الوقت الذي كان ينمي فيه حسن البنا علاقته مع مكتب ألمانيا النازية في القاهرة، كان يؤسس لعلاقات متينة مع سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، والتي بدأت أن عام 1937 بأقوى ما يمكن، حيث رفض حسن البنا في رسالته «نحو النور» من يهاجم الاحتلال البريطاني بأي صورة مباشرة أو غير مباشرة، فبجانب ما سبق أن أشرنا اليه في الحلقة الماضية عن حصول حسن البنا على منحة مالية قدرها 500 جنيه من شركة قناة السويس «البريطانية - الفرنسية»، فقد ذكر المؤرخ البريطاني «هيوارث دون» في كتابه «الدين والاتجاهات السياسية في مصر» أن حسن البنا قد ألمح خلال اتصالاته مع السفارة البريطانية «أنه على استعداد للتعاون، وسيكون سعيداً لو أن مساعدة مالية قدمت إليه»، وعندما قامت وزارة اسماعيل صدقي - المعروف بتعاونه مع البريطانيين - بإبرام معاهدة «صدقي - بيفن» التي عارضها الشعب المصري بقوة، وقف مصطفى مؤمن - مسئول الطلاب في مكتب الارشاد - دون أدنى خجل أو حياء معلناً تأييد الجماعة لاسماعيل صدقي، مستخدماً الآية القرآنية الكريمة «واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان صديقا نبيا»، بل وشبه هذه المعاهدة بصلح الحديبية الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش قبل فتح مكة، وهو ما يدل على مدى تأصل صفات النفاق والتزلف والتدليس في نفوس جماعة الإخوان منذ بدء نشأتها، فهل نستغرب بعد ذلك أن نسمع أخيراً من فوق منصة رابعة من يزعم أن سيدنا جبريل نزل على أهل رابعة، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مرسي إماما له في الصلاة؟! كما رافق حسن البنا مساعد حكمدار القاهرة في سيارته ليعمل على تهدئة المظاهرات التي اندلعت ضد هذه المعاهدة.
- وفي كتابه «حقيقة الخلاف بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر» عام 1987 ص 29: 31، اعترف محمد حامد أبو النصر المرشد السابق للإخوان المسلمين باعترافات خطيرة حول اتصالات حسن البنا والإخوان المسلمين بالمخابرات البريطانية، وقال: «إنه كان يلقي بتعليمات ومتابعة من حسن البنا في بلدته منفلوط بضابط المخابرات البريطاني «باتريك» والميجر «لاندل» وأن حسن البنا أرسل بنفسه رسالة باللغة الانجليزية سلمها محمد حامد أبو النصر إلى الميجر «لاندل» في منفلوط.. وأن الوزير البريطاني المسئولي عن الشرق الأوسط ومعه سفير بريطانيا في مصر ووفد من دار السفارة زاروا المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وتقابلوا مع الإمام حسن البنا، وعرضوا معونة مالية كبيرة وسيارات وتبرعات أخرى للجماعة» وقد ذكر حامد أبو النصر في كتابه هذا باعتزاز شديد أن «دار السفارة البريطانية بعد هذه الاتصالات كانت تعلق صورة للإمام الشهيد حسن البنا كتب تحتها عبارة (أخطر رجل في الشرق الأوسط)» ص 31.
علاقات البنا مع الولايات المتحدة
أما عن علاقة حسن البنا مع الولايات المتحدة، فحدث عنها ولا حرج، فلم يكن البنا غافلاً عن أهمية ومغزى صعود النفوذ الأمريكي في العالم بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، وتزايد الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، فبدأ اتصالاته مع المراسل الحربي الأمريكي في القاهرة «سبنسر» معرباً عن استعداده للتحالف مع الغرب، كما تكشف وثائق مكتبة الكونجرس عن اتصالات حسن البنا مع السكرتير الأول بالسفارة الأمريكية «فيليب ايرلاند» في 29/8/1947، حيث أشار البنا الى انتشار الخطر الشيوعي في المنطقة، وقدرة جماعته على اشعال المظاهرات وإخمادها، واقترح تشكيل مكتب مشترك مع السفارة الأمريكية للتنسيق لمواجهة الشيوعية في المنطقة ومحاربتها بكل الوسائل الممكنة، وأن جماعته نجحت في اختراق الخلايا الشيوعية في مصر، واشار الى أن ذلك سيتكلف مبالغ كبيرة، لأن الإخوان الذين سيفعلون ذلك سيضطرون الى ترك وظائفهم ويفقدون مرتباتهم وقوتهم، الامريكيون اشارة مرشد الجماعة وحاجته لمساعدة مالية أمريكية، وهو ما لم يستجيبوا له.
وفي كتاب يحمل اسم «مع الامام الشهيد حسن البنا» صدر 1993 كشف محمود عساف «أمين المعلومات بالجماعة» معلومات خطيرة عن تفاصيل اللقاءات بين حسن البنا والمخابرات الأمريكية والتي كان المؤلف يحضرها مع حسن البنا، وقال في كتابه إن حسن البنا قد التقى بنفسه مع «فيليب ايرلاند»، وأنه كلف محمود عساف بمتابعة الاتصالات مع الامريكيين، وفي اللقاء الثاني قال حسن البنا لايرلاند أن هناك مصلحة مشتركة مع محاربة الشيوعية بين الأمريكيين «الذين يحاربونها لأسباب مذهبية وسياسية» وبين الإخوان المسلمين «الذين يحاربونها لما فيها من إلحاد».. وعرض حسن البنا مساعدة الإخوان المسلمين للولايات المتحدة في محاربة الخلايا الشيوعية في مصر عن طريق إعارة «بعض رجالنا المتخصصين في هذا الأمر» وذلك للتجسس على هذه الخلايا، على أن يتم إلحاقهم للتعيين بمعرفة السفارة في وظائف باحثين ومحققين.. وقال حسن البنا «إنكم تؤيدون الصهيونية وهذا أمر يوجد جفوة بيننا وبينكم»، ولكن الاتفاق الذي كان حسن البنا يسعى الى عقده مع ايرلاند لم يكتمل، وقال محمود عساف مؤكداً ذلك «وانفض الاجتماع ولم يتصل بي بعد ذلك ايرلاند أو غيره من طرف السفارة الأمريكية»، ومن الجدير بالذكر ان وثائق وزارة الخارجية الأمريكية التي نُشرت بعد رفع الحظر الرسمي عنها قد احتوت على تفاصيل هذه اللقاءات، كما أورد محسن محمد هذه التفصيلات الخطيرة في كتابه «من قتل حسن البنا» ص 213 نقلاً عن وثائق الخارجية الأمريكية - في عام 1953 - بعد ثورة الجيش في يوليو 1952 - حاول المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي التقرب للامريكيين «طبقاً لما تشير اليه وثائق لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس - اللجنة الفرعية الخامسة»، موعزا لهم «بقدرة الجماعة على الاطاحة بعبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر من السلطة، الا أن هذا الأمر يتطلب دعماً كبيراً، وكان الامريكيون اعتقدوا آنذاك أن الإخوان يبالغون في قوتهم، وأنهم ليسوا موضع ثقة».
بعثة سيد قطب المشبوهة الى أمريكا
حرصت الولايات المتحدة على انتقاء سيد قطب للسفر إليه في بعثة تدريبية عام 1948، ولم يكن سيد قطب حتي هذا التاريخ له أدنى علاقة بالكتابة الدينية، بل كان مهتما بالنواحي الأدبية والفنية، بل كان يتباهى بأنه ملحد، حتى أنه دعا في مقال له بالأهرام في 27 مايو 1934 الى انشاء مستعمرة للعراة في مصر!! وقد شكل سفر سيد قطب الى أمريكا مفاجأة للكثيرين، حيث تم اختياره في بعثة لم يُعلن عنها، كما كان قد تجاوز السن المشترطة لسفر المبعوثين، كذلك كانت هذه البعثة فريدة من نوعها، ذلك أنه لم يكن مقرراً لها دراسة محددة أو جامعة بعينها، بل كانت بعثة حرة لمدة سنتين قام خلالهما بزيارة عدد من الجامعات والمعاهد الدينية والكنائس ودور الصحافة والنشر والمراكز البحثية، بل وحضر حفلات ليلية صاخبة وصفها بدقة في كتاباته الا أن هذه البعثة شكلت نقطة تحول خطيرة في حياة سيد قطب، حيث عاد بعدها الى مصر ليتحول في كتاباته من الأدب والفن الى الكتابة في الدين، بل والجانب شديد التطرف في الدين، وهو ما انعكس في كتابيه اللذين صدرا بعد عودته لمصر، وهما «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن» وقد اعترف سيد قطب بعد ذلك في السجن «أن زيارته لأمريكا كانت وليدة تخطيط أمريكي، ولم يكن يدري أنها جزء من رهان أمريكي» كما اعترف أيضاً بأنه «وقع تحت إغراء الأوساط الامريكية بكل الوسائل، وإن لم يسقط في شباكها».
سعيد رمضان «زوج ابنة حسن البنا» من أشهر جواسيس أمريكا في مصر
كان سعيد رمضان من أوائل من انضموا إلى جماعة الاخوان، وقد حظى بالقرب والثقة من حسن البنا حتى اختاره زوجا لابنته، وبعد مقتل حسن البنا عام 1949 غادر سعيد رمضان مصر واستقر في أوروبا، حيث عاش حياة الترف والثراء، ولقد تحول سعيد رمضان هناك الى واحد من أشهر الجواسيس والعملاء في العالم، وعُرف بأنه كان عميلاً للمخابرات الأمريكية والبريطانية والألمانية والسويسرية، عمل لحسابهم وقدم الخدمات لهم جميعاً في وقت واحد، وقد ورد اسم رمضان بين أشهر جواسيس المخابرات الأمريكية في كتاب «تاريخ وكالة المخابرات المركزية CIA» للصحفي الأمريكي «تيم وينر» وأيضاً ورد اسمه بين أهم جواسيس المخابرات البريطانية في كتاب «مغامرة داخل العالم السري لجهاز المخابرات البريطانية» للكاتب البريطاني «ستيفن دوريل».
وقد ذكر على عشماوي، قائد التنظيم السري الخاص، في كتابه «التاريخ السري للإخوان المسلمين» أن «سعيد رمضان كان يبعث بالأموال الى الحاجة زينب الغزالي التي تقوم بتوصيلها إلى فضيلة المرشد الهضيبي، وقد سأل بعض الإخوان سيد قطب عن مصدر هذه الأموال التي يتلقونها لشراء السلاح، وهل هى دعم من جهة مشبوهة أم ماذا؟ ص 88.
وبعد مقتل حسن البنا لم يتوقف الإخوان عن الاتصال بالمخابرات البريطانية والأمريكية.. وقد اعترف عمر التلمساني في كتابه «ذكريات لا مذكرات» - دار النشر الاسلامية عام 1985 - باستمرار الاتصالات بعد حسن البنا بالسفارة البريطانية عن طريق مستر «ايفانز» المستشار بالسفارة «ص 130» وبالسفارة الأمريكية عن طريق مستر «جوزيف لورنز» المستشار بالسفارة «ص 194» وأضاف أن المرشد العام المستشار الهضيبي كان يشاركه في هذه الاتصالات.
التنظيم العالمي للإخوان وعلاقته بالمخابرات الأجنبية والاسرائيلية
يعمل التنظيم الدولي للإخوان في حوالي ثمانين دولة، ولا يخفى على أحد أن أي دولة في الشرق أو الغرب يمكن أن تسمح لأي تنظيم ذي علاقات دولية مريبة - مثل جماعة الإخوان - أن يعمل على أراضيها الا بالتنسيق مع جهاز مخابراتها، وبما يحقق مصالح هذه الدولة ولا يمس أمنها وأهدافها، ومن ثم يمكننا ادراك حقيقة مهمة مفادها أن التنظيم الدولي للإخوان المتواجدة أفرعه في جميع هذه الدول - خاصة الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا - انما يعمل بالتنسيق والتعاون مع أجهزة مخابرات هذه الدول، وبما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها في منطقة الشرق الأوسط، وجوهرها بسط الهيمنة السياسية والأمنية والاقتصادية على دول هذه المنطقة، واستنزاف ثرواتها.
وقد أكد بعض قادة التنظيم السري الخاص العلاقة الوثيقة بين التنظيم العالمي لجماعة الإخوان ومخابرات الدول الأجنبية فقد ذكر علي العشماوي آخر قادة هذا التنظيم في كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان» تعليقاً على تولي يوسف نداً لمنصب المشرف على التنظيم الدولي للإخوان «والمسمى بالمفوض العام للإخوان في العالم»: «لقد أصبح يوسف ندا شخصية عالمية تتعامل بالمليارات، وأصبحت علاقاته وثيقة بالملوك والرؤساء ورجالات الأمم المتحدة وكبار رجال المال في العالم.. ولا يمكن لشخص أن يمر في هذا الطريق إلا بتدعيم مخابرات الدول الكبري ومباركة ودعم بيوت المال العالمية التي يسيطر عليها رأس المال الصهيوني» ص 82، ومن المعروف أن أموال كبار رجال جماعة الإخوان وشركاتهم بل وأيضاً معظم شركات توظيف الأموال الإسلامية التي برزت في الثمانينيات من القرن الماضي - وأبرزها شركات «الريان» و«السعد» و«الشريف» - ونهبت معظم مدخرات المصريين وأورثتهم الفقر والمرض والحسرة، كان يوسف ندا يودعها بنك التقوى في جزر الباهاما، وعندما صادرت الولايات المتحدة الأمريكية الأموال المودعة في هذا البنك إبان ادارة بوش الابن بتهمة استخدام هذا البنك في غسيل الأموال وتمويل عمليات الارهاب، تنصل يوسف ندا من مسئوليته عن ضياع أموال أقطاب الإخوان، ومنهم يوسف القرضاوي الذي أخذ يصرخ في قناة الجزيرة مطالباً الحكومة القطرية بالتدخل لاستعادة أمواله المودعة في هذا البنك.
وقد علق العشماوي على علاقة منصب المرشد العام للإخوان في مصر بهذا المنصب المشبوه، فقال: «كان مصطفى مشهور رئيساً لهذا النظام قبل أن يعين مرشداً، وكان نائبه هو مهدي عاكف.. فالمرشد حين يمر علي التنظيم الدولي الذي يمثل قمة نشاط الجماعة في التجسس فإنه يتابع جميع التنظيمات في العالم، ويتصل بجميع الحركات المناوئة والمتمردة والهاربة من أجل جمع المعلومات والاستفادة من المواقف» «ص 83».
وتتضح حقيقة علاقة التنظيم الدولي بأجهزة المخابرات الأجنبية اذا استعرضنا مقررات الاجتماعين اللذين عقدهما التنظيم الدولي للجماعة في تركيا عقب ثورة 30 يونية، وكان الاجتماع الأول في استانبول خلال الفترة من 14 - 18 يوليو، وحضره زعماء جماعة الإخوان في الدول العربية وتركيا «12 قيادة اخوانية» تحت رئاسة رجب طيب أردوغان، أما الاجتماع الثاني فقد عقد في 16 أغسطس بمدينة بجنوب تركيا، وكانت أبرز مقررات الاجتماعين بجانب السعي لإحداث أكبر فوضى في مصر، وانشاء بؤر اعتصام جديدة، وإشعال حرائق ضخمة في اماكن كثيرة لا يمكن اطفاؤها، مع إطلاق نيران عشوائي على المصريين، والاستمرار في مهاجمة أقسام الشرطة والكنائس وقطع الطرق والكباري - فقد أوصى أيضاً باستدعاء اسرائيل الى المشهد السياسي في مصر بتكليف الجماعات الإرهابية في سيناء بقصف مدينة ايلات بالصواريخ من جنوب سيناء، والتعرض بالهجوم للحافلات الاسرائيلية المتحركة على الطريق بين بئر سبع وايلات، وقتل أكبر عدد من الاسرائيليين وبما يعطي الذريعة لإسرائيل لاحتلال سيناء أو اجزاء منها بدعوى الدفاع عن أمنها القومي، هذا الى جانب الدعوة الى اقامة دويلة مستقلة في صعيد مصر «تضم محافظات بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج» تشكل لها حكومة برئاسة محمد البرادعي تعترف بها أولاً ثلاث دول عربية «قطر وليبيا والسودان» - يحكمها الاخوان - ثم بعد ذلك تعترف بها أمريكا وباقي الدول الكبرى، مع قصف السفن العابرة في قناة السويس، وبما يعطي المبرر لتدخل أجنبي بدعوي حماية المجرى الملاحي الدولي، هذا بالاضافة الى بذل الجهود مع الولايات المتحدة دول الاتحاد الأوروبي والبرلمانيين في الكونجرس الامريكي والاتحاد الاوروبي للضغط على الحكومة المصرية من خلال دعوة مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي لعقد اجتماعات تدين الحكومة المصرية.. وصولاً الى فرض عقوبات دولية عليها، وقد تم تخصيص مليار دولار في هذا الاجتماع لدعم جماعة الاخوان في مصر لتنفيذ العمليات الارهابية التي حوتها مقررات الاجتماع الأخير للتنظيم الدولي للاخوان في جنوب تركيا.
العلاقات السرية بين التنظيم السري للإخوان واليهود
اعترف بعض أعضاء التنظيم السري الخاص لإخوان بأن اليهود كانوا يقدمون لهم المساعدات سراً، وأن العلاقات السرية لم تنقطع بين اليهود والتنظيم الخاص، ومن هؤلاء على العشماوي آخر قادة هذا التنظيم الذي ذكر في كتابه «التاريخ السري لجماعة الاخوان المسلمين» الصادر عام 2006 عن مركز ابن خلدون، حيث ذكر في مذكراته بالكتاب أن تاجراً يهودياً يدعى «فيكتور نجرين» قد قام بمساعدة المجموعة التي ينتمي اليها علي العشماوي ويرأسها «محيي هلال» على انشاء مؤسسة تجارية كبيرة في شارع عباس بالجيزة تتخفى خلفها المجموعة وتستخدم كمشروع تجاري يستخدم من جهة للانفاق على نشاط النظام الخاص، كما يستخدم من جهة أخرى لإضفاء وتخزين السلاح، وهى سياسة كثيراً ما اتبعها الاخوان ماضياً وحاضراً، وقد تم التعاون بين قائد المجموعة والتاجر اليهودي الذي كان يطلع على كل صغيرة وكبيرة، وقام بمعاونة تجار يهود آخرين بتجهيز كل كبيرة وصغيرة» «ص 109»، وعندما اكتشف البوليس حقيقة النشاط، مما ادى الى تعرض قائد المجموعة «محيي هلال» للملاحقة والمطاردة، سارع اليهودي «فيكتور نجرين» بإخفائه في بنسيون بحي الظاهر تملكه امرأة يهودية، وقد ذهب اليه على العشماوي قائد التنظيم وقابله بنفسه في هذا البنسيون «ص 123»، ولم تتوقف هذه العلاقة بين قائد المجموعة وعضو التنظيم حتى غادر اليهودي مصر بعد حرب 1956 متخفياً بمساعدة قائد المجموعة «ص 133».
التقيا والنفاق في منهج الإخوان
لقد لعب الإخوان وعلى رأسهم حسن البنا ومن بعده جميع مرشدي الجماعة، على كل الحبال، فمارسوا التقيا والنفاق السياسي على نطاق واسع عبر تاريخهم وحتى اليوم، وذلك في سبيل تحقيق هدفهم بعيد المدى في الاستيلاء على السلطة والحكم، ولكن كانت المشكلة الكبيرة التي واجهت البنا ومن جاءوا من بعده هى محاولة المواءمة بين الهدف الأعلى والأبعد للجماعة وهو السلطة والحكم، وما يفرضه ذلك عليهم من عمل مكشوف بالسياسة، ومحاولة تغطية ذلك الهدف والمناورة حوله بادعاء أن العمل الرئيسي للجماعة هو الدعوة الاسلامية، ومن هنا جاء ربط البنا بين السياسة والدين بدعوته الى عودة الخلافة الاسلامية، التي تجمع في مفهومه بين السياسة والدين، بل واحتكار السياسة لجماعته فقط بالمطالبة بإلغاء جميع الأحزاب السياسية القائمة والإبقاء فقط على حزب اسلامي واحد، وهو بالطبع ما يتمثل في جماعة الإخوان، وفي هذا الشأن قال «البنا» في العدد الأول من مجلة «النذير» مخاطباً أتباعه في الجماعة في تحريض واضح ضد الاحزاب السياسية «ستخاصمون هؤلاء جميعاً، في الحكم وخارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم». ثم أعلن «البنا» نفسه زعيما سياسياً أوحداً في مصر، ولم يستنكف أن يحرم الآخرين جميعاً من حق العمل السياسي، فنجده يقول: «لقد آن الأوان أن ترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر، وأن يستبدل به نظام تجتمع فيه الكلمة، وتتوافر فيه جهود الأمة حول منهج قومي اسلامي صالح» «النذير - العدد 30» والبنا إذ يقدم نفسه كحزب سياسي يريد السلطة، نجده يمارس أسلوب الاستعلاء والكبر الذي زرعه في نفوس أتباعه، فيزعم أنه لا يسعى للسلطة، ولكن السلطة هى التي تسعى اليه قائلا: «نحن لا نسعى للحكم، ولكن هو الذي سيسعى البنا.. وحينئذ نفكر في تحديد موقفنا منه، أو نقبله أم نرفضه»، وحينما اشتدت تساؤلات الناس في مصر حول حقيقة هوية جماعة الإخوان، رد البنا على هذه التساؤلات مراوغا: «أن الإخوان دعوة سلفية وطريقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»!! وهذه المراوغة مقصودة من جانب البنا، وتخبط مقصود لذاته، ومخطط محكم لكي تطل الجماعة قادرة على التعامل على أي وجه، ومع أي محيط، وكي يمكنها أن تتقلب لتتلاءم مع أي وضع متغير، ذلك أن هذا الأسلوب يؤكد على الطابع الديني للجماعة إذا ما جابهت رئيس حكومة قوى، ولكنه لا يلبث أن ينغمس في الصراعات السياسية اذا ما وجد أمامه رئيس حكومة ضعيفة.
وكانت استعادة الخلافة الاسلامية تشكل محور سياسة وخطابات حسن البنا، فطوال حقبة الأربعينيات وبينما كانت مصر كلها تغلي بالنضال ضد الاحتلال البريطاني، كانت مؤتمرات واجتماعات الاخوان تنحرف بالقضية كلها نحو ضرورة التركيز على «استرجاع الخلافة الضائعة»، ففي العدد العاشر للجماعة «1938» لم يكتف حسن البنا بالتأكيد على إعطائه الأولوية لاسترداد الخلافة، بل نجده ينفي أي اهتمام بالولاء والانتماء الوطني المصري، بل نجده يتحدث عن الوطن الإسلامي قائلا: «إنه يسمو عن حدود الوطن الجغرافية، والوطنية الدموية، الى وطنية المبادئ».
وكما وضع البنا شعار «الخلافة الإسلامية» في مجابهة «الوطنية» ويتخطي الوطن في الأولوية فنجده يحارب أيضاً القومية العربية، حيث يقبل العروبة «كرابطة حضارية وليس كقومية»، كما يرى في العروبة «وحدة روحية بسريان الاسلامي في عنق أبنائها جميعاً»، وخلال التأكيد على فكرة الخلافة الاسلامية لم يوضح البنا من هو الشخص الذي يمكن توليه هذا المنصب، وكيف يمكن تحديد مواصفاته، فهل كان يقصد الملك فاروق عندما كان ينافقه ويتملقه قائلا: «ان لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملاً» بل ويمتدح الملك ويصفق له ويحتفل بعيد ميلاده وعيد جلوسه احتفالات يسودها التملق، وقد بدأ هذا التملق منذ توفى والده الملك فؤاد حين كتبت مجلة الإخوان تحت عنوان «مات الملك يحيا الملك»: «مصر تفتقد اليوم بدورها في الليلة الظلماء، ولا تجد النور الذي اعتادت أن تجد الهدى على سناه»!! ثم توالت مقالات مجلة الإخوان في الدعاء لفاروق ولي العهد ودعوته للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان يتحلى بها والده، وتصفه بسمو النفس وعلو الهمة وأداء فرائض الله واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وفي مقال آخر تصف مجلة الاخوان الفتي صغير السن الذي لم يزل ولياً للعهد بأنه «المربي والأستاذ والمثل الأعلى»!! وعندما بدأت الاحتفالات بتولي الملك فاروق الحكم في مصر، عقد حسن البنا المؤتمر الرابع للجماعة معلنا وبصراحة تامة أن هدف المؤتمر الوحيد هو الاحتفال باعتلاء فاروق العرش، واعراباً من جماعة الاخوان عن ولائها للملك وتقديم فروض التهنئة له، وكان الملك قد وصل إلى الاسكندرية وركب القطار الى القاهرة، وعلى طول الطريق حشد الاخوان أكثر من عشرين ألفاً من أتباع الجماعة لتحية الملك، وفي المؤتمر الرابع برزت لأول مرة جوالة الإخوان بزيها الكاكي لتقوم بدور قوة النظام والأمن، ويتوجهوا في مسيرة الى قصر عابدين هاتفين للملك: «نهبك بيعتنا وولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله»، وفي اطار هذا النفاق والتملق الإخواني للملك، كتب حسن البنا تحت عنوان «حامي المصحف»: «لأن 300 مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم الى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنوداً للمصحف، وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك»، وهكذا أخذ حسن البنا يدغدغ أحلام الملك الشاب الذي تولى العرش، ويلوح له بحلم الخلافة، بل ويمنحه هداية عامة منحها له الله على كل المسلمين، فماذا كان يريد الملك أكثر من ذلك؟ بل لقد تجاوز البنا كل الحدود عندما شبه الملك بالرسول صلى الله عليه وسلم، فعندما حضر الملك الاحتفال بيوم الهجرة، قالت مجلة الإخوان: «إنه أعاد صورة سالفة، صورة الرسول الكريم حينما طلع على أنصاره طلوع البدر»، وعندما وجه الملك تحية الى الشعب بمناسبة حلول شهر رمضان، كتب البنا في مجلة التنوير: «إن الفاروق يحيي سنة الخلفاء الراشدين، إذ يهنئ شعبه بحلول رمضان الكريم»، واستمر البنا علي سياسة الولاء والنفاق والتملق للملك، وبالغ في ذلك مبالغة دفعت الكثيرين لانتقاده، وإن كان هو وجماعته اعتبروا ذلك نصراً كبيراً، حتى إن جماعة الإخوان عند إعادة طبع كتاب البنا «مذكرات الدعوة والداعية» استبعدت كثيراً من حكايات وروايات وكتابات الولاء المفرط للملك، وحرصت على شطب كل ما له علاقة بهذا الأمر.
كما تأكدت التقية والنفاق في سياسات وممارسات الإخوان عندما اصطدم الملك فاروق بالنحاس باشا زعيم حزب الوفد رئيس الوزراء والذي كان مسلحاً بتأييد الشعب، حيث حرص حسن البنا في المقابل أن يقدم فاروق في صورة الملك الصالح المسلح بالدين، لكن النحاس باشا ظل متمسكاً بأهداف ليبرالية ورفض أن يتولى فاروق شئون الملك بأسلوب اسلامي، وذلك في خطاب عنيف أمام مجلس النواب قال فيه: «إن هذا الاقتراح اقحام للدين فيما ليس من شئونه، وايجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية» وأضاف النحاس باشا قائلا: «الاسلام لا يعرف سلطة روحية، وليس للرسل وساطة بين الله وعباده، وليس أحرص مني ولا من الحكومة التي أتشرف برئاستها على احترام وتنزيه الاسلام، كما أنه ليس أحرص منا على الالتزام بأحكام الدستور، ولكن الاحتفال بمباشرة جلالة الملك لسلطته الدستورية شىء آخر، فهو مجال وطني يجب أن يتبارى فيه سائر المصريين مسلمين وغير مسلمين»، إلا أن حسن البنا سرعان ما واجه الموقف باستعراض قواته لولائهم وتأييدهم للملك على النحو السابق ايضاحه، وعندما وقع الخلاف بين الملك والنحاس باشا، وخرجت الجماهير الوفدية الى الشارع «النحاس أو الثورة» و«الشعب مع النحاس»، نجد حسن البنا يسارع إلى اثبات جدارته بالولاء الفعلي للملك، فتخرج جموع الإخوان هاتفة «الله مع الملك» ويتباهى الإخوان كثيراً بأن «جلالة الفاروق خرج الى شرفة القصر ست مرات ليحيى مظاهراتهم»، لذلك أعطى الملك تأييده المطلق للإخوان، وفي ذلك كتب «السير مايلز لامبسون» المندوب السامي البريطاني الى وزارة خارجيته قائلا: «إن القصر الملكي قد بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة، وأن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم بعدم التدخل في أنشطة الإخوان»، ثم ينقلب البنا في واحد من تقلباته المعتادة، فما إن يصل الوفد إلى الحكم عقب حادث 4 فبراير 1942، حتى يتحالف معه البنا بصراحة ويقدم له كتابا يؤيد فيه سياسة الوزارة قائلا: «إن الواجب يقتضينا، والمصلحة تدعونا الى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة «معاهدة 1936» التي وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا»، كما أعلن البنا أيضاً انسحابه من الترشح للبرلمان ارضاء للنحاس باشا، وكان الأخير لم يقبل من حيث المبدأ وجود حزب سياسي يتحدث باسم الدين، فأصدر في سبتمبر 1942 قراراً بمنع الاجتماعات العامة للإخوان، واستدعى فؤاد سراج الدين «وزير الداخلية آنذاك» حسن البنا وسأله: «أنا عايز أعرف انتم جماعة دينية أم حزب سياسي؟» وأضاف سراج الدين: «احنا معندناش مانع أبداً انكم تكونوا حزب سياسي.. ولكن لا تتستروا بستار الدين، ولا تتخفوا في زي الدين، أما أن تتستروا ب «الله أكبر ولله الحمد» وفي نفس الوقت تقومون بعمل سياسي وتباشرون الحزبية فهذا غير معقول لأنه يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بينكم وبين الاحزاب، فأنا كرجل سياسي حزبي لا أستطيع أن أهاجم جماعة دينية تنادي بشعارات دينية سامية، وإلا سأكون محل استنكار من الرأي العام». فرد عليه حسن البنا مراوغاً ومناوراً كعادته قائلا: «نحن لم نفكر في العمل بالسياسة، ونحن رجال دين فقط ورجال فكر ديني، وإذا كان صدر من بعض رجالنا أي عمل يخالف هذا الخط أو يدل على اتجاه سياسي فأستنكره وسأوقفه عند حده فوراً»!!
ويلخص د. رفعت السعيد هذه المواقف المتناقضة لحسن البنا في كتابه «حسن البنا.. الشيخ المسلح»، ضمن سلسلته الرائعة «الارهاب المتأسلم.. الجزء الثاني» ص 227، فيقول: «الحقيقة أن الأستاذ حسن البنا قد استحق عن جدارة بتصرفاته ومواقفه السياسية المعلنة الرضاء الملكي.. وتمضي سياسته المناورة بصاحبها، يتصور بها أنه قادر على أن يتلاعب بالجميع، ولكنه وبعد فترة قصيرة لا يلبث أن يدفع هو وجماعته ثمناً باهظاً، ويكتشف أن الجميع كانوا يتلاعبون به إذ كان هو يتصور أنه يتلاعب بهم.
 


اللواء أ. ح متقاعد/ حسام سويلم يكتب:
ما لا يعرفه الإخوان عن حسن البنا (2) علاقات "البنا" بالمخابرات الأجنبية والتقية والنفاق في منهج الجماعة
نشر في الوفد يوم 18 - 00 - 2013

وكما كان حسن البنا، وسيد قطب عميلين للماسونية العالمية، تمت زراعتهما في مصر لتحقيق أهدافها في تخريب الإسلام من داخله بضرب أهله بعضهم ببعض، فقد كان الاثنان أيضاً بالتوازي عميلين لأجهزة مخابرات دول أجنبية عملت في مصر وتعمل لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية لهذه الدول، وأبرز هذه الأهداف إسقاط الدولة المصرية في الداخل 
لأنها اذا سقطت - لاقدر الله - ستسقط بالتالي باقي الدول العربية والإسلامية فريسة مخططات الشرق الأوسط الكبير القائم على أساس تقسيم الدول العربية والإسلامية على أسس عرقية وطائفية، وأسلوب ذلك إثارة الصراعات المسلحة والحروب الأهلية بين أبنائها، أما وسيلة تحقيق ذلك فهى جماعة الإخوان وحلفاؤها، وقد نجحت القوى الغربية في تحقيق أهدافها هذه في العراق والسودان ولبنان واليمن والصومال، وجرى تنفيذ مخططاتها بهمة عالية في سوريا وليبيا، ويتبقى أمامها ما أطلقت عليه «الجائزة الكبرى في مصر» وهو ما تسعى الى تحقيقه بواسطة جماعة الإخوان التي أعلنت مشروعها لقيام «دولة صعيد مصر العليا» في محافظات بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج.. ولذلك يسعى الإخوان بعد سقوط نظام حكمهم في ثورة 30 يونية الى اثارة التظاهرات وممارسة أعمال العنف في هذه المحافظات، بدعم وتمويل وتسليح التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وكان ذلك أبرز توصيات مؤتمراته الأخيرة في استانبول في 14 يوليو الماضي، وفي جنوب تركيا في 16 أغسطس.. وفي ذلك نجد قيادات الإخوان تكرر نفس أخطاء قياداتهم القديمة، وإن وضعتها في آنية جديدة، وأبرز هذه الأخطاء وأخطرها على مصر اصرار قيادات الإخوان على تعاملها مع الدول الأجنبية كسبيل لتحقيق أهداف الجماعة في بسط سيطرتها وهيمنتها على الدول المصرية ومؤسساتها وهيئاتها، لذلك لم يكن غريباً، وكما تعاون حسن البنا مع الانجليز، وأيضاً مع ألمانيا النازية، وكذلك الولايات المتحدة نجد قادة الإخوان اليوم يمارسون نفس الأسلوب في التعامل مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل عودتهم الى حكم مصر بعد أن لفظهم الشعب المصري في ثورة 30 يونية، بل وتحريض الدول الأجنبية ضد النظام الجديد في مصر والضغط على جيشها وقياداته العسكرية، ولكنها نفس اللعبة القديمة التي تصور حسن البنا أنه يتقنها، وهى اللعب بأوراق عدة ومتناقضة ليتلاعب بالجميع ضد الجميع مستفيداً من الجميع، لكن الحصاد كان مريراً، حيث اكتشف البنا قبل اغتياله وفي اللحظة الحاسمة أن الجميع يتلاعبون به، إلا أنه رغم مرارة الدرس تعود قيادات الجماعة اليوم لتكرار نفس الأخطاء.
علاقات البنا مع بريطانيا وألمانيا النازية
لم يغفل حسن البنا قوة ونفوذ سلطة الاحتلال البريطاني، كما لم يستطع أن يتجاهل قوة ألمانيا النازية التي كان يحكمها هتلر إبان فترة الأربعينات من القرن الماضي، وهو ما كشف عنه المؤرخ البريطاني «جورج كيرك» في كتابه «موجز تاريخ الشرق» حيث ذكر أنه بجانب حصول حسن البنا على حوالي 2000 جنيه عدة مرات من ألمانيا النازية عن طريق بنك درسون، وهو ما أكدته البرقيات التي كانت في مكتب البعثة الألمانية في القاهرة، ومؤرخة في 16، 18 أغسطس 1938 «لأن جماعة الإخوان صاروا مفيدين لسياسة برلين»، وأن محادثات «الهرولهلم ستليوجن» الشخصية مع حسن البنا كانت مفيدة جداً، وأن هؤلاء الناس «يقصد الإخوان» يمكنهم فعل أشياء كثيرة»، كما تلقى حسن البنا أيضاً اعانات مالية من ايطاليا الفاشية حليفة ألمانيا النازية آنذاك، كشف عنها وزير الداخلية حسن رفعت باشا في حديثه مع «سير والتر سميث» مستشار السفارة البريطانية، ثم كانت الاشاعة الكبرى التي أطلقها الإخوان في انحاء مصر عن إشهار هتلر اسلامه، وأنه تسمى ب «الحاج هتلر» وهذه الاكذوبة انما تعكس نموذجاً للمدى الذي يمكن أن تصل إليه عملية تسييس الدين، وطلاء المواقف السياسية المناهضة لمصالح الوطن بطلاء ديني زائف، حتى تكتسي الخيانة ببريق ديني.
وفي نفس الوقت الذي كان ينمي فيه حسن البنا علاقته مع مكتب ألمانيا النازية في القاهرة، كان يؤسس لعلاقات متينة مع سلطات الاحتلال البريطاني في مصر، والتي بدأت أن عام 1937 بأقوى ما يمكن، حيث رفض حسن البنا في رسالته «نحو النور» من يهاجم الاحتلال البريطاني بأي صورة مباشرة أو غير مباشرة، فبجانب ما سبق أن أشرنا اليه في الحلقة الماضية عن حصول حسن البنا على منحة مالية قدرها 500 جنيه من شركة قناة السويس «البريطانية - الفرنسية»، فقد ذكر المؤرخ البريطاني «هيوارث دون» في كتابه «الدين والاتجاهات السياسية في مصر» أن حسن البنا قد ألمح خلال اتصالاته مع السفارة البريطانية «أنه على استعداد للتعاون، وسيكون سعيداً لو أن مساعدة مالية قدمت إليه»، وعندما قامت وزارة اسماعيل صدقي - المعروف بتعاونه مع البريطانيين - بإبرام معاهدة «صدقي - بيفن» التي عارضها الشعب المصري بقوة، وقف مصطفى مؤمن - مسئول الطلاب في مكتب الارشاد - دون أدنى خجل أو حياء معلناً تأييد الجماعة لاسماعيل صدقي، مستخدماً الآية القرآنية الكريمة «واذكر في الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان صديقا نبيا»، بل وشبه هذه المعاهدة بصلح الحديبية الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش قبل فتح مكة، وهو ما يدل على مدى تأصل صفات النفاق والتزلف والتدليس في نفوس جماعة الإخوان منذ بدء نشأتها، فهل نستغرب بعد ذلك أن نسمع أخيراً من فوق منصة رابعة من يزعم أن سيدنا جبريل نزل على أهل رابعة، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل مرسي إماما له في الصلاة؟! كما رافق حسن البنا مساعد حكمدار القاهرة في سيارته ليعمل على تهدئة المظاهرات التي اندلعت ضد هذه المعاهدة.
- وفي كتابه «حقيقة الخلاف بين الإخوان المسلمين وعبد الناصر» عام 1987 ص 29: 31، اعترف محمد حامد أبو النصر المرشد السابق للإخوان المسلمين باعترافات خطيرة حول اتصالات حسن البنا والإخوان المسلمين بالمخابرات البريطانية، وقال: «إنه كان يلقي بتعليمات ومتابعة من حسن البنا في بلدته منفلوط بضابط المخابرات البريطاني «باتريك» والميجر «لاندل» وأن حسن البنا أرسل بنفسه رسالة باللغة الانجليزية سلمها محمد حامد أبو النصر إلى الميجر «لاندل» في منفلوط.. وأن الوزير البريطاني المسئولي عن الشرق الأوسط ومعه سفير بريطانيا في مصر ووفد من دار السفارة زاروا المركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وتقابلوا مع الإمام حسن البنا، وعرضوا معونة مالية كبيرة وسيارات وتبرعات أخرى للجماعة» وقد ذكر حامد أبو النصر في كتابه هذا باعتزاز شديد أن «دار السفارة البريطانية بعد هذه الاتصالات كانت تعلق صورة للإمام الشهيد حسن البنا كتب تحتها عبارة (أخطر رجل في الشرق الأوسط)» ص 31.
علاقات البنا مع الولايات المتحدة
أما عن علاقة حسن البنا مع الولايات المتحدة، فحدث عنها ولا حرج، فلم يكن البنا غافلاً عن أهمية ومغزى صعود النفوذ الأمريكي في العالم بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية، وتزايد الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، فبدأ اتصالاته مع المراسل الحربي الأمريكي في القاهرة «سبنسر» معرباً عن استعداده للتحالف مع الغرب، كما تكشف وثائق مكتبة الكونجرس عن اتصالات حسن البنا مع السكرتير الأول بالسفارة الأمريكية «فيليب ايرلاند» في 29/8/1947، حيث أشار البنا الى انتشار الخطر الشيوعي في المنطقة، وقدرة جماعته على اشعال المظاهرات وإخمادها، واقترح تشكيل مكتب مشترك مع السفارة الأمريكية للتنسيق لمواجهة الشيوعية في المنطقة ومحاربتها بكل الوسائل الممكنة، وأن جماعته نجحت في اختراق الخلايا الشيوعية في مصر، واشار الى أن ذلك سيتكلف مبالغ كبيرة، لأن الإخوان الذين سيفعلون ذلك سيضطرون الى ترك وظائفهم ويفقدون مرتباتهم وقوتهم، الامريكيون اشارة مرشد الجماعة وحاجته لمساعدة مالية أمريكية، وهو ما لم يستجيبوا له.
وفي كتاب يحمل اسم «مع الامام الشهيد حسن البنا» صدر 1993 كشف محمود عساف «أمين المعلومات بالجماعة» معلومات خطيرة عن تفاصيل اللقاءات بين حسن البنا والمخابرات الأمريكية والتي كان المؤلف يحضرها مع حسن البنا، وقال في كتابه إن حسن البنا قد التقى بنفسه مع «فيليب ايرلاند»، وأنه كلف محمود عساف بمتابعة الاتصالات مع الامريكيين، وفي اللقاء الثاني قال حسن البنا لايرلاند أن هناك مصلحة مشتركة مع محاربة الشيوعية بين الأمريكيين «الذين يحاربونها لأسباب مذهبية وسياسية» وبين الإخوان المسلمين «الذين يحاربونها لما فيها من إلحاد».. وعرض حسن البنا مساعدة الإخوان المسلمين للولايات المتحدة في محاربة الخلايا الشيوعية في مصر عن طريق إعارة «بعض رجالنا المتخصصين في هذا الأمر» وذلك للتجسس على هذه الخلايا، على أن يتم إلحاقهم للتعيين بمعرفة السفارة في وظائف باحثين ومحققين.. وقال حسن البنا «إنكم تؤيدون الصهيونية وهذا أمر يوجد جفوة بيننا وبينكم»، ولكن الاتفاق الذي كان حسن البنا يسعى الى عقده مع ايرلاند لم يكتمل، وقال محمود عساف مؤكداً ذلك «وانفض الاجتماع ولم يتصل بي بعد ذلك ايرلاند أو غيره من طرف السفارة الأمريكية»، ومن الجدير بالذكر ان وثائق وزارة الخارجية الأمريكية التي نُشرت بعد رفع الحظر الرسمي عنها قد احتوت على تفاصيل هذه اللقاءات، كما أورد محسن محمد هذه التفصيلات الخطيرة في كتابه «من قتل حسن البنا» ص 213 نقلاً عن وثائق الخارجية الأمريكية - في عام 1953 - بعد ثورة الجيش في يوليو 1952 - حاول المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي التقرب للامريكيين «طبقاً لما تشير اليه وثائق لجنة العلاقات الخارجية في الكونجرس - اللجنة الفرعية الخامسة»، موعزا لهم «بقدرة الجماعة على الاطاحة بعبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر من السلطة، الا أن هذا الأمر يتطلب دعماً كبيراً، وكان الامريكيون اعتقدوا آنذاك أن الإخوان يبالغون في قوتهم، وأنهم ليسوا موضع ثقة».
بعثة سيد قطب المشبوهة الى أمريكا
حرصت الولايات المتحدة على انتقاء سيد قطب للسفر إليه في بعثة تدريبية عام 1948، ولم يكن سيد قطب حتي هذا التاريخ له أدنى علاقة بالكتابة الدينية، بل كان مهتما بالنواحي الأدبية والفنية، بل كان يتباهى بأنه ملحد، حتى أنه دعا في مقال له بالأهرام في 27 مايو 1934 الى انشاء مستعمرة للعراة في مصر!! وقد شكل سفر سيد قطب الى أمريكا مفاجأة للكثيرين، حيث تم اختياره في بعثة لم يُعلن عنها، كما كان قد تجاوز السن المشترطة لسفر المبعوثين، كذلك كانت هذه البعثة فريدة من نوعها، ذلك أنه لم يكن مقرراً لها دراسة محددة أو جامعة بعينها، بل كانت بعثة حرة لمدة سنتين قام خلالهما بزيارة عدد من الجامعات والمعاهد الدينية والكنائس ودور الصحافة والنشر والمراكز البحثية، بل وحضر حفلات ليلية صاخبة وصفها بدقة في كتاباته الا أن هذه البعثة شكلت نقطة تحول خطيرة في حياة سيد قطب، حيث عاد بعدها الى مصر ليتحول في كتاباته من الأدب والفن الى الكتابة في الدين، بل والجانب شديد التطرف في الدين، وهو ما انعكس في كتابيه اللذين صدرا بعد عودته لمصر، وهما «معالم في الطريق» و«في ظلال القرآن» وقد اعترف سيد قطب بعد ذلك في السجن «أن زيارته لأمريكا كانت وليدة تخطيط أمريكي، ولم يكن يدري أنها جزء من رهان أمريكي» كما اعترف أيضاً بأنه «وقع تحت إغراء الأوساط الامريكية بكل الوسائل، وإن لم يسقط في شباكها».
سعيد رمضان «زوج ابنة حسن البنا» من أشهر جواسيس أمريكا في مصر
كان سعيد رمضان من أوائل من انضموا إلى جماعة الاخوان، وقد حظى بالقرب والثقة من حسن البنا حتى اختاره زوجا لابنته، وبعد مقتل حسن البنا عام 1949 غادر سعيد رمضان مصر واستقر في أوروبا، حيث عاش حياة الترف والثراء، ولقد تحول سعيد رمضان هناك الى واحد من أشهر الجواسيس والعملاء في العالم، وعُرف بأنه كان عميلاً للمخابرات الأمريكية والبريطانية والألمانية والسويسرية، عمل لحسابهم وقدم الخدمات لهم جميعاً في وقت واحد، وقد ورد اسم رمضان بين أشهر جواسيس المخابرات الأمريكية في كتاب «تاريخ وكالة المخابرات المركزية CIA» للصحفي الأمريكي «تيم وينر» وأيضاً ورد اسمه بين أهم جواسيس المخابرات البريطانية في كتاب «مغامرة داخل العالم السري لجهاز المخابرات البريطانية» للكاتب البريطاني «ستيفن دوريل».
وقد ذكر على عشماوي، قائد التنظيم السري الخاص، في كتابه «التاريخ السري للإخوان المسلمين» أن «سعيد رمضان كان يبعث بالأموال الى الحاجة زينب الغزالي التي تقوم بتوصيلها إلى فضيلة المرشد الهضيبي، وقد سأل بعض الإخوان سيد قطب عن مصدر هذه الأموال التي يتلقونها لشراء السلاح، وهل هى دعم من جهة مشبوهة أم ماذا؟ ص 88.
وبعد مقتل حسن البنا لم يتوقف الإخوان عن الاتصال بالمخابرات البريطانية والأمريكية.. وقد اعترف عمر التلمساني في كتابه «ذكريات لا مذكرات» - دار النشر الاسلامية عام 1985 - باستمرار الاتصالات بعد حسن البنا بالسفارة البريطانية عن طريق مستر «ايفانز» المستشار بالسفارة «ص 130» وبالسفارة الأمريكية عن طريق مستر «جوزيف لورنز» المستشار بالسفارة «ص 194» وأضاف أن المرشد العام المستشار الهضيبي كان يشاركه في هذه الاتصالات.
التنظيم العالمي للإخوان وعلاقته بالمخابرات الأجنبية والاسرائيلية
يعمل التنظيم الدولي للإخوان في حوالي ثمانين دولة، ولا يخفى على أحد أن أي دولة في الشرق أو الغرب يمكن أن تسمح لأي تنظيم ذي علاقات دولية مريبة - مثل جماعة الإخوان - أن يعمل على أراضيها الا بالتنسيق مع جهاز مخابراتها، وبما يحقق مصالح هذه الدولة ولا يمس أمنها وأهدافها، ومن ثم يمكننا ادراك حقيقة مهمة مفادها أن التنظيم الدولي للإخوان المتواجدة أفرعه في جميع هذه الدول - خاصة الدول الكبرى مثل بريطانيا وفرنسا وأمريكا - انما يعمل بالتنسيق والتعاون مع أجهزة مخابرات هذه الدول، وبما يخدم مصالحها ويحقق أهدافها في منطقة الشرق الأوسط، وجوهرها بسط الهيمنة السياسية والأمنية والاقتصادية على دول هذه المنطقة، واستنزاف ثرواتها.
وقد أكد بعض قادة التنظيم السري الخاص العلاقة الوثيقة بين التنظيم العالمي لجماعة الإخوان ومخابرات الدول الأجنبية فقد ذكر علي العشماوي آخر قادة هذا التنظيم في كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان» تعليقاً على تولي يوسف نداً لمنصب المشرف على التنظيم الدولي للإخوان «والمسمى بالمفوض العام للإخوان في العالم»: «لقد أصبح يوسف ندا شخصية عالمية تتعامل بالمليارات، وأصبحت علاقاته وثيقة بالملوك والرؤساء ورجالات الأمم المتحدة وكبار رجال المال في العالم.. ولا يمكن لشخص أن يمر في هذا الطريق إلا بتدعيم مخابرات الدول الكبري ومباركة ودعم بيوت المال العالمية التي يسيطر عليها رأس المال الصهيوني» ص 82، ومن المعروف أن أموال كبار رجال جماعة الإخوان وشركاتهم بل وأيضاً معظم شركات توظيف الأموال الإسلامية التي برزت في الثمانينيات من القرن الماضي - وأبرزها شركات «الريان» و«السعد» و«الشريف» - ونهبت معظم مدخرات المصريين وأورثتهم الفقر والمرض والحسرة، كان يوسف ندا يودعها بنك التقوى في جزر الباهاما، وعندما صادرت الولايات المتحدة الأمريكية الأموال المودعة في هذا البنك إبان ادارة بوش الابن بتهمة استخدام هذا البنك في غسيل الأموال وتمويل عمليات الارهاب، تنصل يوسف ندا من مسئوليته عن ضياع أموال أقطاب الإخوان، ومنهم يوسف القرضاوي الذي أخذ يصرخ في قناة الجزيرة مطالباً الحكومة القطرية بالتدخل لاستعادة أمواله المودعة في هذا البنك.
وقد علق العشماوي على علاقة منصب المرشد العام للإخوان في مصر بهذا المنصب المشبوه، فقال: «كان مصطفى مشهور رئيساً لهذا النظام قبل أن يعين مرشداً، وكان نائبه هو مهدي عاكف.. فالمرشد حين يمر علي التنظيم الدولي الذي يمثل قمة نشاط الجماعة في التجسس فإنه يتابع جميع التنظيمات في العالم، ويتصل بجميع الحركات المناوئة والمتمردة والهاربة من أجل جمع المعلومات والاستفادة من المواقف» «ص 83».
وتتضح حقيقة علاقة التنظيم الدولي بأجهزة المخابرات الأجنبية اذا استعرضنا مقررات الاجتماعين اللذين عقدهما التنظيم الدولي للجماعة في تركيا عقب ثورة 30 يونية، وكان الاجتماع الأول في استانبول خلال الفترة من 14 - 18 يوليو، وحضره زعماء جماعة الإخوان في الدول العربية وتركيا «12 قيادة اخوانية» تحت رئاسة رجب طيب أردوغان، أما الاجتماع الثاني فقد عقد في 16 أغسطس بمدينة بجنوب تركيا، وكانت أبرز مقررات الاجتماعين بجانب السعي لإحداث أكبر فوضى في مصر، وانشاء بؤر اعتصام جديدة، وإشعال حرائق ضخمة في اماكن كثيرة لا يمكن اطفاؤها، مع إطلاق نيران عشوائي على المصريين، والاستمرار في مهاجمة أقسام الشرطة والكنائس وقطع الطرق والكباري - فقد أوصى أيضاً باستدعاء اسرائيل الى المشهد السياسي في مصر بتكليف الجماعات الإرهابية في سيناء بقصف مدينة ايلات بالصواريخ من جنوب سيناء، والتعرض بالهجوم للحافلات الاسرائيلية المتحركة على الطريق بين بئر سبع وايلات، وقتل أكبر عدد من الاسرائيليين وبما يعطي الذريعة لإسرائيل لاحتلال سيناء أو اجزاء منها بدعوى الدفاع عن أمنها القومي، هذا الى جانب الدعوة الى اقامة دويلة مستقلة في صعيد مصر «تضم محافظات بني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وسوهاج» تشكل لها حكومة برئاسة محمد البرادعي تعترف بها أولاً ثلاث دول عربية «قطر وليبيا والسودان» - يحكمها الاخوان - ثم بعد ذلك تعترف بها أمريكا وباقي الدول الكبرى، مع قصف السفن العابرة في قناة السويس، وبما يعطي المبرر لتدخل أجنبي بدعوي حماية المجرى الملاحي الدولي، هذا بالاضافة الى بذل الجهود مع الولايات المتحدة دول الاتحاد الأوروبي والبرلمانيين في الكونجرس الامريكي والاتحاد الاوروبي للضغط على الحكومة المصرية من خلال دعوة مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي لعقد اجتماعات تدين الحكومة المصرية.. وصولاً الى فرض عقوبات دولية عليها، وقد تم تخصيص مليار دولار في هذا الاجتماع لدعم جماعة الاخوان في مصر لتنفيذ العمليات الارهابية التي حوتها مقررات الاجتماع الأخير للتنظيم الدولي للاخوان في جنوب تركيا.
العلاقات السرية بين التنظيم السري للإخوان واليهود
اعترف بعض أعضاء التنظيم السري الخاص لإخوان بأن اليهود كانوا يقدمون لهم المساعدات سراً، وأن العلاقات السرية لم تنقطع بين اليهود والتنظيم الخاص، ومن هؤلاء على العشماوي آخر قادة هذا التنظيم الذي ذكر في كتابه «التاريخ السري لجماعة الاخوان المسلمين» الصادر عام 2006 عن مركز ابن خلدون، حيث ذكر في مذكراته بالكتاب أن تاجراً يهودياً يدعى «فيكتور نجرين» قد قام بمساعدة المجموعة التي ينتمي اليها علي العشماوي ويرأسها «محيي هلال» على انشاء مؤسسة تجارية كبيرة في شارع عباس بالجيزة تتخفى خلفها المجموعة وتستخدم كمشروع تجاري يستخدم من جهة للانفاق على نشاط النظام الخاص، كما يستخدم من جهة أخرى لإضفاء وتخزين السلاح، وهى سياسة كثيراً ما اتبعها الاخوان ماضياً وحاضراً، وقد تم التعاون بين قائد المجموعة والتاجر اليهودي الذي كان يطلع على كل صغيرة وكبيرة، وقام بمعاونة تجار يهود آخرين بتجهيز كل كبيرة وصغيرة» «ص 109»، وعندما اكتشف البوليس حقيقة النشاط، مما ادى الى تعرض قائد المجموعة «محيي هلال» للملاحقة والمطاردة، سارع اليهودي «فيكتور نجرين» بإخفائه في بنسيون بحي الظاهر تملكه امرأة يهودية، وقد ذهب اليه على العشماوي قائد التنظيم وقابله بنفسه في هذا البنسيون «ص 123»، ولم تتوقف هذه العلاقة بين قائد المجموعة وعضو التنظيم حتى غادر اليهودي مصر بعد حرب 1956 متخفياً بمساعدة قائد المجموعة «ص 133».
التقيا والنفاق في منهج الإخوان
لقد لعب الإخوان وعلى رأسهم حسن البنا ومن بعده جميع مرشدي الجماعة، على كل الحبال، فمارسوا التقيا والنفاق السياسي على نطاق واسع عبر تاريخهم وحتى اليوم، وذلك في سبيل تحقيق هدفهم بعيد المدى في الاستيلاء على السلطة والحكم، ولكن كانت المشكلة الكبيرة التي واجهت البنا ومن جاءوا من بعده هى محاولة المواءمة بين الهدف الأعلى والأبعد للجماعة وهو السلطة والحكم، وما يفرضه ذلك عليهم من عمل مكشوف بالسياسة، ومحاولة تغطية ذلك الهدف والمناورة حوله بادعاء أن العمل الرئيسي للجماعة هو الدعوة الاسلامية، ومن هنا جاء ربط البنا بين السياسة والدين بدعوته الى عودة الخلافة الاسلامية، التي تجمع في مفهومه بين السياسة والدين، بل واحتكار السياسة لجماعته فقط بالمطالبة بإلغاء جميع الأحزاب السياسية القائمة والإبقاء فقط على حزب اسلامي واحد، وهو بالطبع ما يتمثل في جماعة الإخوان، وفي هذا الشأن قال «البنا» في العدد الأول من مجلة «النذير» مخاطباً أتباعه في الجماعة في تحريض واضح ضد الاحزاب السياسية «ستخاصمون هؤلاء جميعاً، في الحكم وخارجه خصومة شديدة لديدة إن لم يستجيبوا لكم». ثم أعلن «البنا» نفسه زعيما سياسياً أوحداً في مصر، ولم يستنكف أن يحرم الآخرين جميعاً من حق العمل السياسي، فنجده يقول: «لقد آن الأوان أن ترتفع الأصوات بالقضاء على نظام الحزبية في مصر، وأن يستبدل به نظام تجتمع فيه الكلمة، وتتوافر فيه جهود الأمة حول منهج قومي اسلامي صالح» «النذير - العدد 30» والبنا إذ يقدم نفسه كحزب سياسي يريد السلطة، نجده يمارس أسلوب الاستعلاء والكبر الذي زرعه في نفوس أتباعه، فيزعم أنه لا يسعى للسلطة، ولكن السلطة هى التي تسعى اليه قائلا: «نحن لا نسعى للحكم، ولكن هو الذي سيسعى البنا.. وحينئذ نفكر في تحديد موقفنا منه، أو نقبله أم نرفضه»، وحينما اشتدت تساؤلات الناس في مصر حول حقيقة هوية جماعة الإخوان، رد البنا على هذه التساؤلات مراوغا: «أن الإخوان دعوة سلفية وطريقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية»!! وهذه المراوغة مقصودة من جانب البنا، وتخبط مقصود لذاته، ومخطط محكم لكي تطل الجماعة قادرة على التعامل على أي وجه، ومع أي محيط، وكي يمكنها أن تتقلب لتتلاءم مع أي وضع متغير، ذلك أن هذا الأسلوب يؤكد على الطابع الديني للجماعة إذا ما جابهت رئيس حكومة قوى، ولكنه لا يلبث أن ينغمس في الصراعات السياسية اذا ما وجد أمامه رئيس حكومة ضعيفة.
وكانت استعادة الخلافة الاسلامية تشكل محور سياسة وخطابات حسن البنا، فطوال حقبة الأربعينيات وبينما كانت مصر كلها تغلي بالنضال ضد الاحتلال البريطاني، كانت مؤتمرات واجتماعات الاخوان تنحرف بالقضية كلها نحو ضرورة التركيز على «استرجاع الخلافة الضائعة»، ففي العدد العاشر للجماعة «1938» لم يكتف حسن البنا بالتأكيد على إعطائه الأولوية لاسترداد الخلافة، بل نجده ينفي أي اهتمام بالولاء والانتماء الوطني المصري، بل نجده يتحدث عن الوطن الإسلامي قائلا: «إنه يسمو عن حدود الوطن الجغرافية، والوطنية الدموية، الى وطنية المبادئ».
وكما وضع البنا شعار «الخلافة الإسلامية» في مجابهة «الوطنية» ويتخطي الوطن في الأولوية فنجده يحارب أيضاً القومية العربية، حيث يقبل العروبة «كرابطة حضارية وليس كقومية»، كما يرى في العروبة «وحدة روحية بسريان الاسلامي في عنق أبنائها جميعاً»، وخلال التأكيد على فكرة الخلافة الاسلامية لم يوضح البنا من هو الشخص الذي يمكن توليه هذا المنصب، وكيف يمكن تحديد مواصفاته، فهل كان يقصد الملك فاروق عندما كان ينافقه ويتملقه قائلا: «ان لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملاً» بل ويمتدح الملك ويصفق له ويحتفل بعيد ميلاده وعيد جلوسه احتفالات يسودها التملق، وقد بدأ هذا التملق منذ توفى والده الملك فؤاد حين كتبت مجلة الإخوان تحت عنوان «مات الملك يحيا الملك»: «مصر تفتقد اليوم بدورها في الليلة الظلماء، ولا تجد النور الذي اعتادت أن تجد الهدى على سناه»!! ثم توالت مقالات مجلة الإخوان في الدعاء لفاروق ولي العهد ودعوته للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان يتحلى بها والده، وتصفه بسمو النفس وعلو الهمة وأداء فرائض الله واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وفي مقال آخر تصف مجلة الاخوان الفتي صغير السن الذي لم يزل ولياً للعهد بأنه «المربي والأستاذ والمثل الأعلى»!! وعندما بدأت الاحتفالات بتولي الملك فاروق الحكم في مصر، عقد حسن البنا المؤتمر الرابع للجماعة معلنا وبصراحة تامة أن هدف المؤتمر الوحيد هو الاحتفال باعتلاء فاروق العرش، واعراباً من جماعة الاخوان عن ولائها للملك وتقديم فروض التهنئة له، وكان الملك قد وصل إلى الاسكندرية وركب القطار الى القاهرة، وعلى طول الطريق حشد الاخوان أكثر من عشرين ألفاً من أتباع الجماعة لتحية الملك، وفي المؤتمر الرابع برزت لأول مرة جوالة الإخوان بزيها الكاكي لتقوم بدور قوة النظام والأمن، ويتوجهوا في مسيرة الى قصر عابدين هاتفين للملك: «نهبك بيعتنا وولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله»، وفي اطار هذا النفاق والتملق الإخواني للملك، كتب حسن البنا تحت عنوان «حامي المصحف»: «لأن 300 مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم الى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنوداً للمصحف، وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق، فعلى بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك»، وهكذا أخذ حسن البنا يدغدغ أحلام الملك الشاب الذي تولى العرش، ويلوح له بحلم الخلافة، بل ويمنحه هداية عامة منحها له الله على كل المسلمين، فماذا كان يريد الملك أكثر من ذلك؟ بل لقد تجاوز البنا كل الحدود عندما شبه الملك بالرسول صلى الله عليه وسلم، فعندما حضر الملك الاحتفال بيوم الهجرة، قالت مجلة الإخوان: «إنه أعاد صورة سالفة، صورة الرسول الكريم حينما طلع على أنصاره طلوع البدر»، وعندما وجه الملك تحية الى الشعب بمناسبة حلول شهر رمضان، كتب البنا في مجلة التنوير: «إن الفاروق يحيي سنة الخلفاء الراشدين، إذ يهنئ شعبه بحلول رمضان الكريم»، واستمر البنا علي سياسة الولاء والنفاق والتملق للملك، وبالغ في ذلك مبالغة دفعت الكثيرين لانتقاده، وإن كان هو وجماعته اعتبروا ذلك نصراً كبيراً، حتى إن جماعة الإخوان عند إعادة طبع كتاب البنا «مذكرات الدعوة والداعية» استبعدت كثيراً من حكايات وروايات وكتابات الولاء المفرط للملك، وحرصت على شطب كل ما له علاقة بهذا الأمر.
كما تأكدت التقية والنفاق في سياسات وممارسات الإخوان عندما اصطدم الملك فاروق بالنحاس باشا زعيم حزب الوفد رئيس الوزراء والذي كان مسلحاً بتأييد الشعب، حيث حرص حسن البنا في المقابل أن يقدم فاروق في صورة الملك الصالح المسلح بالدين، لكن النحاس باشا ظل متمسكاً بأهداف ليبرالية ورفض أن يتولى فاروق شئون الملك بأسلوب اسلامي، وذلك في خطاب عنيف أمام مجلس النواب قال فيه: «إن هذا الاقتراح اقحام للدين فيما ليس من شئونه، وايجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية» وأضاف النحاس باشا قائلا: «الاسلام لا يعرف سلطة روحية، وليس للرسل وساطة بين الله وعباده، وليس أحرص مني ولا من الحكومة التي أتشرف برئاستها على احترام وتنزيه الاسلام، كما أنه ليس أحرص منا على الالتزام بأحكام الدستور، ولكن الاحتفال بمباشرة جلالة الملك لسلطته الدستورية شىء آخر، فهو مجال وطني يجب أن يتبارى فيه سائر المصريين مسلمين وغير مسلمين»، إلا أن حسن البنا سرعان ما واجه الموقف باستعراض قواته لولائهم وتأييدهم للملك على النحو السابق ايضاحه، وعندما وقع الخلاف بين الملك والنحاس باشا، وخرجت الجماهير الوفدية الى الشارع «النحاس أو الثورة» و«الشعب مع النحاس»، نجد حسن البنا يسارع إلى اثبات جدارته بالولاء الفعلي للملك، فتخرج جموع الإخوان هاتفة «الله مع الملك» ويتباهى الإخوان كثيراً بأن «جلالة الفاروق خرج الى شرفة القصر ست مرات ليحيى مظاهراتهم»، لذلك أعطى الملك تأييده المطلق للإخوان، وفي ذلك كتب «السير مايلز لامبسون» المندوب السامي البريطاني الى وزارة خارجيته قائلا: «إن القصر الملكي قد بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة، وأن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم بعدم التدخل في أنشطة الإخوان»، ثم ينقلب البنا في واحد من تقلباته المعتادة، فما إن يصل الوفد إلى الحكم عقب حادث 4 فبراير 1942، حتى يتحالف معه البنا بصراحة ويقدم له كتابا يؤيد فيه سياسة الوزارة قائلا: «إن الواجب يقتضينا، والمصلحة تدعونا الى أن ننفذ بإخلاص وحسن نية أحكام المعاهدة «معاهدة 1936» التي وقعناها بمحض اختيارنا وملء حريتنا وقصدنا من ورائها سلامة استقلالنا»، كما أعلن البنا أيضاً انسحابه من الترشح للبرلمان ارضاء للنحاس باشا، وكان الأخير لم يقبل من حيث المبدأ وجود حزب سياسي يتحدث باسم الدين، فأصدر في سبتمبر 1942 قراراً بمنع الاجتماعات العامة للإخوان، واستدعى فؤاد سراج الدين «وزير الداخلية آنذاك» حسن البنا وسأله: «أنا عايز أعرف انتم جماعة دينية أم حزب سياسي؟» وأضاف سراج الدين: «احنا معندناش مانع أبداً انكم تكونوا حزب سياسي.. ولكن لا تتستروا بستار الدين، ولا تتخفوا في زي الدين، أما أن تتستروا ب «الله أكبر ولله الحمد» وفي نفس الوقت تقومون بعمل سياسي وتباشرون الحزبية فهذا غير معقول لأنه يخل بمبدأ تكافؤ الفرص بينكم وبين الاحزاب، فأنا كرجل سياسي حزبي لا أستطيع أن أهاجم جماعة دينية تنادي بشعارات دينية سامية، وإلا سأكون محل استنكار من الرأي العام». فرد عليه حسن البنا مراوغاً ومناوراً كعادته قائلا: «نحن لم نفكر في العمل بالسياسة، ونحن رجال دين فقط ورجال فكر ديني، وإذا كان صدر من بعض رجالنا أي عمل يخالف هذا الخط أو يدل على اتجاه سياسي فأستنكره وسأوقفه عند حده فوراً»!!
ويلخص د. رفعت السعيد هذه المواقف المتناقضة لحسن البنا في كتابه «حسن البنا.. الشيخ المسلح»، ضمن سلسلته الرائعة «الارهاب المتأسلم.. الجزء الثاني» ص 227، فيقول: «الحقيقة أن الأستاذ حسن البنا قد استحق عن جدارة بتصرفاته ومواقفه السياسية المعلنة الرضاء الملكي.. وتمضي سياسته المناورة بصاحبها، يتصور بها أنه قادر على أن يتلاعب بالجميع، ولكنه وبعد فترة قصيرة لا يلبث أن يدفع هو وجماعته ثمناً باهظاً، ويكتشف أن الجميع كانوا يتلاعبون به إذ كان هو يتصور أنه يتلاعب بهم.